وحدة الدراسات العربية والإقليمية

تصحيح المسار: العراق بين تأزمات الداخل وتحالفات الخارج

تشهد الساحة العراقية خلال هذه الفترة تحركات مكثفة من القوى السياسية الداخلية والداعمين الإقليميين والدوليين لترتيب الأوراق استعدادًا لاستحقاق مهم ومفصلي وهو الانتخابات المبكرة في يونيو 2021، وهو الاستحقاق الذي ينتظره العراقيون ويعول عليه كثيرون، من أجل إحداث اختراق في معادلة التوازنات الداخلية في العراق. يوازي هذه التحركات حراك من بعض الأطراف الخارجية، لأهداف أوسع وأبعد من استحقاقات الداخل العراقي، فهناك تحركات غير مفهومة حتى الآن من تركيا، وتحركات عسكرية تجري على الأرض من جانب الولايات المتحدة، قد يتبعها تغيرات استراتيجية فيما يخص طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وكذلك تحركات من إيران المستمرة في الدفاع المستميت عن مكتسباتها في…

د. أكرم حسام
باحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية

تشهد الساحة العراقية خلال هذه الفترة تحركات مكثفة من القوى السياسية الداخلية والداعمين الإقليميين والدوليين لترتيب الأوراق استعدادًا لاستحقاق مهم ومفصلي وهو الانتخابات المبكرة في يونيو 2021، وهو الاستحقاق الذي ينتظره العراقيون ويعول عليه كثيرون، من أجل إحداث اختراق في معادلة التوازنات الداخلية في العراق. يوازي هذه التحركات حراك من بعض الأطراف الخارجية، لأهداف أوسع وأبعد من استحقاقات الداخل العراقي، فهناك تحركات غير مفهومة حتى الآن من تركيا، وتحركات عسكرية تجري على الأرض من جانب الولايات المتحدة، قد يتبعها تغيرات استراتيجية فيما يخص طبيعة الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وكذلك تحركات من إيران المستمرة في الدفاع المستميت عن مكتسباتها في العراق، الذي يمثل لها عمقًا استراتيجيًا وورقة ضغط أساسية في مواجهة الولايات المتحدة وخصوم إقليميين آخرين مثل تركيا والسعودية. أيضًا هناك تحركات عربية مؤثرة نحو العراق، أبرزها التحركات المصرية الأخيرة، عبر المسار الثلاثي مع الأردن، والتي يبدو أنها ستأخذ مسارًا استراتيجيًا خلال الفترة المقبلة، وقد تتوسع لتشمل دولًا جديدة، بالإضافة لتحركات خليجية خاصة من السعودية والكويت لاستعادة الدفء للعلاقات العراقية مع محيطه الخليجي، والعمل على ربط العراق اقتصاديًا مع اقتصادات دول الخليج، ضمن سياقات إضعاف النفوذ الإيراني في العراق.

عبر السنوات الماضية، كان العامل الداخلي هو من يقود قطار السياسة الخارجية في العراق، وهو من يحدد البوصلة الاستراتيجية، لكن على ما يبدو فإن التحركات الخارجية الحالية هي التي ستقود قطار التغيرات على مستوى الداخل العراقي، وليس العكس، بفعل عوامل كثيرة، أبرزها التحولات الجارية في البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالعراق، خاصة مع الإدارة الأمريكية القادمة، والتوتر الحالي في العلاقات الإيرانية التركية، والترتيبات الجاري تمريرها في الملف السوري خاصة بين روسيا وإيران، والاستعداد لتسوية قادمة فيما يخص الملف النووي الإيراني، وجميعها سيكون للعراق فيها أدوار معينة.

خريطة التحركات الخارجية على الساحة العراقية

هناك تحركات على المستوى الاستراتيجي تشهدها الساحة العراقية، لبناء علاقات جديدة أو تصحيح مسار بعض العلاقات، بعضها بدأها العراق وبادر بها، وبعضها سعت إليه قوى خارجية، وغير معروف حتى الآن ما إذا كانت هذه التحركات تكتيكية أم تحالفات استراتيجية، ويمكن الإشارة إلى أهم اللاعبين الإقليمين والدوليين على النحو التالي:

الولايات المتحدة: الولايات المتحدة تتحدث عن مهام جديدة لقواتها العسكرية التي ستبقى في العراق، وهناك تحركات على الأرض لإخلاء بعض القواعد العسكرية، وإعادة نشر القوات الأمريكية في أماكن جديدة. ومطروح من بعض الأوساط الأمريكية فكرة تفكيك المنطقة الخضراء نفسها التي تشمل مقر أكبر بعثة دبلوماسية أمريكية في العالم، ونقل السفارة الأمريكية إلى مكان آخر، قد يكون أربيل. وبالنظر لقرب وصول الإدارة الجديدة للبيت الأبيض، فإن العراقيين يتوقعون أن “جو بايدن” سيكون أكثر اهتمامًا بالملف العراقي بحكم خبرته الطويلة، وما يملكه من علاقات وثيقة بالساسة العراقيين ما بعد 2003، حيث زار العراق 24 مرة خلال فترة مسئوليته كنائب للرئيس الأمريكي ومسئول ملف العراق، لكنهم لا يتوقعون أن ينعكس هذا الاهتمام على الجوانب العسكرية والأمنية، فقد ينحصر فقط في أطر سياسية، مع تقديم الولايات المتحدة دعمًا محدودًا للحالة الاقتصادية العراقية، ولا ننسى أن الرئيس المنتخب “جو بايدن” هو صاحب مشروع تقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم (سنية، شيعية، كردية) وقد وافق عليه الكونغرس الأمريكي كقرار غير ملزم 2007، وقد يعود لطرح هذا الموضوع مرة أخرى في حال فشل المسار السياسي في العراق.

تركيا: تركيا قررت فجأة أن تُغير من توجهها العدائي نحو العراق، وتتحدث عن فتح صفحة جديدة تشمل ملفات اقتصادية وأمنية وعسكرية شائكة، وهو ما ظهر في الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء العراقي لأنقرة، والتي أظهرت قدرًا من الاندفاع التركي نحو العراق، والرغبة في إطلاق مرحلة جديدة في العلاقة بين البلدين، بعد سنوات طويلة من التوتر والاعتداء المتكرر على سيادة العراق. ويمكن فهم هذه الاستدارة التركية -إن صدقت النوايا– على أنها رد فعل من تركيا على الضغوط التي تلاحقها من عدة جبهات، خاصة من الجبهة الأوروبية التي تقودها فرنسا واليونان، والتحسب التركي للمسار المُرتقب الذي قد تُظهره (أمريكا بايدن) في التعاطي مع تركيا، خاصة مع المواقف المعروفة للديمقراطيين، وبايدن شخصيًا، إزاء الملف السوري والعراقي، والذي قد لا يتوافق مع الرؤية التركية. وبالتزامن، تبدو أنباء الانفراجة في الملف النووي الإيراني، تحديًا تركيًا آخر، حيث سيكون على أنقرة أن تتعامل مع واقع جديد، فيما لو تمت إعادة تطبيع الوضع الإيراني، وإطلاق يد طهران من جديد في عدة مسارات على مستوى المنطقة، بشكل يزاحم مصالح أنقرة. من جهة أخرى، تبدو الأنباء المتكررة عن إمكانية حلحلة ملف الأزمة الخليجية دافعًا إضافيًا لتركيا من أجل إعادة قراءة المشهد، واتخاذ خطوات استباقية تعيد من خلاله تقديم نفسها بشكل إيجابي لجوارها العربي، الذي ناصبته العداء خلال الفترة الماضية، وخسرت من خلاله الكثير من وزنها السياسي لدى معظم الدول العربية.

إيران: تقف إيران من الجهة الأخرى مُنزعجة من هذه الانعطافة التركية الجديدة نحو العراق، وتخشى من أن يكون لذلك تأثير على نفوذها الاستراتيجي في العراق، وهناك تحركات من جانبها لترتيب البيت الشيعي استعدادًا للانتخابات البرلمانية القادمة في يونيو 2021، تصاحبها تحركات لتوفير إسناد سياسي لفصائل الحشد الشعبي الموالية لها في مواجهة محاولات رئيس الوزراء العراقي تقليم أظافرها العسكرية والأمنية والسياسية، ولا تزال تنتظر ما في جعبة الرئيس الأمريكي القادم خاصة في ملفين أساسيين أولهما ملفها النووي، والثاني الوجود الأمريكي في العراق.

أوروبا: هناك تحركات مهمة ولافتة من بعض القوى الأوروبية خاصة فرنسا وبريطانيا وألمانيا، لتعزيز نفوذهم الاستراتيجي في العراق، وفي جانب آخر في إطار لعبة الضغط غير المباشر على تركيا المستمرة في معارضة التوجهات والمصالح الأوروبية في كثير من القضايا المشتركة، خاصة في شرق المتوسط وليبيا وسوريا، حيث برز الاهتمام الفرنسي بالعراق في الآونة الأخيرة، أعقبها زيارة وزير خارجية اليونان “نيكوس دندياس”، وهي الأولى من نوعها منذ عام 1998، حيث أبدى استعداد الشركات اليونانية للعمل بالعراق في مجال إعادة الإعمار، والطاقة، والمواد الطبية، مؤكّدًا دعم بلاده لسيادة العراق، ووحدته، واستقراره، ومواجهة التحديات التي تواجه العالم والمنطقة، وفي مقدمتها الإرهاب. وفسّر مراقبون عراقيون التحرك الفرنسي / اليوناني الأخير على أرض العراق بأنه من أجل الضغط على تركيا، عبر البوابة العراقية.

الدول العربية: تأتي على رأسها مصر، التي خطت خلال الفترة الأخيرة خطوات مدروسة ومتتابعة نحو تقوية علاقاتها مع العراق، سواء على المستوى الثنائي أو ضمن أطر جديدة، كما ظهر في إطار التعاون الثلاثي المصري العراقي الأردني. كذلك هناك تحركات مهمة لاستعادة العلاقات السعودية العراقية عبر البوابة الاقتصادية، لكنها لا تزال تواجه اعتراضات داخلية من بعض القوى المحسوبة على إيران في البرلمان العراقي.

خريطة التوازنات الداخلية

من الواضح أن ثمة تحالفات مرحلية قد بدأت تتبلور على خريطة التوزانات السياسية العراقية، استعدادًا لخوض الانتخابات المبكرة المقرر لها يونيو 2021:

التحالفات المؤيدة لتوجهات حكومة الكاظمي: أبرزها تحالف عراقيون، الذي تشكل بزعامة رئيس تيار “الحكمة” عمار الحكيم، ويضم ائتلاف “النصر” بزعامة رئيس الوزراء الأسبق “حيدر العبادي”، ويهدف مرحليًّا إلى دعم الكاظمي وفق توجهاته الحالية. فالبنود العشرة التي تصدرها “تقوية مسار الدولة ومؤسساتها، وتطبيق القانون على الجميع، وإعادة الثقة بالنظام السياسي”، هي ذاتها جوهر الخطاب السياسي للكاظمي، وبالتالي سيشكل هذا التحالف حاضنة سياسية مؤقتة للكاظمي. ويتوقع في حال نجاح الكاظمي في تمرير الانتخابات القادمة وفق القواعد الجديدة التي وضعها، أن تتحول الحاضنة والداعمة له حاليًا، والممثلة في تحالف “عراقيون”، إلى قاعدة سياسية له في المستقبل.

التحالفات المناؤئة لتوجهات الكاظمي: أبرزها تحالف لا يزال في طور التشكيل، وهو تحالف يضم زعيم تيار “الفتح” هادي العامري ورئيس ائتلاف “دولة القانون” نوري المالكي، وهذا التحالف يتبنى اتجاهات معارضة لأغلب قرارات الكاظمي وآخرها القرارات المتعلقة بمخيم رفحاء، وقبلها الموقف الخاص بخلايا “الكاتيوشا”. ويمثل ضم ائتلاف “دولة القانون” إلى قوى المعارضة انعكاسًا لترتيبات العلاقة بين زعيم الائتلاف والعامري حيال كافة القضايا الأمنية والسياسية، بالتوازي مع وجود قاسم مشترك رئيسي هو تعزيز التوجهات الإيرانية، لا سيما في المواجهة مع الولايات المتحدة داخل العراق، ودعم إنشاء جبهة غير رسمية مستقلة عن الدولة، بعد هيكلة “الحشد الشعبي”.

تحالفات مُتأرجحة: يبدو أن هناك تحالفات مؤجلة، لم تتبلور بعد، وهي التي ستحدد أين ستذهب كتلة فائض التحالفات التي جرى تشكلها، وأبرزها تحالف “سائرون” بزعامة رجل الدين البارز مقتدى الصدر. فعلى الرغم من أن سياسات هذا التحالف تتقارب، إلى حد كبير، مع توجهات “عراقيون”، بقدر ابتعادها عن توجهات تحالف المعارضة الذي ينوي العامري تشكيله، وهو ما ظهر في موقفها من القضايا الرئيسية خاصة الانسحاب الأمريكي من العراق، وقضايا الإصلاح بشكل عام، إلا أنها في الوقت ذاته تنتقد آلية تشكل “عراقيون” من زاوية تبني الحكومة الانتقالية، وترى أنه يعبر عن مصالح “شخصية وضيقة”. ويبدو تحالف “سائرون” أكثر تركيزًا على جدول أعمال المرحلة الانتقالية، وتحديدًا قضية الانتخابات.الخلاصة، يمكن القول إن الساحة العراقية تشهد تحركات غير مفهومة من بعض الأطراف الدولية والإقليمية، فبعضها لا يحظى بالمصداقية والنوايا الصادقة، وقد لا يكون هدفه وحدة العراق ومصلحة شعبه، بقدر ما يكون هدفه الحقيقي هو امتلاك أوراق ضغط جديدة من خلال العراق في لعبة تقاسم النفوذ الإقليمية، لذلك فإن الدور العربي وعلى رأسه الدور المصري مهم في هذه المرحلة لمساندة العراق الشقيق سياسيًا واقتصاديًا، ودعم وتقوية مؤسساته الوطنية وعلى رأسها المؤسسات العسكرية والأمنية. كذلك فإن الوضع السياسي والأمني في العراق لا يزال هشًا رغم كل المحاولات الجادة والمُخلصة التي يقوم بها رئيس الوزراء الحالي من أجل تهيئة المناخ السياسي لإجراء انتخابات نزيهة في يونيو من العام القادم، بما يلبي توقعات الشارع العراقي المحتقن. ومع ذلك لا تبدو التوقعات متفائلة بقدرة هذه الانتخابات على إحداث تغيير ملموس في موازين القوى الداخلية في العراق، لتبقى كل الاحتمالات مفتوحة في المشهد العراقي.

د. أكرم حسام
باحث متخصص في الشؤون العربية والإقليمية