تنمية ومجتمع

اشتراطات البناء الجديدة.. مكاسب ومقترحات

يترقب قطاع التشييد والبناء في مصر خلال شهر ديسمبر 2020 الإعلان عن اشتراطات البناء الجديدة، لمعاودة أنشطته التي تم وقفها بقرار حكومي منذ أواخر مايو الماضي. ويعوّل الكثيرون على الاشتراطات المنتظرة، لإحداث نقلة نوعية في بيئة السكن والحياة الحضرية في مصر. فلماذا تُشكل هذه الاشتراطات أهمية كبيرة في مواجهة البناء العشوائي، فضلًا عن طبيعة الاشتراطات المقترحة، وكيف يمكن تفعيلها حال صدورها؟ تجذر العشوائية  بدأت التجمعات العمرانية العشوائية وغير المخططة في الظهور على أطراف المدن المصرية في مطلع القرن العشرين، وذلك بالتزامن مع تزايد أعداد المهاجريين الريفيين القادمين إلى المدينة بحثًا عن عمل، وللاستفادة من الخدمات العامة المتاحة. وأخذت تلك الظاهرة…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

يترقب قطاع التشييد والبناء في مصر خلال شهر ديسمبر 2020 الإعلان عن اشتراطات البناء الجديدة، لمعاودة أنشطته التي تم وقفها بقرار حكومي منذ أواخر مايو الماضي. ويعوّل الكثيرون على الاشتراطات المنتظرة، لإحداث نقلة نوعية في بيئة السكن والحياة الحضرية في مصر. فلماذا تُشكل هذه الاشتراطات أهمية كبيرة في مواجهة البناء العشوائي، فضلًا عن طبيعة الاشتراطات المقترحة، وكيف يمكن تفعيلها حال صدورها؟

تجذر العشوائية 

بدأت التجمعات العمرانية العشوائية وغير المخططة في الظهور على أطراف المدن المصرية في مطلع القرن العشرين، وذلك بالتزامن مع تزايد أعداد المهاجريين الريفيين القادمين إلى المدينة بحثًا عن عمل، وللاستفادة من الخدمات العامة المتاحة. وأخذت تلك الظاهرة تتنامى على مدار العقود اللاحقة، لكنها شهدت تصاعدًا كبيرًا منذ ستينيات القرن الماضي، حيث أدى الانفجار السكاني الذي شهدته البلاد إلى تزايد الطلب على المساكن الجديدة. بينما لم تكن الدولة قادرة على توفير ما يكفي من المساكن من خلال الاستثمارات الحكومية، أو التنظيم الفعال لاستثمارات القطاع الخاص، ما أدى إلى التوجه للبناء العشوائيعلى ما توفر من الأرض سواء داخل المدن أو علىأطرافها.

ولم يقتصر البناء العشوائي على الأحياء والمناطق التي يسكنها أبناء الطبقات الفقيرة فقط، فأغلب الأحياء الراقية بالمدن المصرية طالتها يد التشوه العمراني، بسبب التنامي المتزايد لحاجة المواطنين. لهذا يعاني أكثر من 96% من المدن المصرية من عشوائية البناء، فوفقًا لدراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في عام 2016، فإن قرابة 40% من الكتلة العمرانية بمدن مصر تعاني من عشوائية التخطيط والبناء، وهو ما يعادل 160,800 فدان من الأرض، كما لوحظ أن محافظات القاهرة الكبرى الثلاث إضافة إلى الإسكندرية كانت الأكثر احتواء للمساحات العشوائية بإجمالي 64,600 فدان.

*المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

لم تتوقف أضرار البناء العشوائي عند تشويه العمران المصري، بل إنها أثّرت سلبًا على نمط الحياة للمواطنين، على صعيد التزاحم الشديد، وتقليص نصيب الفرد من المساحة العمرانية، وضعف جودة الخدمات العامة المقدمة للمواطن، والاكتظاظ المروري، بل إن مرافق الصحة أصبحت تعاني ضغطًا كبيرًا،ناهيك عن افتقار محافظات الجمهورية -باستثناء القاهرة- لمناطق الترفيه والتنزه العامة، كالحدائق والمتاحف والمجمعات التجارية ودور العرض السينمائي.

*المصدر: الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

مواجهة حكومية 

في مواجهة ظاهرة البناء العشوائي، طرحت الحكومة المصرية في منتصف عام 2020 تصورًا مقترحًا لإصدار اشتراطات البناء الجديدة، بحيث تقوم كل جامعة إقليمية بدراسة حالة المدن والتجمعات الحضرية، في إطار المحافظة التابعة لها، لتصدر بذلك اشتراطات توضح أنواع وأعداد المنشآت المطلوب تشييدها في إطار كل مدينة أو تجمع حضري، ومن المنتظر أن تتنوع اشتراطات البناء الجديدة بين منع كامل لكافة أشكال البناء في بعض المناطق الحضرية، ومنع جزئي للتشييد بمناطق أخرى، خاصة ما يتعلق بإنشاء المباني السكنية، فيما ستتمتع بعض المناطق بحالة من السماح الكامل لتشييد كافة أنواع المباني، لكن وفق الضوابط التي تحددها الدراسات، وأيضًا وفق ما يقره قانون البناء رقم 119 لسنة 2008.

كان من المنتظر أن يتم الإعلان عن النموذج الأوّلي لاشتراطات البناء الجديدة الخاصة بمحافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية قبل 24 نوفمبر 2020. ففي هذا التاريخ، انتهت مدة سريان قرار الحكومة الصادر بتاريخ 28 مايو 2020، والذي قضى بوقف كافة أعمال البناء لمدة ستة أشهر، حتى تتسنى الفرصة للمتخصصين من أجل العمل على كتابة الاشتراطات البنائية الجديدة. لكن التأخر في إعلان تلك الاشتراطات دفع برئاسة مجلس الوزراء إلى التصريح الضمني على لسان المتحدث الرسمي باستمرار حالة وقف البناء وإصدار التراخيص، حتى إشعار آخر.

في محاولةٍ لتخفيف حالة الأزمة التي يعيشها قطاع التشييد والبناء، أعلنت بعض المحافظات موافقتها على استئناف أعمال البناء التي صدرت رخصها الإنشائية قبل يونيو 2020، على شرط ألا يتجاوز ارتفاع المبنى المشيد 5 طوابق خلال الفترة الحالية، وأن يُسمح باستكمال باقي الأدوار المنصوص عليها في ترخيص البناء بعد إصدار الاشتراطات البنائية الجديدة، لكن هذا القرار لم يلقَ قبولًا واسعًا بين أصحاب التراخيص، حيث فضل أغلبهم الانتظار حتى يتم الإعلان الرسمي عن الاشتراطات البنائية، ويُعزَى التأخر في إعلان الاشتراطات البنائية الخاصة بمحافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية إلى استحواذ تلك المحافظات على 34% من جملة المناطق العشوائية في مصر، ما يُصعب عمل اللجان الفنية المشكلة، من أجل دراسة وتسجيل الاشتراطات البنائية الجديدة، ثم عرضها على القيادة السياسية، واعتمادها من قبل المجلس الأعلى للتخطيط.

مكاسب الاشتراطات

من المتوقع أن تسهم اشتراطات البناء الجديدة حال إصدارها في إحداث تغييرات شاملة على شكل العمران المصري، فعلى مستوى القطاعات الإدارية (مثل الأحياء والمدن الصغيرة) سوف يتم التصريح ببناء أنواع معينة من المباني، ومنع أخرى، وذلك تبعًا لاحتياج المواطنين بكل قطاع. كما ستتم تغييرات كبيرة على عملية استخراج تصاريح البناء، حيث سيجري تقسيمها إلى ثلاث مراحل،يبدأ أولها باستخراج بيان صلاحية الموقع للبناء، ثم يتبعها إصدار ترخيص البناء الخاص بموقع العمل، وتختتم تلك المراحل باستلام شهادة صلاحية المبنى للاستخدام، وذلك بعد المعاينة النهائية من قبل الجهة المختصة.

