حصاد الإرهاب في 2020

عضو الهيئة الاستشارية

ونحن نودع العام 2020 بكل ما شكله من استثناء على مستوى العالم وبكل ما حمله من احداث بدءا من ظهور جائحة كوفيد-19 وصولا الى ظهور الطفرة الثانية من الفيروس، وما بينهما من حالة اغلاق تام دامت لأشهر، مما تسبب في اكبر ازمة اقتصادية يشهدها العالم بعد الكساد الأعظم، بقي هناك عدو اخر يقتات في الظلام ويستغل سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وانشغال القوات الأمنية في مواجهة الجائحة، من اجل تنفيذ مخططاته واستقطاب مجنديه، وإعادة ترتيب أوراقه في المناطق التي مني بها بهزائم سابقة او خسر فيها احدا او مجموعة من قيادييه. رغم تواريه إعلاميا في عام طغت فيه اخبار كورونا المستجد…

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

ونحن نودع العام 2020 بكل ما شكله من استثناء على مستوى العالم وبكل ما حمله من احداث بدءا من ظهور جائحة كوفيد-19 وصولا الى ظهور الطفرة الثانية من الفيروس، وما بينهما من حالة اغلاق تام دامت لأشهر، مما تسبب في اكبر ازمة اقتصادية يشهدها العالم بعد الكساد الأعظم، بقي هناك عدو اخر يقتات في الظلام ويستغل سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وانشغال القوات الأمنية في مواجهة الجائحة، من اجل تنفيذ مخططاته واستقطاب مجنديه، وإعادة ترتيب أوراقه في المناطق التي مني بها بهزائم سابقة او خسر فيها احدا او مجموعة من قيادييه.

رغم تواريه إعلاميا في عام طغت فيه اخبار كورونا المستجد على شاشات الاخبار، الا ان الإرهاب لا يزال يشكل العدو الاول للإنسانية، ولا يزال خطره يتمدد رغم كل ما يقال عن خسارته للأرض (داعش) او خسارته لقيادييه (القاعدة). اذا كان تنظيم “داعش” قد خسر، في 2019، الأرض التي سيطر عليها، فأن عام 2020 كان كارثيا على القاعدة التي فقدت العديد من الشخصيات الرئيسية، بما في ذلك كبار أعضاء قيادتها المركزية ورؤساء الفروع الإقليمية في جميع أنحاء العالم. الا ان ذلك لا يعني انه تم القضاء على التنظيمين او الانتصار على الارهاب. 

وفي وقت تتضارب فيه الأنباء حول مصير زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري، الذي اختفى عن الأنظار، مع تضارب في الأنباء حول حقيقة وفاته نتيجة إصابته بمرض عضال، كانت الضربات الجوية الأمريكية في اليمن  وسوريا والصومال والمناطق الحدودية بين أفغانستان وباكستان من جهة، والعمليات التي كانت تنفذها فرنسا في منطقة الصحراء الكبرى في غرب إفريقيا من جهة أخرى، مصدر تهديد للتنظيم وأحد الأسباب الرئيسية لخسارة قادته ((مقتل زعيم تنظيم القاعدة ببلاد المغرب “عبد المالك درودكال”، ومقتل زعيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية “قاسم الريمي”، وغيرهم) واستنزاف قدراته واضعافه من الداخل.

ومع ذلك لا يزال تنظيم القاعدة يشكل تهديدا حقيقيا، خاصة في دول القارة الافريقية التي تواجه حاليا تصاعدا في العمليات الارهابية بفعل المنافسة بين تنظيمي القاعدة وتنظيم “داعش” اللذان نقلا مركز ثقلهما من مناطق نفوذهما التقليدية في سوريا والعراق الى الجماعات المرتبطة بهما في غرب وشرق القارة الافريقية، بالإضافة الى أفغانستان. وحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2020، فإن “إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كانت الأكثر تضررا مع وجود سبع من أكثر عشر دول شهدت ارتفاعا في عدد الضحايا، في هذه المنطقة”. وقد وقع في هذه المنطقة 41% من القتلى الذين سقطوا في هجمات منسوبة إلى تنظيم “داعش” في العالم العام الماضي.

وقد تم تسجيل 1168 هجمة إرهابية في افريقيا في الفترة من يناير إلى أغسطس 2020 ــ بزيادة 18% مقارنة بنفس الفترة من عام 2019 (982 حادثة). وقد انتشرت العمليات الإرهابية ووصلت إلى مناطق مثل منطقة البحيرات الكبرى وجنوب أفريقيا، وإلى دول مثل موزمبيق والدول الساحلية في غرب أفريقيا. وقد تعرض 27 بلدا لهجوم إرهابي يحمل توقيع “داعش” او احد فروعه. ويعتمد التنظيم في تمويل عملياته على الشبكات الدولية غير المشروعة والجرائم العابرة للحدود الوطنية مثل القرصنة وأنشطة المرتزقة، إلى جانب الاتجار بالبشر والسلع المزيفة والمخدرات والأسلحة والموارد الطبيعية. 

اما اوروبيا، فبعد ان كانت أوروبا تعتبر الإرهاب مستوردا، أصبحت تتعرض بشكل متزايد الى تهديدات ومخاطر امنية محلية، وبات الإرهاب يأتيها من الداخل مع استمرار الدعاية المتطرفة على الانترنت التي تنجح دائما في استقطاب عناصر جديدة تدفعها لتنفيذ عملياتها. وقد شهدت دول أوروبا عددا من العمليات الإرهابية خلال عام 2020، كانت في الغالب عمليات محدودة، على غرار الذئاب المنفردة. وعلى الرغم من محدودية هذا النوع من العمليات الا انها اثارت الكثير من الرعب، ابرزها عملية ذبح استاذ التاريخ في فرنسا، وعملية ذبح القس في نيس الفرنسية، وكذلك ما شهدته العاصمة فيينا من عملية قتل عدد من المدنيين.

واذا كانت أوروبا تنظر الى الان الى مقاتليها في سوريا والعراق على انهم يشكلون أكبر تهديد للأمن القومي، وبالتالي ترفض استعادتهم، الا أن التهديد الداخلي بات مقلقا أيضا. هذا ما دفع بعض الدول الى محاولة تجفيف منابع الإرهاب في الداخل الأوروبي من خلال اتخاذ مجموعة من الإجراءات ضد جماعات الإسلام السياسي، حيث قامت فرنسا، تحديدا، بغلق بعض مراكز جماعة الاخوان، وتعقب مصادر تمويل بعض الجمعيات، ومتابعة بعض عناصرها بالتحريض على التطرف والإرهاب.

من خلال هذه القراءة الموجزة، هناك ملاحظتين: أولا، المعركة الاساسية القادمة ضد التنظيمات الارهابية ستكون القارة الأفريقية التي ستتحول الى ساحة للإرهاب العالمي خلال العقد القادم. ومن المتوقع ان تشهد المنطقة منافسة شرسة بين تنظيم القاعدة الام، وبين تنظيم “داعش”، هذا اذا لم يظهر جيل ثالث من الإرهاب يكون جل قيادييه من أبناء المنطقة. ثانيا، على الرغم من كل الإجراءات المبذولة من اجل القضاء على الإرهاب، يبقى الحل الامثل لعنف التنظيمات الإرهابية وذئابها المنفردة، وما تمثله من تحديات، هو تجفيف منابع الإرهاب والتصدي بفاعلية لأسبابه المختلفة، من خلال احترام مبادئ المواطنة وعدم التمييز او الاقصاء المبني على الدين (أوروبيا)، وتوفير فرص عمل للشباب وتحقيق الاستقرار السياسي مما يجعل حياة العنف أقل جاذبية للمواطنين (افريقيا).

ــــــــــــــــــــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس ١٤ ديسمبر ٢٠٢٠.

وفاء صندي
عضو الهيئة الاستشارية

مقالات أخرى للكاتب