تنمية ومجتمع

توخّي الحذر: التلقيح بين إنتاج اللقاحات والتصريح باستخدامها

تُدرج المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، اللقاحات على أنها أحد “الإنجازات العشر الكبرى للصحة العامة في القرن العشرين”، نظرًا لتأثيرها الهائل في خفض معدلات الاعتلال والوفيات، ووفقًا لمنظمة اليونيسف، استطاعت لقاحات مرض الحصبة وحدها أن تمنع أكثر من 23 مليون وفاة بين عامي 2000 و2018. وفي هذا العام، شهد العالم سباقًا ضخمًا لإنتاج لقاحات ضد وباء فيروس كورونا المستجد الذي حصد أرواح ما يزيد على مليون و700 ألف شخص حول العالم. وبعد أن بدأت الشركات المُطورة للقاحات، في نوفمبر 2020، في الإعلان عن النتائج النهائية لفاعلية اللقاحات الجديدة في الوقاية من الإصابة بالفيروس، تحول الانتباه إلى الهيئات التنظيمية الوطنية كي تُصدر قرارها…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

تُدرج المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، اللقاحات على أنها أحد “الإنجازات العشر الكبرى للصحة العامة في القرن العشرين”، نظرًا لتأثيرها الهائل في خفض معدلات الاعتلال والوفيات، ووفقًا لمنظمة اليونيسف، استطاعت لقاحات مرض الحصبة وحدها أن تمنع أكثر من 23 مليون وفاة بين عامي 2000 و2018. وفي هذا العام، شهد العالم سباقًا ضخمًا لإنتاج لقاحات ضد وباء فيروس كورونا المستجد الذي حصد أرواح ما يزيد على مليون و700 ألف شخص حول العالم. وبعد أن بدأت الشركات المُطورة للقاحات، في نوفمبر 2020، في الإعلان عن النتائج النهائية لفاعلية اللقاحات الجديدة في الوقاية من الإصابة بالفيروس، تحول الانتباه إلى الهيئات التنظيمية الوطنية كي تُصدر قرارها سريعًا حول منح الاعتماد للقاحات الجديدة، وبدء عملية التلقيح الشامل بها قبل نهاية العام.

الهيئات التنظيمية للمستحضرات الطبية

تمتلك كل دولة هيئة تنظيمية وطنية تتخصص في إصدار الاعتمادات للمستحضرات الدوائية والحيوية مثل الأمصال واللقاحات، ويكون لتلك الهيئات سُلطة إعطاء الضوء الأخضر للشركات المُطورة كي تبدأ التجارب السريرية للمستحضرات الجديدة، مع تفتيش المرافق التي يتم فيها إجراء تلك الاختبارات. وتقوم الهيئات التنظيمية أيضًا، بفحص ومراجعة كافة مراحل الإنتاج والتصنيع داخل منشآت إنتاج الأدوية واللقاحات من أجل التأكد من تطبيق معايير ممارسات التصنيع الجيد Good Manufacturing Practices أو ما يعرف اختصارًا بـGMP، وتتم عمليات التفتيش بانتظام على منشآت الإنتاج الجديدة أو المرافق المستخدمة بالفعل، وفي بعض الأحيان يتم إطلاق حملات تفتيش فورية مفاجئة في حال تم الإبلاغ عن وجود أي مشكلة في المنشأة. 

تبدأ الشركات المُطورة للمستحضرات الجديدة أولى خطواتها في استحقاق الاعتماد عبر تقديم طلب أولي لبدء التجارب السريرية للهيئة التنظيمية، على أن يتضمن الطلب وصفًا كاملًا للمستحضر وطريقة تصنيعه وكافة اختبارات مراقبة الجودة التي مر بها. وبعد مراجعة كل تلك التفاصيل من قبل الهيئة يتم منح الموافقة اللازمة لبدء التجارب السريرية. وبعد الانتهاء من المراحل الثلاث للتجارب السريرية، تتقدم الشركات مرة أخرى بطلب لترخيص واعتماد تسويق المستحضر الجديد، مرفق به كافة معلومات ونتائج التجارب السريرية. وتتم مراجعة تلك المعلومات من قبل الهيئات التنظيمية وفقًا لأطر زمنية تختلف تبعًا لما إذا كان المستحضر الجديد يستحق الأولوية في المراجعة؛ لأنه يحقق نتائج أفضل كثيرًا من المستحضرات المتاحة، أو يتم مراجعته مراجعة نظامية لأن ميزاته العلاجية مشابهة للمستحضرات المتاحة في الأسواق. وفي حال كانت المعلومات المُقدمة كافية لإثبات الفعالية والمأمونية للمستحضر الجديد تُصدر الهيئة قرارًا تنفيذيًا بالموافقة على طلب الترخيص بتسويق المستحضر الجديد، أما إن كانت المعلومات غير كافية فتصدر الهيئة قرارًا بعدم الموافقة، مع طلب المزيد من المعلومات بشأن المستحضر. 

ولا ينتهي دور الهيئات التنظيمية عند هذا الحد، بل إنها تواصل مراقبة المستحضر الجديد بعد طرحه في السوق، فيما يُعرف باسم المرحلة الرابعة من التجارب السريرية، لمتابعة الآثار الجانبية التي قد تطرأ على الأفراد بعد تلقيهم للمستحضر، واتخاذ الإجراء اللازم بخصوص المستحضر الجديد وفقًا لما يتم رصده.

إدارة الغذاء والدواء الأمريكية Food and Drug Administration (FDA) هي من أشهر الهيئات، المسئولة عن ترخيص المستحضرات الطبية، وهي وكالة فيدرالية تأسست عام 1906، وتتبع وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، وتضم تسعة مراكز أبحاث فرعية لتنظيم وضمان سلامة وفعالية الأدوية البشرية والبيطرية والبيولوجية والأجهزة الطبية والإمدادات الغذائية ومستحضرات التجميل، وهي المسئولة عن ترخيص ومراقبة ما قيمته 2.8 تريليون دولار من المنتجات التي تباع في الولايات المتحدة، وهذا يعادل ربع ما يشتريه المستهلك الأمريكي سنويًا. بلغت ميزانية FDA في عام 2020 (5.9) مليارات دولار أمريكي. وبالإضافة إلى وظائفها التنظيمية، تقوم FDA بتنفيذ أنشطة البحث والتطوير؛ لتطوير التكنولوجيا والمعايير التي تدعم دورها التنظيمي، بهدف التعامل مع التحديات العلمية والتقنية قبل أن تُصبح عائقًا، وتغطي تلك الجهود البحثية كافة المجالات مثل الطب الحيوي، والأجهزة الطبية. 

وعلى الصعيد الوطني تُعد هيئة الدواء المصرية، التي أُنشئت بقرار رقم 151 لعام 2019، هي الجهة المسئولة عن حماية وتعزيز الصحة العامة في مصر؛ من خلال تنظيم ومراقبة جودة وفاعلية ومأمونية المستحضرات والمستلزمات الطبية والمواد الخام الدوائية، وزيادة الوعي العام عبر التحذيرات من الأدوية المقلدة، أو سوء استخدام العقاقير، والتي يتم نشرها بصورة دورية من خلال مركز المعلومات الدوائية بالهيئة، مع استقبال بلاغات المواطنين حول الآثار الجانبية التي حدثت لهم بعد تلقيهم أيًا من المستحضرات الطبية الموجودة في السوق. وتمتلك الهيئة ميزانية مستقلة تتشكل من الاعتمادات المالية التي تُخصصها لها الدولة، والرسوم التي تحصلها طبقًا للقانون مقابل الخدمات التي تؤديها للغير مثل الشركات المُصنعة للمستحضرات والمستلزمات الطبية، من خلال إجراء عمليات مراجعة وتحليل المستحضرات الجديدة لتسجيلها ومنحها الاعتماد، وكذلك منح الترخيص باستيراد الأدوية والخامات الدوائية من الخارج.

وبجانب الهيئات التنظيمية الوطنية، تستطيع الشركات المُطورة للمستحضرات الجديدة، أن تتقدم أيضًا بطلب للحصول على اعتماد منظمة الصحة العالمية وتوصيتها باستخدام المستحضر بأمان على نطاق أوسع، شريطة أن توفر الشركة نتائج موثقة ومؤكدة بالدلائل العلمية على فعالية ومأمونية المُستحضر الجديد للمنظمة.

التسريع باعتماد لقاحات كورونا

عادةً ما تستغرق اللقاحات فترات طويلة في المراجعة قبل منحها الترخيص اللازم للتسويق، لا سيما وأنها تُعطَى للأصحاء، وغالبًا ما تُسبب أعراضًا جانبية بسيطة مثل الحمى وآلام العضلات، كما يتم إعطاؤها لعدد كبير من الناس دفعة واحدة؛ لذا يجب التأكد بشكل وثيق من أمانها وفعاليتها. ولكن في وقت الأوبئة والجوائح، من الممكن أن تحدث بعض الاستثناءات لتسريع هذه العملية، حيث تمتلك الهيئات التنظيمية سلطة السماح باستخدام المنتجات الطبية غير المُعتمدة في حالات الطوارئ، عندما لا تتوفر أي بدائل مناسبة معتمدة. ولا يعد الترخيص بالاستخدام في حالات الطوارئ مساويًا للموافقة الكاملة، بل يمكن سحبه في أي وقت؛ وهو ما حدث مع عقاري الهيدروكسي كلوروكين والكلوروكين، حينما منحت الـFDA  ترخيص الاستخدام الطارئ للعقارين في 28 مارس الماضي، ثم أُلغي الترخيص الخاص بهما في شهر يونيو، بعدما أظهرت الدراسات عدم فعاليتهما وتسببهما في إحداث مشاكل خطيرة في القلب.

وحتى الآن، تم اعتماد عدة لقاحات مضادة لكوفيد 19 في زمن قياسي، حوالي شهر، ولكن لم ينل أي من اللقاحات اعتماد منظمة الصحة العالمية. بينما وافقت FDA على الاستخدام الطارئ للقاحين هما موديرنا وفايزر/بايونتك، أما الوكالة الأوروبية للأدوية والهيئة التنظيمية البريطانية فمنحتا الترخيص بالاستخدام الطارئ للقاح فايزر/بايونتك فقط. فيما منحت بعض الهيئات التنظيمية في دول أخرى مثل البحرين وكندا والسعودية، الموافقة الكاملة لاستخدام لقاح فايزر/بيونتك، وكذلك منحت الهيئات التنظيمية في دولتي الإمارات والبحرين الموافقة الكاملة لاستخدام لقاح سينوفارم الصيني، فيما لا يزال هذا اللقاح قيد الاستخدام في حالات الطوارئ في الصين، ومُنح لقاح سبوتنك الروسي الترخيص بالاستخدام الطارئ في روسيا والأرجنتين وبيلاروسيا. أما هيئة الدواء المصرية فلم تمنح أيًا من اللقاحات المُعلن عنها الترخيص بالموافقة الطارئة أو الكاملة، ومن المتوقع أن يتم الإعلان خلال أيام عن رأيها النهائي في لقاح سينوفارم الصيني، والذي حصلت مصر على 50 ألف جرعة منه. وقد تمت تجربة هذا اللقاح سريريًا في مصر على حوالي 3000 متطوع، ضمن تجربة عالمية بمشاركة عدة دول منها الإمارات والصين، ولكن لم يتم الإعلان بعد عن النتائج النهائية لفعالية اللقاح في التجارب المصرية، والتي بلغت 86% في التجارب السريرية في الإمارات.

ضرورة توخي الحذر

مهما بلغت الحاجة الفورية لإنتاج المستحضرات الطبية وخصوصًا اللقاحات، يؤكد العلماء على ضرورة الالتزام باتباع الإجراءات التنظيمية بدقة قبل اعتماد المستحضرات الجديدة والترخيص باستخدامها، لا سيما وأن عملية المراجعة ليست روتينية لاستيفاء الأوراق فقط، بل تشمل مراجعة المستحضر الجديد بشكل عملي وعلمي؛ للتأكد من أن كافة جوانب الدراسة البحثية على المستحضر قد أُجريت بعناية، وأن مطوري المستحضر لم يغفلوا أي ثغرات أثناء هذه العملية. وهو السيناريو الذي حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، وفقًا لموقع CNN، حينما اعتمد الجيش الأمريكي في أواخر التسعينات برنامجًا لتلقيح أفراد الخدمة العسكرية ضد الجمرة الخبيثة؛ من أجل حمايتهم من التعرض لأي هجوم بيولوجي، دون أن تختبر FDA اللقاح بشكل كامل للاستخدام في الوقاية من الجمرة الخبيثة. ولكن بعد عدة سنوات من بدء البرنامج، رفع بعض جنود الجيش الأمريكي دعوى قضائية، زاعمين أن لقاح الجمرة الخبيثة الإلزامي تسبب لهم في أعراض جانبية خطيرة، وحكم القضاء الأمريكي في عام 2004 بوقف برنامج التلقيح. وبعد عام، حصل البنتاجون على ترخيص من FDA، والتي اعتمدت اللقاح بأنه آمن للاستخدام العام، لتجاوز حكم المحكمة ومواصلة إعطاء اللقاح للأفراد العسكريين، ولكن على أساس تطوعي.

وأيضًا في عام 1955، حينما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن تطوير أول لقاح للوقاية من فيروس شلل الأطفال، وفي غضون أيام، أنتجت الشركات آلافًا من جرعات اللقاح، ولكن احتوت دفعات اللقاح من إنتاج شركة “Cutter Labs”، عن طريق الخطأ، على فيروس شلل الأطفال الحي؛ مما تسبب في إصابة أربعين ألف طفل بفيروس شلل الأطفال، أصيب مئتان منهم بالشلل، وتوفي حوالي عشرة أطفال، مما اضطر الحكومة الأمريكية إلى وقف برنامج التلقيح حتى تتمكن من تحديد الخطأ الذي حدث. استمر هذا الإيقاف حتى عام 1962، حينما تم اعتماد لقاح جديد ضد شلل الأطفال يؤخذ عن طريق الفم، طوره العالم ألبرت سابين بالتعاون مع مراكز السيطرة ومكافحة الأمراض الأمريكية، ونجح في القضاء على فيروس شلل الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية بحلول عام 1979.

لذا، من الضروري أن تقوم الهيئات التنظيمية الوطنية بالموازنة بين الاعتبارات المختلفة دون التسرع في الاعتماد الطارئ أو الكامل لأي من اللقاحات الجديدة، فاعتماد لقاح غير آمن قد يقوض ثقة المواطنين في الهيئات التنظيمية وفي اللقاحات نفسها. ومن الضروري أن تُعد الهيئات التنظيمية خطط ترقب لنتائج استخدام اللقاحات الجديدة والغير مرخص باستخدامها بشكل نهائي، للتأكد من فعالية اللقاحات، وحتى لا يتولد لدى المواطنين شعور زائف بالأمان، على أن يتم تطبيق خطط الترقب هذه بشفافية، لتعزيز ثقة المواطنين في اللقاحات والهيئات التنظيمية. 

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة