وحدة الدراسات الاقتصادية

الانطلاق المتوقع: الاقتصاد السوداني بعد رفع العقوبات الأمريكية

أعلن وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو”، في الرابع عشر من ديسمبر 2020، أن واشنطن قررت رفع اسم السودان رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وذلك بعد سبعة وعشرين عامًا على وضعها في تلك القائمة، وهو ما يمثل تغييرًا جذريًا في العلاقات بين الدولتين. وكان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قد أعلن في التاسع عشر من أكتوبر 2020 عبر تغريدة على حسابه الشخصي بموقع “تويتر” بأنه قرر إزالة تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب. وجاء هذا القرار إثر تسوية تقضي بدفع حكومة السودان لعائلات ضحايا انفجار سفارتي واشنطن بكينيا وتنزانيا مبلغًا تصل قيمته إلى 335 مليون دولار، كما جرت تسوية مماثلة مع ضحايا…

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أعلن وزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو”، في الرابع عشر من ديسمبر 2020، أن واشنطن قررت رفع اسم السودان رسميًا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وذلك بعد سبعة وعشرين عامًا على وضعها في تلك القائمة، وهو ما يمثل تغييرًا جذريًا في العلاقات بين الدولتين.

وكان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قد أعلن في التاسع عشر من أكتوبر 2020 عبر تغريدة على حسابه الشخصي بموقع “تويتر” بأنه قرر إزالة تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب. وجاء هذا القرار إثر تسوية تقضي بدفع حكومة السودان لعائلات ضحايا انفجار سفارتي واشنطن بكينيا وتنزانيا مبلغًا تصل قيمته إلى 335 مليون دولار، كما جرت تسوية مماثلة مع ضحايا وعائلات المدمرة الأمريكية “كول”. 

العقوبات الأمريكية على السودان

بدأت العقوبات الأمريكية على السودان عام 1993 عندما قررت واشنطن إدراج الخرطوم في قائمة الدول الراعية للإرهاب نظرًا لاستضافة الأخيرة لزعيم تنظيم القاعدة حينذاك “أسامة بن لادن” قبل أن يغادر البلاد عام 1996 بضغوط أمريكية. وفي نوفمبر 1997، أصدر الرئيس الأسبق “بيل كلينتون” قرارًا تنفيذيا -تحت مبرر دعمه للإرهاب الدولي- بفرض عقوبات مالية وتجارية على السودان، تم بموجبها تجميد الأصول المالية السودانية، ومنع تصدير التكنولوجيا الأمريكية للخرطوم، كما ألزمت واشنطن الشركات والمؤسسات الأمريكية بعدم الاستثمار في السودان أو القيام بأي نشاط اقتصادي معها.

ومن ثم فرض الكونجرس الأمريكي عام 2006 عقوبات ضد “الأشخاص المسئولين عن الإبادة الجماعية وجرائم الحرب”، وأصدر بعدها الرئيس الأمريكي الأسبق “جورج بوش الابن” قرارًا بالحجز على أموال وممتلكات 133 شركة وشخصية سودانية.

وبقي الأمر على هذا الحال حتى أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق “باراك أوباما” في السابع عشر من فبراير 2015 عن تخفيف العقوبات على السودان، وهو ما ترتب عليه السماح للشركات الأمريكية بتصدير أجهزة الاتصالات الشخصية، وبعض البرمجيات المتطورة بما يتيح للسودانيين الاتصال بشبكة الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من ذلك التقدم الطفيف، فإن إدارة “أوباما” مددت العقوبات في نوفمبر 2016 لمدة عام مع الإشارة إلى إمكانية رفعها حال تحقيق السودان تقدمًا في الملفات التي تطالب بها واشنطن. وهو ما حدث بالفعل في الثالث عشر من يناير 2017 عندما أصدرت الإدارة الأمريكية أمرين تنفيذيين أعلنت بموجبهما رفعًا جزئيًا لبعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على الخرطوم، بسبب التقدم الذي أحرزه السودان، لكنه أبقى عليه ضمن قائمة الدول الداعمة للإرهاب.

ومع تولي الرئيس “دونالد ترامب” إدارة البيت الأبيض، بدأ ملف رفع العقوبات وإزالة السودان من قائمة الإرهاب يتحرك بسرعة أكبر من ذي قبل؛ إذ أعلن رفع بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة على الخرطوم، وبالتزامن مع التغييرات التي حدثت في السودان وإسقاط نظام البشير -الذي كانت تعتبره واشنطن عائقًا أمام السلام- قررت واشنطن في ديسمبر 2019 شطب السودان من لائحتها السوداء الخاصة بحرية المعتقد.

الاقتصاد السوداني في ظل العقوبات الأمريكية 

عانى الاقتصاد السوداني من عدد كبير من الأزمات خلال السنوات الماضية بسبب العقوبات الأمريكية التي ساهمت في انهيار العملة مقابل الدولار وتهاوي الجنيه السوداني إلى مستويات تاريخية وقياسية، وهو ما أسفر عن ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات لم تصل إليها من قبل، في الوقت الذي واصل احتياطي النقد الأجنبي تراجعه وزادت قيمة الديون الخارجية، وقد أدى كل ذلك إلى تهاوي معدلات النمو والاتجاه نحو الانكماش. وفيما يلي عرض لأهم المؤشرات الاقتصادية في السودان.

1. الاحتياطي النقدي:

تضرر الاقتصاد السوداني بشدة عندما انفصل جنوب البلاد عام 2011، مما كلفه ثلاثة أرباع إنتاجه النفطي، وهو مصدر مهم للعملة الأجنبية. وأعلن البنك المركزي السوداني في بداية عام 2020 أن احتياطي النقد الأجنبي لديه يكفي حاجة البلاد من الاستيراد لمدة تتراوح بين شهرين إلى ثلاثة، وذلك مع تفاقم وضع الديون الخارجية واعتماد الدولة على الاستيراد مع تضييق الخناق على إمكانية نفاذ صادرتها للخارج وعدم استخدام القنوات الرسمية لتحويلات العاملين في الخارج، فضلًا عن تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة. وهو ما يُمكن إيضاحه من الشكل التالي:

الشكل (1): تطور الاحتياطي النقدي –متضمنًا الذهب- في السودان (مليار دولار)

Source: Knoema, Sudan – Total international reserves including gold in current prices.

كما تدهور الاحتياطي النقدي –متضمنًا الذهب- للسودان منذ عام 2010 وحتى 2017 –وفقًا للبيانات المتاحة- بنحو 82.8%، حيث انخفض من 1.036 مليار دولار في 2010 حتى 178 مليون دولار في 2017.

2. سعر الصرف:

تراجع متوسط سعر صرف الدولار الأمريكي أمام الجنيه السوداني في السوق الموازية (السوداء) إلى 259 جنيهًا خلال تعاملات الرابع والعشرين من ديسمبر في حين ظل ثابتًا في بنك السودان المركزي عند مستوى 55.27 جنيه دون تغيير منذ عدة شهور.

وخلال عامي 2016-2017، تراوحت قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار بين 6-7 جنيهات للدولار لترتفع بعد ذلك إلى 18 جنيهًا سودانيًا في المتوسط حتى منتصف 2018، ومن ثم سجلت ارتفاعات متتالية لتصل إلى 47.16 بنهاية 2018، لتتوالى الارتفاعات عقب ذلك حتى سجلت العملة 55 جنيهًا في المتوسط. ويوضح الشكل التالي انهيار قيمة العملة المحلية أمام الدولار خلال الأشهر الماضية:

الشكل (2): تطور سعر صرف الجنيه السوداني أمام الدولار

Source: EX.Currexy, USD to SDG exchange rate chart.

يتبين من الشكل السابق انهيار قيمة الجنيه السوداني خلال العام الماضي، حيث فقد نحو 22.5% من قيمته منذ ديسمبر 2019 وحتى ديسمبر 2020، وهو ما انعكس سلبًا على معدلات التضخم كما هو موضح في الشكل التالي:

الشكل (3): تطور معدل التضخم الشهري

المصدر: النشرة الاقتصادية الشهرية، بنك السودان المركزي.

من الشكل السابق يتضح أن معدل التضخم سجل اتجاهًا تصاعديًا مستمرًا منذ ديسمبر 2019 وحتى أكتوبر 2020 ليصل إلى أعلى مستوياته عند 229.9% مع توقعات باستمرار هذا الارتفاع ما لم يتم التوصل إلى سياسات اقتصادية رشيدة تُحد من هذا الارتفاع المستمر. وأرجع الجهاز المركزي للإحصاء، ارتفاع التضخم إلى زيادات في جميع مكونات مجموعة الغذاء والمشروبات، خصوصًا أسعار الخبز والحبوب واللحوم والزيوت والبقوليات والسكر، إضافة إلى زيادات بالأسعار في مجموعتي السكن والنقل.

3. معدل النمو:

أما على صعيد النمو، توقعت وزارة المالية تسجل الاقتصاد المحلي انكماشًا بنحو 8% خلال عام 2020 بضغطٍ من انتشار فيروس كورونا، مقارنة مع انكماش قدره 2.5% خلال 2019، معلنة أن مستوى الدين الخارجي للسودان نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي بلغ نحو 190%، وهو من بين أعلى المعدلات عالميًا.

الشكل (4): معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي

Source: Knoema, Sudan – Gross domestic product in constant prices growth rate.

من الشكل السابق يتبين أن الاقتصاد السوداني سجل أدنى مستوياته خلال عام 2012 عند 17% ليتعافى بعد ذلك حتى عام 2017، ليشهد بعد ذلك انكماشًا بنحو 2.3% خلال 2018 و2.5% خلال 2019.

الاقتصاد بعد رفع السودان من قائمة الإرهاب

أكد رئيس الحكومة السودانية “عبدالله حمدوك”إن رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب سيفتح المجال أمام عودة الاستثمار، كما إنه سيعد تمهيدًا لإعفاء البلاد من الديون الخارجية البالغة حوالي 60 مليار دولار، والتي تكبدتها في العهود الأخيرة. ويُمكن تلخيص أهم الفوائد العائدة على الاقتصاد السوداني عقب هذه الخطوة في النقاط التالية:

1. الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة:

ستتمكن السودان من الاستفادة من التكنولوجيا المتقدمة والحصول على الآلات والمعدات وقطع الغيار اللازمة للتطوير بعد أن حرم منها نحو عقدين من الزمان، فضلًا عن إمكانية الاستفادة من كافة التقنيات الصناعية والزراعية. وعلاوة على ذلك، يُمكن للسودان الانفتاح على التكنولوجيا الحديثة بداية من الطائرات وأنظمة الرادار الحديثة، مما سيسفر عن تعزيز أداء الخطوط الجوية والبحرية السودانية، وخطوط السكة الحديد، والتي دُمرت بنيتها التحتية بسبب حظر استيراد قطع الغيار.

2. إعادة دمج البلاد في الاقتصاد العالمي:

سيساهم القرار الأمريكي في تيسير إجراء العاملين بالخارج للتحويلات المالية، التي ستدخل النظام المصرفي مما يعزز قيمة الجنيه السوداني، وذلك بدعم من عودة الثقة في النظام المصرفي المحلي، كما إنه سيساعد في سرعة إعادة اندماجه في النظام الاقتصادي الإقليمي والدولي وإنهاء عزلته الاقتصادية، وذلك من خلال المساعدة على التوسع في حركة التبادل التجاري مع العالم، ودخول الاستثمارات الأجنبية بأشكالها المختلفة. 

ومن جهة أخرى، أشار الرئيس الجديد لسلطة أسواق المال السودانية، إلى أن القطاع المصرفي والمالي سيكون المستفيد الأكبر من رفع العقوبات، إذ أن الخطوة ستسمح بعودة السودان لأسواق المال وشبكة المصارف العالمية، مما يسهل من جذب تحويلات المغتربين المقدرة بنحو 5 مليارات دولار سنويا، إضافة إلى تيسير تدفق عائدات الصادرات التي كان معظمها لا يجد طريقه للعودة للمصارف السودانية بسبب الحظر الأمريكي.

وأوضح أن “واحدة من أهم الفوائد المتوقعة تتمثل في تسهيل نفاذ الشركات السودانية الكبرى للأسواق العالمية، إضافة إلى تشجيع تدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية بعد إجراء إصلاحات ضرورية، من بينها إحداث استقرار في أسعار الصرف عبر تحسين الميزان التجاري، وتكوين احتياطي مناسب من الذهب والنقد الأجنبي”.

3. تيسير تأمين قروض ومساعدات خارجية:

من المرجح أن تعيد المؤسسات المالية الدولية ثقتها في الاقتصاد السوداني مما سيمكنه من الحصول على قروض ميسرة وتمويل من تلك المؤسسات كصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، والدول الكبرى المانحة. كما أصدرت واشنطن تفويضًا بدفع 111 مليون دولار لسداد جزء من دين ثنائي على السودان و120 مليون دولار للمساهمة في سداد ديونه لصندوق النقد الدولي وفي الوقت نفسه ستتيح للسودان مساعدات قدرها 700 مليون دولار حتى سبتمبر 2022، في حين سددت وزارة الخزانة الأمريكية متأخرات على السودان بقيمة مليار دولار للبنك الدولي بما سيسمح لها بالحصول على تمويل بقيمة 1.5 مليار دولار من المؤسسة الدولية للتنمية. 

وفي الختام، يُمكن القول إن رفع السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب لا يعتبر الحل الوحيد لإنعاش الاقتصاد السوداني؛ إذ إن قرار الرفع يُعتبر بمثابة تمهيد للطريق أمام البلاد لاتخاذ العديد من الإجراءات الأخرى الهادفة لتعزيز الأداء الاقتصادي.

بسنت جمال
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة