وحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

رؤى متعارضة: الحوار مع الجماعات المُسلحة بمالي بين تأييد الحكومة ورفض فرنسا

بعد خمس سنوات من توقيع اتفاق السلام والمصالحة الوطنية في مالي لم يتم التوصل إلى السلام الشامل والمُستدام في البلاد، حيث امتد انعدام الأمن من شمال إلى وسط وجنوب مالي وصولًا إلى قلب منطقة الساحل الإفريقي، وحاليًّا يُهدد الدول الساحلية المجاورة في غرب إفريقيا. ولقد تسبب في مقتل حوالي 8000 شخص، وتشريد الملايين، وإغلاق آلاف المدارس، وقتل المزيد من المدنيين خلال عام 2019 أكثر مما كان عليه منذ بداية الصراع في شمال مالي عام 2012، بالإضافة إلى نزوح عشرات الآلاف من منازلهم، مما أثار موجة من النزوح الجماعي، وانتشار الجوع بسبب سوء التغذية، حيث استهدفت الهجمات الإرهابية باستمرار مسئولي الدولة…

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية

بعد خمس سنوات من توقيع اتفاق السلام والمصالحة الوطنية في مالي لم يتم التوصل إلى السلام الشامل والمُستدام في البلاد، حيث امتد انعدام الأمن من شمال إلى وسط وجنوب مالي وصولًا إلى قلب منطقة الساحل الإفريقي، وحاليًّا يُهدد الدول الساحلية المجاورة في غرب إفريقيا. ولقد تسبب في مقتل حوالي 8000 شخص، وتشريد الملايين، وإغلاق آلاف المدارس، وقتل المزيد من المدنيين خلال عام 2019 أكثر مما كان عليه منذ بداية الصراع في شمال مالي عام 2012، بالإضافة إلى نزوح عشرات الآلاف من منازلهم، مما أثار موجة من النزوح الجماعي، وانتشار الجوع بسبب سوء التغذية، حيث استهدفت الهجمات الإرهابية باستمرار مسئولي الدولة والسلطات التقليدية. على الرغم من وجود القوات الفرنسية والأممية، مما دفع الكثيرين إلى القول بأن الحوار مع الجماعات المُسلحة أفضل طريقة لإنهاء إراقة الدماء. وفي الثالث من ديسمبر 2020، أكد “مختار وان”، رئيس الوزراء الانتقالي في مالي، على ضرورة عرض الحوار على الجماعات المُسلحة تماشيًا مع إرادة الشعب المالي، استكمالًا للحوار الوطني الشامل الذي بدأ في صورة مشاورات وطنية واسعة النطاق عُقدت في أواخر عام 2019. 

البدايات المبكرة للحوار 

الحوار بين حكومة مالي والجماعات المُسلحة التي تنتشر في شمال ووسط البلاد ليس أمرًا مستجدًّا، حيث سبق طرحه عام 2012، حين التقى حركة “أنصار الدين”، والحركة الوطنية لتحرير أزواد، مع رئيس بوركينافاسو السابق “بليز كومباوري”، وسيط الجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا “إيكواس” في واغادوغو وذلك للتعبير عن استعدادهم للانخراط في العملية السياسية. إلا أن هذا الحوار تم تعليقه عندما تقدمت قوات “إياد أغ غالي” وجماعات أخرى باتجاه وسط مالي لبسط سيطرتها، مما أدى إلى التدخل العسكري الفرنسي عام 2013.

وفي الثامن عشر من يونيو 2013، توصلت حكومة مالي والحركة الوطنية لتحرير أزواد والمجلس الأعلى لوحدة أزواد عبر محادثات أُجريت بالجزائر إلى اتفاق مبدئي بشأن الانتخابات الرئاسية والمُحادثات الشاملة، وصولًا إلى اتفاق السلام والمصالحة الوطنية عام 2015. كما نُوقش اقتراح الحوار خلال مؤتمر التفاهم الوطني في باماكو، الذي انعُقد في الفترة من 27 مارس إلى 2 إبريل 2017، لتعزيز ثقافة السلام والحوار مع جميع أبناء الأمة بمن فيهم الجماعات المُسلحة، على ألا تمس مطالبهم الوحدة الوطنية وأسس الجمهورية، ودعا المشاركون في المؤتمر حوالي 300 مُمثل عن الحكومة والمعارضة والجماعات المُسلحة والمجتمع المدني إلى اجتماعات مفتوحة لمعرفة ما تريده الجماعات المُسلحة، وفتح اتصالات مع قادة هذه الجماعات مع الحفاظ على الطابع العلماني للدولة.

مرةً أخرى، ترددت هذه الدعوات خلال المؤتمر الوطني للحوار الوطني الشامل في ديسمبر 2019، وحُسم الجدل بشأن الحوار مع الجماعات المُسلحة في ظل اعتبار هذا الحوار أمرًا ضروريًّا لإنهاء حالة الصراع في البلاد. وعلى هامش قمة “باو” الفرنسية التي انعُقدت في الثالث عشر من يناير 2020، خلال الجلسة المغلقة بين رؤساء دول الساحل الخمس وفرنسا، تناقش “إبراهيم أبو بكر كيتا”، رئيس مالي السابق، مع الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”، في فكرة الحوار مع الجماعات المُسلحة لأول مرة بشكل مُباشر.

وكتحول نوعي في معركة الحرب ضد الإرهاب 2020 طرح “إبراهيم أبو بكر كيتا” في العاشر من فبراير خيار الحوار مع الجماعات المُسلحة، وأوضح أن “التحدث مع الجماعات المُسلحة ومُحاربة الإرهاب ليس متناقضًا” باعتباره ينطلق من واجبه كرئيس من أجل “خلق كل المساحات الممكنة بحيث يمكن تحقيق نوع من التهدئة بطريقة أو بأخرى”. وفي الثامن من مارس 2020، قال “إياد أغ غالي”، زعيم جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”، إن الجماعة وافقت على الحوار مع حكومة باماكو، دون شروط مُسبقة تماشيًا مع الإرادة الشعبية، التي عبر عنها السكان فيما يتعلق بإنهاء الحرب. 

الحكومة الانتقالية والحوار

أبدت الحكومة الانتقالية في مالي التي تم تشكيلها في أكتوبر 2020 استعدادها لفتح الحوار مع الجماعات المُسلحة من أجل وقف إطلاق النار، وخفض حدة التوترات، وطمأنة السكان المحليين، وتسيير الوصول للقوافل الإنسانية والإغاثية إلى المناطق التي تنشط فيها هذه الجماعات، وبعد ذلك إمكانية توسيع نطاق المفاوضات. ويأتي ضرورة الحوار لعددٍ من الأسباب والفرص، يمكن توضيحها كما يلي: 

  • استمرار مظاهر انعدام الأمن: لا تزال الحركات المسلحة المتعددة في شمال ووسط مالي تشكل المصدر الرئيسي لانعدام الأمن في البلاد، حيث استطاعت الحصول على موطئ قدم في البلاد من خلال ترسيخ نفسها كجهات فاعلة في الحكم المحلي، حيث تحتفظ بقدرة عسكرية ونفوذ سياسي لاستمرار عدم الاستقرار، وتعمل على إعاقة أي اتفاقات للسلام، كما تُوفر الأمن وتقديم الخدمات، وتحكم في النزاعات القديمة لكسب دعم المجتمعات المحلية. بالإضافة إلى تنامي الهجمات الإرهابية. وفي الوقت نفسه، أعادوا توجيه المظالم المحلية ضد الدولة. 
  • التوافق المبدئي بشأن أولويات الحوار: نظرًا لوجود سوابق متعددة للحوار بين الحكومة المالية والجماعات المسلحة أصبح من المعلوم أن أي حوار مقترح من شأنه أن يربط بين الأبعاد المختلفة للصراع، من أجل الخروج بحلول تساعد على استعادة سلطة الدولة وتسريح أعضاء الجماعات من خلال مُراعاة الديناميكيات المحلية. 
  • السياق السياسي الجديد: جاء التغيير السياسي الذي شهدته مالي منذ أغسطس 2020 ليفتح الباب أمام تشكل بيئة جديدة للحوار قد تساهم في تعزيز إجراءات بناء الثقة، خاصًة بعد صفقة تبادل الأسرى الأخيرة بين الحكومة المالية الجديدة والجماعات المُسلحة بإخلاء سبيل قرابة 200 شخص معظمهم من الجماعات المُسلحة، مُقابل أربعة أسرى لدى الجماعات المُسلحة بما فيهم “سومايلا سيسي”، المعارض المالي، و”صوفي بترونين”، آخر رهينة فرنسية في العالم.
  • الدور المتصاعد للقادة الاجتماعيين: فقد لعب الإمام “محمود ديكو” أحد رجال الدين دورًا بارزًا في تيسير التواصل بين الحكومة المالية والحركات المسلحة من خلال نشاط مكتب الإرساليات الحميدة للإمام “ديكو”، وهو ما يأتي استغلالًا لمواقف ديكو الثابتة المطالبة بالحوار مع الجماعات المُسلحة، حيث دعا “ديكو” إلى هدنة، وضرورة الحوار للخروج من حالة من انعدام الأمن في ظل انهيار دولة مالي مع جميع المشكلات الأخرى حيث لن تكون قادرة على الصمود في حرب لا نهاية لها، ويجب إيجاد طريقة لتقليل الحرب والتعامل معها والخروج بطريقة آمنة. 

المعارضة الفرنسية للحوار

في السادس من أكتوبر 2020، أوضح “جان إيف لودريان” وزير الخارجية الفرنسي أثناء زيارة إلى باماكو، موقفه المعارض للحوار مع الجماعات المُسلحة يُشاركه فيه مجلس الأمن الدولي ودول الساحل الخمس، كما أكد “فرانسوا لوكوانتر” رئيس أركان الجيش الفرنسي في أواخر عام 2019، على أن رؤية فرنسا لدولة مالي ديمقراطية ومُلزمة بالقانون ولا تستوعب هذا النوع من الحوار، وحذرت فرنسا من أي مُناقشات مع الجهاديين، وتصر على رفضها فتح مفاوضات سلام مع الجماعات المُسلحة في مالي، وذلك لعددٍ من الأسباب: 

  • الافتقار إلى خطة واضحة: ترى فرنسا ضرورة إجراء الحوار مع الجماعات المُسلحة في مالي خارج اتفاق السلام والمصالحة الوطنية لتجنب منحهم نفس الشرعية التي يتمتع بها المشاركون في عملية السلام في ظل الافتقار إلى خطة لمحادثات السلام، وبالتالي ستنتهي بإضفاء الشرعية على مطالب الجهاديين دون مُعالجة مظالم المجتمعات المحلية، وعدم مُشاركة جميع الجهات الفاعلة الأخرى، وسيكون من الصعب التغلب على انعدام الأمن. وعليه، لا بد من مُراعاة ميزان القوى عند فتح الحوار. ففي الوضع الحالي، لم تحتل السلطات المالية بعد موقعًا مهيمنًا من الناحية الأمنية في المنطقة الوسطى من البلاد، وفي حالة فتح الحوار، سيصل قادة هذه الجماعات مثل “أمادو كوفا”، زعيم كتيبة تحرير مآسينا التابعة لجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” إلى طاولة المفاوضات في وضع متميز بشكلٍ خاصٍ.
  • التناقضات بين الجماعات المُسلحة: الجماعات المُسلحة ليست كتلة مُتماسكة في ظل عدم وضوح كيف سيتم تحديد ترتيبهم وملفهم على طاولة المفاوضات، ويمكن للمحادثات أن تشمل الأطراف الأقل تطرفًا لكنها الأضعف تأثيرًا، بينما قد تبتعد الحركات الأكثر تطرفًا كتلك المتحالفة مع القاعدة وداعش عن الحوار، الأمر الذي قد يقلل من نتائجه الملموسة على أرض الواقع.
  • الشروط غير المقبولة للحوار: منذ عدة سنوات انخرطت فرنسا بقوة في الحرب ضد الإرهاب في مالي، وتنأى بنفسها عن منظور المحادثات مع الجماعات المُسلحة، حيث تؤدي قوة برخان وظيفة حيوية من أجل عودة السلام الدائم في مالي، ويجب تكثيف الكفاح المُسلح، وإشراك السكان وخاصًة الشباب والنساء في المناطق الريفية في مسألة الإنذار المُبكر. ووفقًا للمؤشرات الأولية فإن العديد من الجماعات المسلحة في مالي تقبل من حيث المبدأ التخلي عن العمل المسلح، لكن وفق شروط متشددة تتضمن رحيل بعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما) وعملية برخان الفرنسية، وهو ما لن تقبله فرنسا بأي حال.

من كل ما سبق، يمكن القول إن فرنسا تفضل مواجهة التهديد الإرهابي في الساحل الإفريقي عن طريق المواجهة المسلحة، وترى من الصعوبة قبول مبدأ الحوار مع هذه الجماعات التي تسببت في خسائر في صفوف جنودها، ومُحاربتهم فقط من خلال عملية برخان، وتأمل في إضعافهم لدرجة الاستسلام. أما على الجانب المالي، فقد أصحبت الجماعات المُسلحة تكسب الأرض، وتعمل على تجنيد السكان المحليين عن طريق الدعاية أو بالقوة على نطاق واسع، ولم يعد الأمر يتعلق بمُحاربة الجماعات المُسلحة بل بمواطنيها الذين تم حشدهم في هذه الجماعات. وتعتقد السلطات المالية أن لديها الأدوات للحوار والتفاهم مع هذه الجماعات. أخيرًا، من المهم لأي محاولة لاحتواء الحركات المسلحة في مالي ألا يكون الحوار غاية في حد ذاته، بل يجب أن يكون جهدًا مُستمرًا جنبًا إلى جنب مع الخيارات الأمنية والعسكرية والتنموية.

نسرين الصباحى
باحث بوحدة الدراسات الأفريقية