قد تُسهم أيضًا الاشتراطات الجديدة للبناء في تغير شكل وتصميم المباني التي ستنشأ مستقبلًا، حيث سيُراعَى لأول مرة نظام البناء على حصة أو جزء من الأرض، ويُساعد هذا النظام في وجود مساحات فاصلة بين المباني المتجاورة، ما يرفع جودة الوحدات السكنية الموجودة بالمبنى، بفضل دخول الهواء النقي وأشعة الشمس، كما سيتم بموجب الاشتراطات إنقاص ارتفاعات المباني الجديدة عما كانت تسمح به الاشتراطات المماثلة في الماضي.

ستُسهم كذلك الاشتراطات في ضبط عملية استخدام المباني، حيث لن يسمح بتشغيل الأنشطة التجارية أو الخدمية في الشوارع الضيقة، وذلك لعدم تعطيل الطريق العام، بالإضافة إلى ذلك لن يسمح بتحويل العقار السكني إلى تجاري تحت أي ظرف، وستقوم السلطات المحلية بتشجيع المواطنين على إنشاء الجراجات العامة أو ساحات انتظار السيارات، وذلك للعمل على حل مشكلة التكدس التي تشهدها الطرق.

مقترحات للتفعيل 

على الرغم من المكاسب التي تطرحها اشتراطات البناء في ضبط التشوه العمراني، فإن ثمة مقترحات يمكن طرحها بغية تفعيل تلك الاشتراطات على أرض الواقع، من أبرزها:

  • استغلال الفترة الانتقالية التي ستلي مرحلة إطلاق الاشتراطات الجديدة في إشراك أطراف السوق العقاري من المشيدين العقاريين، والمتخصصين العلميين، سواء علماء الهندسة أو الاقتصاد، والمجتمعات المحلية في كل محافظة، وذلك لاستيضاح آرائهم حول فاعلية الاشتراطات البنائية، وذلك لدرء أي معوقات أو سلبيات متوقعة.
  • توسيع إطار الاشتراطات البنائية الجديدة لتشمل تخصيص مساحات من الأرض للمتنزهات الخضراء والمناطق الترفيهية المختلفة، وذلك أسوة بالتوجه الحكومي الذي يتم تفعيله حاليًّا لتوفير مناطق الجراجات وساحات انتظار السيارات.
  • ضم عدد أكبر من المتخصصين العلميين في مسألة وضع وتعديل الاشتراطات البنائية الجديدة، حيث يجب أن يشارك خبراء النقل واللوجستيات، وأيضًا خبراء البيئة والاستدامة، بالإضافة إلى خبراء الاقتصاد، في صياغة تلك الاشتراطات لوضع النموذج الأمثل من الخدمات، وذلك لتحقيق أقصى استفادة لكل منطقة.
  • تطوير استراتيجية إعلامية وخلق قنوات تواصل فعالة مع المواطنين لتعريفهم بأهمية ودور اشتراطات البناء الجديدة في تطوير المجتمع، وهو ما من شأنه أن يقضي على حالة اللغط المتوقعة فور إعلان الاشتراطات.
  • إتاحة قدر مناسب من الحرية في يد المحافظين بما يسمح لهم بتعديل اشتراطات البناء الخاصة بمحافظاتهم، تبعًا لحالة النمو السكاني والاقتصادي، وتبعًا للظروف العمرانية والبيئية والجغرافية التي تتميز بها كل محافظة.
  • تطوير نظام الحصول على تراخيص البناء، لضمان الفاعلية، ولتقليل فرص الفساد للحد الأدنى، مع تأسيس منظومة رقابية قوية تحكم سيطرتها على عملية تفعيل اشتراطات البناء الجديدة، من خلال عمل لجان تفتيش ومتابعة مشتركة يتم تشكيلها من جهاز الرقابة الإدارية وجهاز الشرطة المصري والهيئة الهندسية للقوات المسلحة وقطاع التفتيش بوزارة الإسكان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلا عن “تقديرات مصرية”، العدد ١٦.

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة