وحدة الدراسات الاقتصادية

دور مختلف: مؤسسات التمويل الدولية ومواجهة آثار الجائحة

أدت جائحة كورونا إلى تدهور الاقتصاد العالمي، كما لعبت دورًا مضادًا لما تم من جهود لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وزادت من عدم اليقين لدى الأسر والشركات. وهنا يأتي دور المؤسسات المالية الدولية للمساهمة في الحد من تأثر النمو الاقتصادي وتوفير الاحتياجات المالية والحد من عدم الاستقرار المالي. أولًا- نظرة على الاقتصاد العالمي: أثرت الجائحة على جميع الجوانب الاقتصادية. وفقًا لتقرير “الآثار الاقتصادية العالمية لكورونا” المقدم من خدمة أبحاث الكونغرس “Congressional Research Service” للفترة بين 13 مارس 2020 و19 نوفمبر 2020، فإن توقعات صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2020، والتي كانت أكثر تفاؤلًا عن توقعات شهر يونيو، تشير إلى أن الاقتصاد…

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

أدت جائحة كورونا إلى تدهور الاقتصاد العالمي، كما لعبت دورًا مضادًا لما تم من جهود لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وزادت من عدم اليقين لدى الأسر والشركات. وهنا يأتي دور المؤسسات المالية الدولية للمساهمة في الحد من تأثر النمو الاقتصادي وتوفير الاحتياجات المالية والحد من عدم الاستقرار المالي.

أولًا- نظرة على الاقتصاد العالمي:

أثرت الجائحة على جميع الجوانب الاقتصادية. وفقًا لتقرير “الآثار الاقتصادية العالمية لكورونا” المقدم من خدمة أبحاث الكونغرس “Congressional Research Service” للفترة بين 13 مارس 2020 و19 نوفمبر 2020، فإن توقعات صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2020، والتي كانت أكثر تفاؤلًا عن توقعات شهر يونيو، تشير إلى أن الاقتصاد العالمي سيواجه أسوأ ركود له منذ الكساد العظيم، حيث إن من المتوقع أن ينخفض الاقتصاد العالمي بنسبة 4.4% في 2020 قبل أن يرتفع بنسبة 5.2% في 2021. بينما توقعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في سبتمبر 2020 أن ينخفض الاقتصاد العالمي بنسبة 4.5% في 2020. إضافة إلى ذلك، توقع البنك الدولي في يونيو 2020 أن ينخفض الاقتصاد بنسبة 5.2%، وهو ما يعد أعلى انخفاض منذ الحرب العالمية الثانية، وأن يتأثر بذلك حوالي 90% من اقتصادات العالم قبل أن يرتفع بنسبة 4.2% في 2021 على أن يبدأ الاقتصاد العالمي في التعافي بداية من النصف الثاني من العام.

إضافة إلى ذلك، يُظهر تقرير الاستقرار المالي العالمي الذي نُشر في أكتوبر 2020 أن النظام المالي تضرر بشدة مما قد يؤثر على الاستقرار المالي العالمي وزيادة حالات الإفلاس مع ارتفاع ديون الشركات ومستويات التخلف عن السداد. وقد وصلت مساهمات حكومات العالم من خلال سياساتها المالية إلى 11.7 تريليون دولار، بينما وصلت مساهمات البنوك المركزية حول العالم إلى أكثر من 7.5 تريليونات دولار.

الشكل 1: نسبة العجز المالي من إجمالي الناتج المحلي (2019-2020)

 المصدر: خدمة أبحاث الكونغرس، نوفمبر 2020.

بناءً على الشكل رقم 1، ارتفعت نسبة العجز المالي العالمي من إجمالي الناتج المحلي بنسبة 8.8% لتصل إلى 12.7% في 2020 من 3.9% في 2019. كما ارتفع العجز المالي في جميع أنحاء العالم، ولكن كان أكثر حدة في الولايات المتحدة بزيادة 12.4% ليصل إلى 18.7% في 2020 من 6.3% في 2019. بينما كان أقل حدة في آسيا حيث ارتفع بنسبة 5.4% ليصل إلى 11.4% في 2020 من 6% في 2019.

وأخيرًا، وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي في أكتوبر 2020، فإن التداعيات الاقتصادية لكورونا يمكن أن تدفع من 100 مليون إلى 110 ملايين شخص في إفريقيا جنوب الصحراء وجنوب آسيا فقط إلى الفقر المدقع في حالة عدم الإنفاق على البرامج الاجتماعية، وهي البرامج التي من شأنها تخفيض هذا العدد إلى 80-90 مليون شخص. 

ثانيًا- أهم مساهمات مؤسسات التمويل الدولية:

الدور الرئيسي للمؤسسات المالية في أوقات الأزمات هو الحد من انخفاض النمو الاقتصادي في البلدان النامية، والتعامل مع الزيادة في الطلب على التمويل من قبل أصحاب الأعمال -خصوصًا الأكثر تضررًا والأكثر ضعفًا مثل الشركات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة- ومساعدة الأسر الفقيرة والضعيفة التي فقدت مصدر دخلها، والتي عادة ما تشارك بطريقة غير مباشرة من خلال عمل شراكة مع المؤسسات المالية المحلية أو المؤسسات المالية الدولية التي لها وجود محلي. لذلك، تساهم المؤسسات المالية بما في ذلك صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية والمتخصصة متعددة الأطراف بحجم غير مسبوق لمكافحة الأزمة الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، أعلن صندوق النقد الدولي عن استعداده للاستفادة من إجمالي طاقته الإقراضية والتي تبلغ تريليون دولار لدعم الحكومات، حيث إن الصندوق ساهم حتى الآن بحوالي 165 مليار دولار من المساعدات المالية لأكثر من نصف أعضاء الصندوق (لـ83 دولة) على الرغم من بلوغ عدد الدول التي طلبت تمويل طارئ أكثر من مائة دولة. إضافة إلى ذلك، ضاعف الصندوق مؤقتًا إمكانية الوصول إلى مرافق الطوارئ الخاصة به من خلال التسهيل الائتماني السريع (RCF) وأداة التمويل السريع (RFI). ووفقًا للصندوق ومن خلال الأسئلة والإجابات المتعلقة باستجابة الصندوق لكورونا، فإن مساهمات الصندوق تتركز على، أولًا: تمديد تخفيف خدمة الديون من خلال صندوق احتواء الكوارث وتخفيفها (CCRT) إلى 29 من أفقر الدول الأعضاء وأكثرها ضعفًا بما يغطي الديون المستحقة في الفترة من أبريل 2020 إلى أبريل 2021. ثانيًا: دعا الصندوق وبالمشاركة مع البنك الدولي لتخفيف عبء الديون الثنائية من خلال تعليق مدفوعات خدمة الديون والتي استجابت مجموعة العشرين لها في أبريل 2020 لتعليق خدمة ديون 73 من الدول منخفضة الدخل وذات الدخل المتوسط المنخفض والذي تم تمديده لنهاية يونيو 2021 بدلًا من نهاية 2020 مع احتمالية تمديده مرة أخرى لنهاية 2021. ثالثًا: تعزيز السيولة من خلال إنشاء خط سيولة قصير الأجل (SLL) لضمان سهولة الوصول للموارد المالية. إضافة إلى ذلك: زيادة برامج الإقراض الحالية. وأخيرًا: استغلال قاعدة بياناته ومعرفته بالتطورات العالمية في تقديم توصيات سياسية للدول وكيفية تنمية القدرات لأكثر من 160 دولة في قضايا مثل إدارة النقد والإشراف المالي والأمن السيبراني والحوكمة الاقتصادية.

وعلى صعيد آخر، أعلن البنك الدولي عن تعهده بتقديم تدفقات إيجابية صافية لأفقر دول العالم وتقديم 160 مليار دولار للدول الأعضاء على مدى 15 شهرًا والتي تشمل 104 مليارات دولار من المؤسسة الدولية للتنمية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير. أما بالنسبة للـ56 مليارًا المتبقية فسوف يتم تقديمها من قبل مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار والصناديق الائتمانية. وبين أبريل وسبتمبر 2020، تعهد البنك بتقديم 43 مليار دولار، أو 41% من إجمالي قدرته الإقراضية البالغة 104 مليارات دولار التي أعلنها البنك في مارس. كما أعلن في 13 أكتوبر 2020 عن توفير 12 مليار دولار لتمويل شراء البلدان النامية للقاحات وتوزيعها. إضافة إلى ذلك، يعمل البنك الدولي على ضمان نمو الأعمال والوظائف المستدامة، وتعزيز السياسات والمؤسسات والاستثمار والمساهمة في التعافي الأخضر المستدام.

الشكل 2: حجم تمويل المؤسسة الدولية للتنمية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير
(السنة المالية 2009-2020)

 المصدر: تقرير “استجابة البنك الدولي لكوفيد-19” الصادر عن البنك الدولي، أكتوبر 2020.

إضافة إلى ذلك، ووفقًا للبنك الدولي، فإنه من إجمالي 43 مليار دولار تعهد البنك بتقديمها، خصّصت المؤسسة الدولية للتنمية (التي تأسست عام 1960 وتعد مُقرِضًا لمجموعة البنك الدولي، وتقدم قروضًا ميسرة ومنحًا لأفقر البلدان النامية في العالم) حوالي 25 مليار دولار للدول المؤهلة للإقراض والتي تركز بشكل خاص على مجال الصحة وعلى الشركات والأشخاص وإعادة بناء الاقتصاد.

وتتزايد مدفوعات البنك مع زيادة حصة قروض سياسات التنمية، وإعادة توجيه جزء من الحافظة لدعم الأنشطة ذات الأولوية، وزيادة المدفوعات على العمليات الصحية الطارئة بما في ذلك النفقات اللازمة لتوزيع اللقاح. وبناء على الشكل رقم 2، فإن إجمالي مساهمة المؤسستين الماليتين التابعتين للبنك الدولي في العام المالي 2019/2020 كانت تمامًا مثل مساهمتها في العام المالي 2009/2010 بإجمالي 59 مليار دولار. إضافة إلى ذلك، بلغ إجمالي تمويل البنك الدولي 149 مليار دولار بداية من العام المالي 2009 وإلى 2011، حيث ضاعف البنك الدولي للإنشاء والتعمير قروضه ثلاث مرات مقارنة بمستويات ما قبل الأزمة. وعلى الرغم من أن مساهمة البنك الدولي الحالية أكبر بشكل صغير من تلك التي حدثت إبان الأزمة المالية، ألا أنها من المفترض أن تطبق على مدار مدة زمنية أقل من النصف. وجدير بالذكر أن مساهمة المؤسسة الدولية للتنمية في الأزمة المالية كانت ضعيفة بشكل كبير مقارنة بمساهمتها في أزمة كورونا، ويرجع ذلك إلى تمتع المؤسسة بإمكانية الوصول إلى الأسواق واستقرار القطاع المالي في الأزمة الحالية نسبيًا عما كان عليه خلال الأزمة المالية. وأخيرًا، زادت المدفوعات في الربع الأول من العام المالي 2020/2021 إلى 11.8 مليار دولار وهو ما يعد أقل من الضعف بقليل عن نفس الربع من العام المالي 2019/2020 حيث بلغت المدفوعات 6.4 مليارات دولار مع تفاقم الأزمة وظهور الموجة الثانية. 

وأخيرًا، ساهمت المؤسسات المالية الأخرى أيضًا، حيث إنه وفقًا لخدمة أبحاث الكونغرس في مايو 2020، أعلنت بنوك التنمية متعددة الأطراف التزامها بتقديم 80 مليار دولار خلال نفس الفترة (15 شهرًا)- التي أعلنها البنك الدولي.

بشكل عام، يشبه التأثير الاقتصادي للأزمة الحالية الأزمات التي مضت. ولكن لدى المؤسسات المالية في هذه الأزمة الفرصة للمساهمة في الحد من هذه الاضطرابات بشكل أسرع وأكثر فعالية، مما سيساهم في الحفاظ على ما تم تحقيقه من أهداف التنمية المستدامة. إضافة إلى ذلك، فإن دور وحجم مساهمة هذه المؤسسات يحدد مدى أهميتها في المستقبل.

كَنزي سيرِج
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة