وحدة الدراسات الأمريكية

حدود التغيير: المساعدات الخارجية الأمريكية بين “أوباما” و”ترامب” و”بايدن”

يفرض وجود إدارة جديدة بالبيت الأبيض في الولايات المتحدة تصميم أجندة خاصة بالسياسة الخارجية، متضمنة نظرتها إلى برامج المساعدات الأمريكية الخارجية التي ينظمها قانون المساعدات الخارجية لعام 1961. وعلى الرغم من أن قضية المساعدات الخارجية لم تشغل حيزًا مهمًا أثناء حملات الانتخابات الرئاسية الأمريكية في المناظرات أو الصدامات بين “ترامب” و”بايدن”؛ إلا أن قضية المساعدات الخارجية مهمة بالنسبة لدول كثيرة في العالم، خاصة بالنسبة لقارة إفريقيا كونها تستقبل وحدها حوالي 25% من المساعدات الأمريكية، ولقد ازدادت المساعدات الخارجية الأمريكية بشكل ملحوظ عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية، وارتبط تمويل المساعدات الخارجية ارتباطًا وثيقًا باستراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، لا سيما…

كريم حسن

يفرض وجود إدارة جديدة بالبيت الأبيض في الولايات المتحدة تصميم أجندة خاصة بالسياسة الخارجية، متضمنة نظرتها إلى برامج المساعدات الأمريكية الخارجية التي ينظمها قانون المساعدات الخارجية لعام 1961. وعلى الرغم من أن قضية المساعدات الخارجية لم تشغل حيزًا مهمًا أثناء حملات الانتخابات الرئاسية الأمريكية في المناظرات أو الصدامات بين “ترامب” و”بايدن”؛ إلا أن قضية المساعدات الخارجية مهمة بالنسبة لدول كثيرة في العالم، خاصة بالنسبة لقارة إفريقيا كونها تستقبل وحدها حوالي 25% من المساعدات الأمريكية، ولقد ازدادت المساعدات الخارجية الأمريكية بشكل ملحوظ عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 الإرهابية، وارتبط تمويل المساعدات الخارجية ارتباطًا وثيقًا باستراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، لا سيما في دول العراق وأفغانستان وباكستان. وتعد أكبر الجهات الأمريكية مساهمة في تقديم المساعدات الخارجية هي: الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وزارة الدفاع الأمريكية، وزارة الخارجية الأمريكية، وزارة الصحة والخدمات البشرية، وزارة الخزانة الأمريكية.

سياسة المساعدات الخارجية من “أوباما” إلى “ترامب”

ركزت إدارة “أوباما” التمويل على مبادرات مساعدات رئيسية، منها: مبادرة الصحة العالمية، ومبادرة إطعام المستقبل الخاصة بالأمن الغذائي، إلا أن القيود المالية أدت، خاصة مع إقرار قانون مراقبة الميزانية لعام 2011، إلى جانب تقليص الوجود العسكري الأمريكي في العراق وأفغانستان، إلى انخفاض تمويل المساعدات في السنة المالية 2013، لكن سرعان ما ارتفعت الالتزامات في السنوات اللاحقة، كنتيجة لأزمة اللاجئين، وتهديد داعش، وتفشي فيروس إيبولا في غرب إفريقيا، من بين تطورات أخرى.

أما بالنسبة لإدارة “ترامب”، فلقد شكلت السياسة الانعزالية التي تبناها الرئيس “ترامب” وشعار “أمريكا أولًا” خطورة كبرى على المساعدات الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، خصوصًا وأنها تعد أكبر المانحين دوليًا بالتزامات دولية تزيد على 45 مليار دولار. وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2018، أعلن “ترامب” أنه سيتم إلقاء نظرة فاحصة على المساعدات الخارجية الأمريكية، ودراسة المساعدات التي تستحق الاستمرار، وما إذا كانت البلدان التي “تتلقى دولاراتنا وحمايتنا تضع مصالحنا أيضًا موضع اهتمام”. وأضاف “ترامب”: “سنقدم المساعدات الخارجية فقط لأولئك الذين يحترموننا، ولمن هم، بصراحة، أصدقاؤنا”، في إشارة واضحة إلى أن تقديم المساعدات ليس مرهونًا بالحاجة إلى التنمية وإنما بالمصالح المشتركة واتساق المواقف السياسية مع الولايات المتحدة.

ومن هذا المنطلق، قام فريق “ترامب” بقيادة وزير خارجيته الأسبق “ريكس تيليرسون” بعرض أفكار لتسييس المساعدات الخارجية من خلال ضم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مع وزارة الخارجية، على الرغم من اختلاف طبيعة وأسلوب عملهما، لممارسة التأثير السياسي على برامجها. كما أقدم “ميك مولفاني”، مدير مكتب الإدارة والميزانية (خلال الفترة من فبراير 2017 إلى مارس 2020) بالبيت الأبيض، والتي من اختصاصاتها إعداد ميزانية الرئيس، بتصميم خطط لتقليص برامج المساعدات الخارجية من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة الخارجية الأمريكية في ميزانيات أعوام 2018، و2019، و2020. وقد استند “مولفاني” في دفاعه عن خطط خفض الإنفاق على المساعدات الخارجية بأن “الرسالة الغالبة واضحة ومباشرة: إنفاق أموال أقل في الخارج يعني إنفاق المزيد من الأموال هنا”، ولم تلق هذه المحاولات انتقادات شديدة من مشرعي كلا الحزبين في الكونجرس فقط، بل أيضًا لاقت معارضة من داخل إدارة “ترامب” نفسها من خلال وزير الخارجية “مايك بومبيو”، الذي يثق به الرئيس “ترامب” كثيرًا، ووزير الخزانة “ستيفن منوشين”.

لقد اقترحت إدارة “ترامب” إجراء تخفيضات كبيرة في المساعدات الخارجية في ميزانية الشئون الدولية، لكن الكونجرس لم يعتمد هذه التخفيضات في إقراره للميزانيات. بدلًا من ذلك، حافظ الكونجرس تقريبًا على نفس مستوى التمويل لبرامج المساعدات الخارجية، مع التركيز على تمويل التنمية، وهو ما انعكس في إنشاء مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية، وعلى استراتيجية إدارة “ترامب” المعلنة في مواجهة النفوذ العالمي المتنامي لكل من الصين وروسيا، من بين أولويات أخرى، وكذلك على برامج مواجهة الأزمات الصحية والإنسانية العالمية، بما في ذلك جائحة فيروس كورونا.

مشاركة القطاع الخاص 

من ناحية أخرى، يمكن ملاحظة سيادة اتجاه لدى إدارة “ترامب” لتحويل المساعدات الخارجية من منظور المعونة التقليدي إلى مفهوم الشراكة، وقد تبلور هذا التحول من خلال إطلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في ديسمبر 2018 سياسة جديدة تسمى “سياسة مشاركة القطاع الخاص”، التي تُعد نهجًا استراتيجيًا للتنمية الدولية، تقوم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية بمقتضاه بالتشاور مع القطاع الخاص، ووضع الاستراتيجيات والمواءمة والتعاون والتنفيذ مع القطاع الخاص، لتحقيق نطاق أكبر واستدامة وفعالية التنمية. ويمثل هذا تغييرًا مهمًّا في الفلسفة والتنظيم اللذين تعمل وفقًا لهما الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، خاصة وأنه حين تم إطلاق هذه السياسة، كان حوالي 2% فقط من تمويل الوكالة يتم بالتعاون مع القطاع الخاص.

ظهر هذا التحول أيضًا من خلال إنشاء مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية
US Development Finance Corporation كبنك تنمية أمريكي في عام 2018 لأول مرة يوفر ويسهل تمويل مشاريع التنمية الخاصة في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط، بالإضافة إلى قيامه بتأسيس الشراكات مع القطاع الخاص لتمويل أبرز التحديات التي تواجه العالم النامي. وعلى الرغم من اتجاه إدارة “ترامب” لتقليص برامج المساعدات الخارجية؛ إلا أن الإدارة قامت بتقديم زيادات مالية لهذه المؤسسة الوليدة الناتجة عن دمج برامج سابقة للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية. ومع ذلك، يؤكد موقع مؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية أن المؤسسة ليست بديلًا عن برامج المساعدات الحكومية، وأنها تنتهج أسلوبًا مختلفًا عن الصين، في إشارة إلى كونها بديلًا تمويليًا لتقديم القروض في البلدان النامية لمواجهة النفوذ الصيني في البلدان النامية، ولمواجهة ما يعرف بـ”فخ الديون” الصينية. 

وفي تصريحات صحفية شهر نوفمبر 2020 خلال زيارته مصر، قال “كيث كراك”، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية: “إن مؤسسات التمويل والتنمية الأمريكية، ستتيح تمويلًا للدول الراغبة في تحويل شبكتها إلى شبكات الجيل الخامس، وستعقد المؤسسة اجتماعًا ديسمبر المقبل لتلقي طلبات الدول الراغبة في الحصول على المنحة، وعلى مصر التقدم للحصول عليها، وستكون أمامها فرصة كبيرة للحصول على الدعم في حال إبداء رغبة قوية للتحول لشبكات الجيل الخامس.”

مبادرة ازدهار إفريقيا

واتصالًا بمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية، اختار الرئيس “ترامب” في فبراير 2020 المدير التنفيذي للمؤسسة “آدم بوهلر” ليتولى منصب الرئيس التنفيذي لمبادرة “ازدهار إفريقيا Prosper Africa”، والتي تم إطلاقها في ديسمبر 2018، وهي مبادرة تقودها الحكومة الأمريكية وتهدف إلى زيادة التجارة والاستثمار بين الولايات المتحدة وإفريقيا، وهذه المبادرة ليست برنامج مساعدات جديدًا، إنما هي برنامج للتنسيق بين أعمال خمس عشرة جهة حكومية أمريكية.

الجهات المشاركة في مبادرة ازدهار إفريقيا

Logos of Partner Agencies

وفي هذا الصدد، ستكون هناك 75 مليون دولار مخصصة بميزانية المساعدات الخارجية للسنة المالية 2021 للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من أجل تنفيذ برنامج مبادرة “ازدهار إفريقيا”، زيادة عن المخصصات المالية للسنوات المالية 2020 وسنة 2019.

الرأي العام الأمريكي والمساعدات الخارجية

لعل غياب المناقشات حول المساعدات الخارجية الأمريكية إبان الانتخابات يرجع لعدة أسباب، من ضمنها مسألة الرأي العام الأمريكي المعقد، وأحيانًا المتناقض، الذي يتسم بدعم المواطنين لتقديم الولايات المتحدة للمساعدات الخارجية، لكنهم يعارضون في الوقت ذاته دفع ثمنها.

أظهر استطلاع للرأي أجراه مجلس شيكاغو للشئون الدولية أنه عند تقديم اختيار للأمريكيين بزيادة، أو تقليص، أو الإبقاء على نفس كم التمويل للبرامج الفيدرالية، من ضمنها المساعدات الخارجية، أنه لطالما أعطى الأمريكيون الأولوية للإنفاق المحلي على المساعدات الخارجية في الميزانية الفيدرالية الأمريكية، بل وأنهم يؤيدون تقليص تلك المساعدات، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية. من ناحية أخرى، تعتقد الغالبية، وعبر الانتماءات السياسية المختلفة، أن المساعدات الخارجية تساعد الولايات المتحدة في علاقتها مع الدول الأخرى، وإن كان الديمقراطيون الأكثر إيمانًا بهذا المبدأ.

تجدر الإشارة إلى أن المساعدات الخارجية تشكل حوالي 1٪ فقط من الميزانية الفيدرالية، لكن استطلاعات الرأي تظهر أن الشعب الأمريكي يعتقد أنها تقترب من 25٪ من إجمالي الإنفاق الفيدرالي. ويؤدي سوء الفهم الشائع هذا إلى انتشار وعي مضلل حول الحجم الحقيقي للمساعدات الخارجية وتأثيرها، وأحيانًا إلقاء اللوم عليها كمبرر لارتفاع الضرائب.

المساعدات الخارجية وبرنامج “بايدن” الانتخابي

تواجه إدارة “بايدن” تحديات كبرى بالنسبة لدعم الاحتياجات المطلوبة عالميًا في مواجهة الآثار الصحية والاقتصادية لفيروس كورونا. لكن على الرغم من عدم ذكر “بايدن” سياسته بالنسبة للمساعدات الخارجية الأمريكية أثناء حملته الانتخابية أو من خلال برنامجه كمرشح المتاح إلكترونيًّا كذلك؛ إلا أن هناك تفاؤلًا بخصوص توليه الرئاسة للاعتقاد بدعمه لأعمال المساعدات التنموية. وعندما سُئل “أنتوني بلينكن”، مرشح منصب وزير الخارجية الأمريكية من قبل “بايدن”، حول المساعدات الخارجية وعن آراء إدارة “بايدن” خلال الحملة، قال “بلينكين”: “سنعيد المساعدة الخارجية إلى قلب سياستنا الخارجية. سيكون التركيز على الدبلوماسية والديمقراطية والتنمية”، ولم يذكر المساعدات العسكرية.

ومن المحتمل، كما حدث في فترة إدارة “أوباما” بالنسبة لإطلاق “مبادرة تغير المناخ العالمي”، أن تقوم الولايات المتحدة بربط ودمج اعتبارات تغير المناخ في المساعدات الخارجية ذات الصلة من خلال إعادتها إلى اتفاق باريس وصندوق المناخ الأخضر، والذي يدعم جهود البلدان النامية في الاستجابة لتحدي تغير المناخ، وكان “ترامب” قد قرر الانسحاب من تمويله هو الآخر في عام 2017 بحجة أنه يكلف الولايات المتحدة “ثروة هائلة”.

الخلاصة أن المساعدات الخارجية تعتبر مسألة مشتركة بين الحزبين في الولايات المتحدة، وتحظى عمومًا بدعم من الديمقراطيين والجمهوريين لأسباب متعددة. لذا، فلقد واجه الرئيس “ترامب” معارضة حينما دعا إلى إجراء تخفيضات في تمويل المساعدات الخارجية، ونظرًا لما مثلته هذه الدعوات من سوابق تاريخية. بالرغم من هذا، هناك اتفاق حول ضرورة تحسين عمليات المساعدات والاعتماد على الشراكة مع القطاع الخاص، بدلًا من الاعتماد على المنح التقليدية في صورة صرف معاملات نقدية إلى تمويل الأهداف التنموية والاستراتيجية.

كريم حسن