وضع مقلوب في نظامنا التعليمي

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

على عكس كل العالم، لدينا تنوع كبير في أشكال وألوان المدارس. وعلى عكس العالم أيضا، فإن جامعاتنا تشبه بعضها البعض. تعددية نظم التعليم قبل الجامعي تمزق المجتمع والثقافة الوطنية؛ فيما تشابه الجامعات يخنق الإبداع والتميز.  في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، حذر طه حسين من ثنائية التعليم الديني والمدني في مصر. لو طال العمر بعميد الأدب العربي لصدمته التعددية المفرطة في نظم التعليم قبل الجامعي، فقد أصبح لدينا تعليم عام وخاص وتجريبي ولغات ودولي، من كل مكان في العالم، من كندا حتى اليابان. حتى التعليم الأزهري عندنا أصبح فيه تعليم خاص وعام، وأصبح هناك مدارس أزهرية خاصة باللغة الانجليزية، ومازال…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

على عكس كل العالم، لدينا تنوع كبير في أشكال وألوان المدارس. وعلى عكس العالم أيضا، فإن جامعاتنا تشبه بعضها البعض. تعددية نظم التعليم قبل الجامعي تمزق المجتمع والثقافة الوطنية؛ فيما تشابه الجامعات يخنق الإبداع والتميز. 

في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، حذر طه حسين من ثنائية التعليم الديني والمدني في مصر. لو طال العمر بعميد الأدب العربي لصدمته التعددية المفرطة في نظم التعليم قبل الجامعي، فقد أصبح لدينا تعليم عام وخاص وتجريبي ولغات ودولي، من كل مكان في العالم، من كندا حتى اليابان. حتى التعليم الأزهري عندنا أصبح فيه تعليم خاص وعام، وأصبح هناك مدارس أزهرية خاصة باللغة الانجليزية، ومازال الباب مفتوحا للمزيد من التجارب. 

يتخرج الطلاب من كل هذه المدارس ذات التقاليد المختلفة، لينتقلوا إلى التعليم الجامعي، مرورا من بوابة واحدة، هي بوابة مكتب التنسيق، الذي يجمع القادمين من تقاليد متنافرة، فيساوي بينهم، ويعيد توزيعهم بين الجامعات والكليات المختلفة، وفقا لمجموع درجاتهم في الثانوية العامة. باستثناء الألف وخمسمائة طالب أوائل الثانوية العامة الذين يتيح لهم النظام حرية الاختيار، يقوم مكتب التنسيق بتوزيع الطلاب على الجامعات المختلفة وفقا لقاعدة التوزيع الجغرافي، ليلتحق الطالب بالجامعة الأقرب إلى مكان سكنه، فكل جامعة أولى بالطلاب الذين يعيشون في الأحياء والقرى والبلدات القريبة. وفقا لهذا النظام فإن كلية الطب في جامعة تأسست العام الماضي لا تختلف في شيء عن أقدم كلية طب في الشرق الأوسط؛ وكلية الهندسة التي نشر أساتذتها آلاف الأبحاث في أفضل الدوريات العلمية، لا تختلف في شيء عن كلية هندسة تم افتتاحها حديثا، ومازالت تستكمل هيئة التدريس فيها من بين شبان لم يحصلوا على الدكتوراه إلا قبل شهور قليلة؛ وكلية الآداب التي درس فيها طه حسين وأحمد أمين وزكي نجيب محمود ورشاد رشدي ونصر حامد أبو زيد وجابر عصفور، لا تختلف في شيء عن كلية الآداب في أي واحدة من الجامعات الحكومية السبعة وعشرين. 

لا أفهم سببا للتمسك بقاعدة التوزيع الجغرافي للطلاب؛ على العكس، فربما كانت الإقامة الطويلة للطلاب في نفس المدينة أو القرية التي فتحوا أعينهم فيها، وبقائهم في رعاية الأسرة لأكثر من عقدين من الزمان، ربما كان هذا سببا في نقص الخبرة، وضعف القدرة للاعتماد على الذات، وإضعافا لآليات تبادل الخبرات والقيم الثقافية والاجتماعية بين أبناء الوطن ومناطقه. 

نظام التعليم الجامعي عندنا لا يميز بين الجامعات، حتى أنه لا يوجد أي ترتيب للجامعات الثلاثة وستون الموجودة في مصر، سواء السبعة وعشرين جامعة الحكومية، أو الجامعات الأخرى الخاصة والأهلية؛ ولولا التصنيفات الدولية لفقدنا أي دليل يؤكد التفاوت بين جامعاتنا؛ ففي تصنيف كيو إس لعام 2021، والذي يضم قائمة بأهم ألف جامعة في العالم ، فإننا لا نجد سوى جامعاتنا المدنية الأربعة الأقدم، بما فيها الجامعة الأمريكية. 

نظامنا الجامعي يخضع لقواعد بيروقراطية جامدة، موحدة وصارمة؛ فالطلاب يلتحقون بالجامعات وفقا لنفس القواعد والمعايير والاختبارات؛ والشهادات الصادرة عن الجامعات لها جميعا نفس القيمة، فشهادة بتقدير جيد جدا صادرة عن جامعة عريقة، ليست في نظر الحكومة أفضل من درجة امتياز صادرة عن جامعة صغيرة السن، مازالت تبني تقاليد أكاديمية وتبحث عن هوية. أما أعضاء هيئات التدريس، فيتم اختيارهم وتنظيم عملهم وفقا لكادر جامعي موحد، فلا الحصول على وظيفة في جامعة عريقة أصعب من الحصول عليها في جامعة تخطو أولى خطواتها، كما أنه ليست هناك ميزة تذكر يحصل عليها أساتذة الجامعات العريقة مقارنة بأقرانهم في أي جامعة أخرى. 

في نظام كهذا نفقد القدرة على الحفاظ على القليل من التميز العلمي والمعرفي المتوفر لنا، ونهبط بالعدد المحدود الذي نملكه من جامعات يمكنها أن تكون رائدة علميا ومعرفيا، إلى مستوى جامعات التعليم المهني. والبديل هو أن يتم التمييز بين جامعات بحثية، يكون عبء إجراء البحوث الواقع على عاتق الأستاذ فيها أكثر بكثير من العبء التدريسي؛ على أن تقف هذه الجامعات على قمة هرم قاعدته من جامعات التدريس، التي يتحمل فيها الأستاذ عبء تدريسي أكبر، مقابل أعباء بحثية أقل. الجامعات البحثية لا تقبل سوى عدد محدود من أنبه الطلاب، من كافة الأنحاء، بغض النظر عن التوزيع الجغرافي، فتنمو فيها بيئة أكاديمية راسخة، تسمح لطلابها وأساتذتها أن يكونوا جزءا من المجتمع العلمي العالمي شديد الرقي والتطور، بلا شعور بالدونية أو النقص. 

تقدم جامعات الأبحاث المميزة النموذج المثالي الذي تسعى الجامعات الأخرى للاقتداء به؛ وهو الدور الذي تقوم به جامعات مثل أكسفورد وكمبريدج في انجلترا؛ وجامعات مثل هارفارد وشيكاغو في الولايات المتحدة. قد تتمكن بعض جامعات التدريس من اللحاق بجامعات المقدمة، فنربح جامعات ممتازة إضافية. أو قد ينتقل الأساتذة المميزون في جامعات التدريس للعمل في جامعات البحوث، فنكسب علماء جدد، بدلا من قواعد الجمود البيروقراطي، التي تبقي الأستاذ في الجامعة نفسها، منذ الحصول على الثانوية العامة حتى لقاء وجه رب كريم، اللهم إلا سنوات قد يقضيها في جامعات الخليج. 

الامتياز وجامعات البحث العلمي هي السبيل لإنتاج علماء وبائيات، متفرغين لدراسة الأوبئة وقواعد انتشارها، دون الحاجة لفتح عيادة لعلاج المرضى؛ وهي السبيل لتخريج علماء في الطب، يدرسون الفيروسات وطفراتها، ويطورون العلاجات واللقاحات، بدلا من الاكتفاء بتخريج أطباء يعالجون المرضى. جامعات البحث العلمي الممتازة هي السبيل لإنتاج علماء يطورون مصادر جديدة للطاقة، ونباتات تنمو في الصحراء بقليل من الماء؛ ويقودون بلدنا نحو أبحاث الفضاء، وكلها مجالات لا يمكن دخولها بجامعات التدريس، المشغولة بتأهيل الخريجين لسوق عمل، ليس فيه إلا النادر من الوظائف كثيفة المعرفة. 

ـــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس ٣١ ديسمبر ٢٠٢٠.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب