طلعت حرب والقطاع الخاص المصري

تحت عنوان: خلق الأسواق في مصر.. تحقيق الامكانات الكاملة لقطاع خاص منتج، أصدر البنك الدولي تقريره عن الاقتصاد المصري وكان قد سبقه بتقرير آخر صدر في نوفمبر تحت عنوان: من الأزمة إلى التحول الاقتصادي… إطلاق العنان لإمكانات مصر الاقتصادية وخلق فرص العمل، وقد ركزا على كيفية استعادة الاستقرار للاقتصاد الكلى والتحول نحو قيام القطاع الخاص بدور أكبر على مدى السنوات المقبلة وتعزيز نمو الإنتاجية ودعم انتقال العمالة إلى الأنشطة والقطاعات ذات القيمة المضافة الأعلى. ومن المفارقات أن يتزامن نشر التقريرين ونحن نحتفل بذكرى مولد طلعت حرب في 25 نوفمبر من كل عام والذي يعد وبحق مؤسس النهضة الصناعية بالبلاد حيث…

عبد الفتاح الجبالي

تحت عنوان: خلق الأسواق في مصر.. تحقيق الامكانات الكاملة لقطاع خاص منتج، أصدر البنك الدولي تقريره عن الاقتصاد المصري وكان قد سبقه بتقرير آخر صدر في نوفمبر تحت عنوان: من الأزمة إلى التحول الاقتصادي… إطلاق العنان لإمكانات مصر الاقتصادية وخلق فرص العمل، وقد ركزا على كيفية استعادة الاستقرار للاقتصاد الكلى والتحول نحو قيام القطاع الخاص بدور أكبر على مدى السنوات المقبلة وتعزيز نمو الإنتاجية ودعم انتقال العمالة إلى الأنشطة والقطاعات ذات القيمة المضافة الأعلى. ومن المفارقات أن يتزامن نشر التقريرين ونحن نحتفل بذكرى مولد طلعت حرب في 25 نوفمبر من كل عام والذي يعد وبحق مؤسس النهضة الصناعية بالبلاد حيث أنشأ مجموعة من الشركات في مجالات عديدة كالغزل والنسيج والنقل والتأمين والسينما الخ. وهي العملية التي جرت بعد أن قام بدراسة شاملة ومتكاملة للأوضاع الاقتصادية السائدة آنذاك وآليات الخروج منها ووضعها في كتابه «علاج مصر الاقتصادي الصادر 1913». وكما ذكر د/إبراهيم شحاته أن نموذج طلعت حرب كان يؤكد دوما أن الثروة الفردية إذا لم تتحول في الوقت ذاته إلى ثروة عمومية، فلن ينجح قطاع الأعمال الخاص في أن ينهض بمهامه وتحقيق تنمية اقتصادية والرخاء لمجمل أفراد المجتمع. ويرتبط بذلك إصلاح الخلل الذى أصاب التوازن الاقتصادي بالبلاد، فكان الاهتمام بالتصنيع يهدف إلى تحقيق النمو الاقتصادي عن طريق الاستغلال الأمثل لثروات البلاد المادية والبشرية، وتوفير حصيلة الصادرات لشراء السلع الرأسمالية، بدلا من تبديدها في شراء المواد المصنوعة والكمالية، فضلا عن ذلك ساعدت هذه المشروعات في تكوين رأس المال المصري عن طريق احتجاز الأرباح داخل البلاد وفى أيدى المصريين بدلا من تسربها إلى أيدى الأجانب خارج البلاد، كما طالب بضرورة انفصال النظام النقدي المصري عن البريطاني وتحرره من التبعية للجنيه الإسترليني. وهو ما يدفعنا للتساؤل وماذا عن الموقف الحالي للقطاع الخاص المصري؟ وبعبارة أخرى إلى أي مدى يتحرك الاستثمار الخاص في سبيل المساهمة لإحداث التنمية المنشودة للبلاد؟ وهل نجح في إنجاز المهام الموكلة إليه؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي، فماهي الأسباب وراء ذلك وهل هي راجعة إلى طبيعة القطاع الخاص المصري وقدرته؟ أم أنها تعود إلى المناخ الاستثماري القائم؟ وللإجابة عن كل هذه التساؤلات وغيرها لابد من دراسة خصائص وسمات هذا القطاع لمعرفة المجالات التي يهتم بها والعوامل التي تحكم اختياراته وتفضيلاته لنشاط معين دون آخر.

فمن المعروف أن أي نشاط إنتاجي اقتصادي يتم في وسط اجتماعي وسياسي معين تنظمه أطر مؤسسية وقانونية وإدارية معينة، وأن نجاح أي عملية اقتصادية هو بالأساس رهن بمدى الانسجام والتوافق بين أدوات السياسة الاقتصادية سواء السياسة النقدية أو المالية أو الصرف الأجنبي أو العمالة وغيرها. كما أن ذلك يتطلب توفير المناخ الاستثماري المناسب للقيام بالعملية الإنتاجية أي مجموعة الظروف والعوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإدارية التي تؤثر في القرار الاستثماري.

وقد قامت الحكومة بالعديد من الإجراءات والسياسات الهادفة لذلك منها تعديل التشريعات المنظمة للاستثمار  والضرائب والجمارك، وكذلك الخفض المستمر في معدلات الفائدة فضلا عن المساندة التمويلية والمالية الخ من إجراءات ولكنها لم تفلح حتى الآن في زيادة استثمارات هذا القطاع إذ تشير الإحصاءات إلى أن استثمارات القطاع الخاص قد تراجعت من نحو 59% من إجمالي استثمارات عام 2018/2019 إلى نحو 41% عام 2019/2020 الأمر الذى يشير إلى عدم قدرة هذا القطاع على إدارة عجلة الاقتصاد القومي في ظل غياب الاستثمار العام حيث مازال يسير في ركاب الاستثمارات العامة دون أن يبادر بالولوج إلى المجالات الاستثمارية المختلفة، وهى إحدى السمات الأساسية للقطاع الخاص حتى الآن. 

ومما يزيد من خطورة المسألة عدم وجود طبقة المنظمين بالمجتمع، وهم وحدهم القادرون على الاستخدام الجيد لهذه الاستثمارات والولوج بها في قطاعات إنتاجية جادة. ولكن غياب هذه الشريحة جنبا إلى جنب مع حرية الاستثمار دون وجود مخطط تنموي محدد بصورة واضحة قد أديا إلى ما يمكن تسميته عشوائية الاستثمار ومن ثم وجود استثمارات غير مطلوبة أو مرغوبة على الأقل في الفترة الراهنة. والأهم من ذلك وجود طاقات عاطلة كبيرة في العديد من الصناعات. فمن الضروري التفرقة بين «الاستثمار الفعلي» و”الاستثمار المرغوب فيه” إذ انه وعلى الرغم من أهمية تراكم رأس المال في حد ذاته إلا أن تحسين نوعية الموارد وفاعلية استخدامها له أهمية كبيرة أيضا. وفى المقابل فإن القطاع الخاص المنظم لم يستطع تعويض ما فقد من عمالة في القطاع العام بالإضافة إلى الزيادات السنوية في قوة العمل. هذا مع ملاحظة أن معظم العمالة التي لحقت بالقطاع الخاص قد انضمت إلى القطاع غير المنظم أو غير الرسمي. وبالتالي سارت حركة التشغيل في المجتمع على عكس الاتجاه المستهدف والذي كان هادفاً إلى أن يستوعب القطاع الخاص المنظم المزيد من قوة العمل وليس العكس، فعلى الرغم من إبطاء التعيينات في الوظائف الحكومية وتشجيع الإجازات غير المدفوعة الأجر، فإن الزيادة في معدلات البطالة وعدم قدرة القطاع الخاص على امتصاصها أدى إلى تدخل الدولة من جديد إلى سوق العمل عن طريق تعيين المزيد في دولاب العمل الحكومي. وفى هذا السياق أيضا يجب إعادة صياغة لغة الخطاب لدى جمعيات رجال الأعمال والمستثمرين، إذ غالبا ما تتم المساومة مع الحكومات لانتزاع بعض المكاسب لتنفيذ سياسات معينة، فحين تطالب الحكومة القطاع الخاص بإنجاز مهمة محددة نجده يشترط شروطا كثيرة وصعبة التحقيق مما يعوق المفاوضات أو الاتفاق وهى أمور تنبع من الحرص على المصالح الشخصية وإهمال المصلحة العامة والأدلة على ذلك كثيرة ومتنوعة، وبالتالي هناك دور مهم وحيوي يقع على كاهل القطاع الخاص المصري خاصة خلال المرحلة الراهنة التي تمر بها البلاد بمرحلة غاية في الخطورة وتطلب مشاركة فعالة وقوية لهذا القطاع إذا أراد أن يكون شريكا حقيقيا وفاعلا في العملية التنموية.

نقلا عن جريدة الأهرام، الأربعاء ٣٠ ديسمبر ٢٠٢٠.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب