الربيع العربي والتدخلات العسكرية والسياسية الأجنبية

مساعد وزير الخارجية السابق

بدأت مجموعة من الصحف البريطانية والدوريات الأمريكية في نشر تقارير بمناسبة قرب حلول الذكرى العاشرة لما يصفونه بـ”الربيع العربي” تتضمن تقديرات عن أسباب إخفاقه، وعن استمرار تراجع الديمقراطية في عدد من الدول العربية التي شهدت عام ٢٠١١ انتفاضات شعبية. ودون التوقف كثيرًا عند التقديرات الخاطئة لتلك التقارير لما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس، وتجنبها الإشارة إلى النضال الذي تخوضه حاليًّا الطبقة المثقفة المستنيرة والحزب الدستوري الحر ضد “أخونة” البرلمان وربما البلاد كلها، تتمثل القواسم المشتركة لتلك التقارير في: أولًا: تجاهلها المقصود لمشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي تبنته الإدارة الأمريكية آنذاك الذي قام على أربع ركائز تتمثل في:  ١-…

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

بدأت مجموعة من الصحف البريطانية والدوريات الأمريكية في نشر تقارير بمناسبة قرب حلول الذكرى العاشرة لما يصفونه بـ”الربيع العربي” تتضمن تقديرات عن أسباب إخفاقه، وعن استمرار تراجع الديمقراطية في عدد من الدول العربية التي شهدت عام ٢٠١١ انتفاضات شعبية. ودون التوقف كثيرًا عند التقديرات الخاطئة لتلك التقارير لما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس، وتجنبها الإشارة إلى النضال الذي تخوضه حاليًّا الطبقة المثقفة المستنيرة والحزب الدستوري الحر ضد “أخونة” البرلمان وربما البلاد كلها، تتمثل القواسم المشتركة لتلك التقارير في:

أولًا: تجاهلها المقصود لمشروع “الشرق الأوسط الكبير” الذي تبنته الإدارة الأمريكية آنذاك الذي قام على أربع ركائز تتمثل في: 

١- تبرير التدخل العسكري والسياسي المباشر من أجل إحداث تغيير نظم الحكم تحت دعاوى نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

٢- والترويج لـ”النموذج التركي” باعتباره يمثل -من وجهة نظر عدد من الدوائر الغربية- نجاحًا للإسلام السياسي المعتدل في تحقيق الديمقراطية والتقدم الاقتصادي، وهو النموذج الذي يمكن تكراره والاسترشاد به في عدد من الدول العربية.

٣- دعم تمكين الإسلام السياسي من الحكم في عدد من الدول العربية بعد أن يتم التوصل مع تنظيماته إلى اتفاقات غير معلنة حول عدد من القضايا المتصلة بالسلام مع إسرائيل، وبحقوق المرأة، وباحترام وضعية الأقليات من المعتقدات المغايرة.

٤- والحصول على التمويل اللازم من إحدى دول الخليج، وتكثيف دور عدد من الأجهزة الأمنية الغربية لتنفيذ حملة للترويج لضرورة إحداث التحول الديمقراطي، وتوظيف العديد من الصحف والدوريات ومراكز الأبحاث والقنوات الإخبارية الغربية من أجل تنفيذ هذا الهدف، وهو الأمر الذي امتد أيضًا إلى عملية منح جائزة نوبل وجائزة زخاروف الأوروبية لحقوق الإنسان، فضلًا عن ورش العمل الأكاديمية التي نظمتها عدد من الجامعات ومراكز الأبحاث الغربية.

ثانيًا: كما تجنبت الغالبية العظمى من تلك التقارير الإشارة إلى الآثار التي ترتبت على التدخلات العسكرية والسياسية الغربية في عدد من الدول العربية، خاصة في ليبيا وسوريا، والتي لم تختلف كثيرًا عن تداعيات الغزو الأمريكي للعراق من قبل، والتي أدت إلى تحولها إلى دول فاشلة يصعب تصور مستقبلها حتى على المدى القصير. يضاف إلى ذلك التسبب في أكبر أزمة للاجئين يشهدها العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وخلق مشكلة غير مسبوقة للنازحين داخليًّا، وذلك ضمن أزمات إنسانية وخسائر اقتصادية، وتصاعد خطير للإرهاب والأصولية والتطرف جعلت مجمل الأوضاع الحالية في بعض دول ما يصفونه بالربيع العربي أسوأ بكثير مما كانت عليه قبل تفجر الانتفاضات الشعبية عام ٢٠١١ وما أعقبها.

ثالثًا: وتجاهلت تلك التقارير الإشارة إلى تصاعد مشاعر الريبة لدى قطاعات عريضة من المجتمعات العربية من حقيقة مقاصد عدد من القوى الغربية ومن احتمالات كونها بصدد تنفيذ “سايكس بيكو” جديدة يمكن أن تؤدي إلى انهيار وتفكك “الدولة الوطنية” في إطار السعي إلى إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقه، وهو الأمر الذي قد يفسر اقتناع البعض بأن مجمل ما شهدته المنطقة ما هو إلا “مؤامرة غربية كبرى” حركت أو استغلت تحرك انتفاضات شعبية في عدد من الدول العربية من أجل تحقيق أهداف غربية ليس لها أدنى علاقة بنشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

رابعًا: كما تجنبت تلك التقارير الإشارة إلى تقاعس عدد من القوى الغربية عن القيام بتحرك جاد نحو مكافحة الإرهاب، ولا يتعلق الأمر بمجرد نشأة تنظيمات إرهابية جديدة لم تكن موجودة من قبل في المنطقة، وبالتعثر الغربي المقصود في فهم حقيقة المنطلقات الفكرية الإرهابية لعدد من تنظيمات الإسلام السياسي؛ بل يمتد أيضًا إلى المشاركة في ومباركة استخدام المرتزقة الأجانب، وتوفير التدريب والتسليح والتمويل من أجل زعزعة الأمن والاستقرار في عدد من الدول العربية.

فالتقدير الموضوعي لما آلت إليه الأوضاع في منطقتنا بعد مرور عشرة أعوام على الانتفاضات الشعبية لعام ٢٠١١ قد لا يكون مكتملًا دون الإشارة إلى الاعتبارات السابقة، وإلى مجمل الأخطاء الغربية التي ارتُكبت منذ الغزو الأمريكي للعراق وأيضًا في إطار ما يصفونه بالربيع العربي وما شمله من تدخلات عسكرية وسياسية غربية ليس من الثابت أنها حققت في النهاية مصالح أحد.

‎وإذا كان الكتاب الذي أصدره الرئيس “أوباما” مؤخرًا قد كشف عن جانب من خبايا المواقف التي اتخذتها الإدارة الأمريكية آنذاك حيال الانتفاضات الشعبية لعام ٢٠١١، خاصة في مصر، وتحديدًا فيما يتعلق بضرورة وضع نهاية لحكم الرئيس “حسني مبارك”، فقد جاء الكتاب الذي أصدره “فيليب جوردن” المنسق السابق للبيت الأبيض لشئون الشرق الأوسط في أكتوبر الماضي المعنون Losing the Long Game: The False Promise of Regime Change in the Middle East، ليلقي الضوء على تاريخ الإخفاقات الناتجة عن التدخلات الأمريكية لتغيير نظم الحكم في كل من إيران عام ١٩٥٨، وفي أفغانستان في عامي ١٩٩٢ و٢٠٠١، وفي العراق عام ٢٠٠٣، وكذلك في ليبيا ومصر وسوريا اتصالًا بما يصفونه بالربيع العربي، والتي -علي حد وصفه- فشلت في تحقيق أهدافها النهائية، وتسببت في مجموعة من العواقب الكارثية، وحملت تكاليف مالية وبشرية باهظة، وفي عدد من الحالات تركت بعض الدول المعنية أسوأ حالًا مما كانت عليه من قبل، حيث تنوعت تلك التدخلات بين ممارسة مختلف أنواع الضغوط السياسية، وبين الغزو والاحتلال العسكري، موضحًا أن أي مناقشة مستقبلية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط يجب أن تأخذ بعين الاعتبار دروس الماضي، والتحلي بنظرة موضوعية لما آلت إليه الأوضاع في المنطقة، ولمجمل التحديات القائمة التي تحتاج إلى خبرات فائقة التخصص حتى يمكن تجنب أخطاء الماضي والتسبب في تعقيدات إضافية تضاف إلى خطورة الأوضاع القائمة في عدد من دولها.

‎ومع قرب تولي إدارة أمريكية جديدة، ومع الاعتراف بأن السياسة الخارجية الأمريكية تركز في الأساس على تحقيق المصالح الأمريكية؛ إلا أن ذلك لا يجب أن يؤدي -في النهاية- إلى تدمير دول وتمزيق مجتمعاتها، والتسبب في خسائر اقتصادية وإنسانية تفوق التصور، أو إلى تجديد الرهان على تنظيمات الإسلام السياسي وذلك تحت دعاوى نشر الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

مقالات أخرى للكاتب