مقال تحليلي

ذاكرة النضال: مصر تنتصر على العدوان الثلاثي

يؤرخ الثالث والعشرون من ديسمبر 1956 لصفحة هامة من تاريخ النضال المصري الحديث، بانتصار مصر على العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، وخاصة بعد سنوات وجيزة من ثورة يوليو 1952 التي بدأت بمجموعة من الضباط الأحرار ضد قيادة الجيش التي اعتبروها مقصرة، حيث دفعت بهم وبقوات الجيش إلى حرب عام 1948 مع إعلان قيام دولة إسرائيل دون إعداد أو تنسيق مع الدول الخمس العربية الأخرى التي شارك بعضها بشكل رمزي، بل اعتبرتها القيادة المصرية بمثابة (نزهة عسكرية) ولم تكن كذلك، ودون معلومات دقيقة عن قوات العدو الإسرائيلي الذي تم تصويره على أنه مجموعة من العصابات، ولم يكن كذلك في مجمله، بل…

لواء دكتور/ محمد قشقوش

يؤرخ الثالث والعشرون من ديسمبر 1956 لصفحة هامة من تاريخ النضال المصري الحديث، بانتصار مصر على العدوان الثلاثي البريطاني الفرنسي الإسرائيلي، وخاصة بعد سنوات وجيزة من ثورة يوليو 1952 التي بدأت بمجموعة من الضباط الأحرار ضد قيادة الجيش التي اعتبروها مقصرة، حيث دفعت بهم وبقوات الجيش إلى حرب عام 1948 مع إعلان قيام دولة إسرائيل دون إعداد أو تنسيق مع الدول الخمس العربية الأخرى التي شارك بعضها بشكل رمزي، بل اعتبرتها القيادة المصرية بمثابة (نزهة عسكرية) ولم تكن كذلك، ودون معلومات دقيقة عن قوات العدو الإسرائيلي الذي تم تصويره على أنه مجموعة من العصابات، ولم يكن كذلك في مجمله، بل قاتل معظم قادته ضمن صفوف الحلفاء المنتصرين في الحروب العالمية وعادوا بأسلحتهم (كمكافأة) في هجرات مسلحة إلى فلسطين ليختل ميزان التوازن العسكري لصالحهم ضد الفلسطينيين تنظيمًا وتسليحًا وخبرة قتال.

ما سبق مجرد تمهيد لبيان مدى الحنق والضيق والإحباط الذي عاد به معظم القادة المصريين الميدانيين، ومنهم الضباط الأحرار بقيادة المقدم أركان حرب (البكباشي) جمال عبدالناصر، حيث كان من أحد أهم أسباب ثورة يوليو 1952، خاصة أنه سبقها عربدة القوات البريطانية في منطقة قناة السويس ومهاجمة قسم شرطة ومديرية أمن الإسماعيلية بالدبابات في يناير 52، وما أعقب ذلك من حريق القاهرة، فكان لزامًا أن تنفجر الثورة ويحكم مصر أبناؤها بعد قرن ونصف من حكم أسرة محمد علي ومنذ عام 1805، ليتولى رئاسة الجمهورية الوليدة اللواء محمد نجيب، ورئاسة الوزراء جمال عبدالناصر، حيث كان من أهداف الثورة الستة بناء جيش وطني قوي ليحمي أمن مصر القومي الذي كان تعبيرًا وليدًا أيضًا، حيث كان ذلك أحد أسباب العدوان الثلاثي لاحقًا.

كانت مصر تتبع المدرسة العسكرية الغربية البريطانية تنظيمًا وتسليحًا وتكتيكًا وتدريبًا، وأيضًا بعض خبرات القتال المشتركة خلال المراحل النهائية من الحرب العالمية الثانية 1939-1945 ضد ألمانيا في معارك العلمين، حيث أُجبرت مصر على إعلان الحرب على ألمانيا طمعًا في الاستقلال عن بريطانيا حالة انتصارها، وهو ما لم يحدث، حيث انتصرت بريطانيا ولم تفِ بوعدها.

رغم تلك المرارة والنكوص كانت بريطانيا هي الأنسب تسليحًا ولكنها رفضت، حيث لم تعد الدولة العظمى بل أصبحت قوة كبرى تابعة ومؤتمِرة بالقوة العظمى الجديدة للغرب ولحلف الأطلنطي وهي الولايات المتحدة، حيث التقت توجهاتهما ومصالحهما ضد مصالح مصر التي رفضت سياسة الأحلاف والانضمام إلى حلف بغداد (لتحزيم) جنوب الاتحاد السوفيتي القوة العظمى الأخرى وزعيمة حلف وارسو، من الاتصال بمنابع البترول في الخليج والوصول إلى المياه الدافئة للبحر المتوسط، بل زاد الطين بِلة بمنع الولايات المتحدة صندوق النقد الدولي -وهي أكبر داعميه– من تمويل مشروع السد العالي الحلم الاقتصادي للري الدائم للزراعة على مدار العام والثروة السمكية التابعة، أو لتوليد الكهرباء.

لم يجد الرئيس عبدالناصر الذي أصبح رئيسًا للجمهورية منذ عام 1954، بُدًّا من التوجه إلى الاتحاد السوفيتي القطب العالمي الشرقي الجديد، الذي رحب ولبى المطلبين، سواء لتسليح الجيش المصري أو تمويل وبناء السد العالي، كما كانت دوافع السوفيت هي التعامل مع مصر ذات الثقل الاستراتيجي في المنطقة كأكبر دولة عربية في الشرق الأوسط وأقواها عسكريًّا واقتصاديًّا، وفي قلب المياه الدافئة وقريبة من منابع النفط وتملك قناة السويس، وتم التوقيع على صفقة التسلح المعروفة بالتشيكية لبدئها من تشيكوسلوفاكيا عضو حلف وارسو، على أن يتم التوريد خلال عامي 1955-1956.

ونظرًا لعدم وجود السوفيت ضمن اللجنة الثلاثية (أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا) التي تم إنشاؤها بعد قيام إسرائيل لتكون مسئولة عن التوازن العسكري وإمدادات السلاح إلى المنطقة بما يحفظ أمن وتفوق وبقاء إسرائيل، لذلك لم تكن هناك قيود على الصفقة الروسية إلى مصر، ولكن بعد معرفتها اتضح للغرب أنها سوف تُخِل بالتوازن العسكري لصالح مصر ضد إسرائيل بشكل كبير، خاصةً أن ضمها طائرات اليوشن 28 بعيدة المدى القاذفة القادرة على الوصول إلى كل العمق الإسرائيلي (ملحوظة: تم مراعاة ذلك لاحقًا، والتزم السوفيت بعدم إمداد مصر بأسلحة وطائرات نوعية تُهدد العمق والتفوق الجوي الإسرائيلي كما حدث في حرب أكتوبر 1973). وفي 22 أكتوبر 1956 تم استدعاء إلى سيفر بفرنسا لمؤتمر سري ثلاثي مع كل من فرنسا وبريطانيا (دون علم الولايات المتحدة) وذلك لتوجيه ضربة عسكرية ثلاثية بهدف تدمير الجيش المصري، واستعادة قناة السويس، وإسقاط جمال عبدالناصر الذي أعلن لتوه تأميم قناة السويس.

دوافع الأطراف الأربعة

  • مصر: توفير تكلفة تمويل صفقتي التسلح وبناء السد العالي، واستكمال التمويل من الصادرات الزراعية.
  • إسرائيل: تدمير صفقة التسلح الروسية قبل استيعابها بواسطة الجيش المصري، وإخلال ميزان التوازن والتسلح لغير صالحها، خاصة مع وجود القوات الفرنسية والبريطانية، وخاصة الجوية في ميدان القتال.
  • فرنسا: استعادة قناة السويس كأكبر مساهميها، وأنها صاحبة الفضل في فكرة إنشائها (الفرنسي دليسيبس).
  • بريطانيا: ثاني أكبر المساهمين، ومتضررة من ترك سلاحها في منطقة القناة طبقًا لاتفاقية الجلاء مع مصر التي وقعها جمال عبدالناصر كرئيس وزراء مصر في مايو 1954، على أن تعود قواتها البشرية للدفاع المشترك مع مصر حالة تهديد قناة السويس (لم تتوقع بريطانيا أن تكون هي مصدر التهديد!).

الخطة قادش

وُضِعت الخطة (قادش) لاحتلال القاهرة وإسقاط جمال عبدالناصر بمهاجمتها من اتجاهي الإسكندرية والسويس، ورُفضت وعُدلت إلى (قادش المعدلة) لاحتلال القناة وتدمير الجيش المصري في سيناء كالآتي: 1- تبدأ إسرائيل (كمخلب قط) بمهاجمة الحامية المصرية المحدودة في سيناء يوم 29 أكتوبر بقوات كبيرة بنسبة 6-1 لسرعة التقدم لملاقاة القوات المصرية الرئيسية التي ستعبر القناة لنجدة الحامية المحدودة. 2- توجه بريطانيا وفرنسا إنذارًا للجانبين لوقف القتال والابتعاد عن قناة السويس لمسافة 10 ميل من ضفتيها، وذلك لحل الأزمة سلميًّا وإعادة فتح قناة السويس، وفي حالة الرفض سوف تتدخل بريطانيا وفرنسا عسكريًّا ضد من يرفض، وبالطبع سترفض مصر، فتتدخلان جوًّا بإنزال مظلي وبحري لمحاصرة الجيش المصري الذي عبر إلى سيناء وتدمره بالتعاون مع إسرائيل، وفرض فتح قناة السويس للملاحة الدولية. 3- طبقًا للموقف يمكن التقدم إلى القاهرة لإسقاط جمال عبدالناصر.

مراحل تنفيذ العدوان

كانت متماشية مع التخطيط، حيث رفضت مصر الإنذار وعبر جزء هام من قواتها قناة السويس، خاصة القوات المدرعة من صفقة التسلح الجديدة قبل إتمام التدريب على التسليح والتكتيك الشرقي الروسي، ولكن القيادة المصرية تنبهت مبكرًا للفخ المُتوقع مع بدء الضربة الجوية البريطانية الفرنسية للمطارات المصرية المكشوفة، فأسرعت بسحب قواتها التي عبرت القناة وستر ارتداد قوات الحامية الأمامية التي قاتلت بشرف رغم التفوق الإسرائيلي الكبير (6-1) وذلك قبل تدمير الطيران المُعادي للمعديات على القناة لحصار القوات المصرية في سيناء من الشرق والغرب بعد فقدها غطاءها الجوي بتدمير الطيران المصري عدا ما تم إبعاده إلى الصعيد والسعودية من القاذفات الثقيلة إل 28، ومن فوق منبر الأزهر ألهب عبدالناصر حماس الشعب والجيش بالمقاومة ورفض الاستسلام للغزاة.

تم إسقاط مظلي بريطاني في منطقة الجميل ببورسعيد بعد إسقاط خداعي في منطقة المقابر، وفرنسي في الرسوة وبور فؤاد، وأعقبه إنزال بحري بريطاني في بورسعيد، وفرنسي في بورفؤاد، وهنا برز دور المقاومة العسكرية والشعبية التي أسفرت عن قتل العديد من الغزاة مع أسر أحد قادتهم “أنتوني مور هاوس” وتهريبه وإرساله إلى الرئيس جمال عبدالناصر، وتم تخليد شهداء بورسعيد والمقاومة بلوحة جدارية تحمل أسماءهم بدءًا بالسيد عسران ومحمد مهران.

كما تم قتال بحري مصري شرس في معركة البرلس، حيث استشهد القائد البطل المقدم بحري جلال الدسوقي، والبطل السوري الملازم جول جمال الذي كان يدرس في مصر وطلب المشاركة في القتال.

التدخل السوفيتي والأمريكي والأمم المتحدة

أنذر السوفيت الغزاة بوقف القتال لكنهم رفضوا ذلك، ثم طلب السوفيت من الأمريكان التدخل المشترك ولكن تم رفض ذلك أيضًا، ثم قدمت الولايات المتحدة مشروع قرار إلى مجلس الأمن بوقف إطلاق النار وانسحاب القوات المعتدية، والعمل على فتح قناة السويس، وذلك في الأول من نوفمبر، وتمت الموافقة عليه في اليوم التالي بأغلبية 64 ضد الدول الثلاثة المعتدية وأستراليا ونيوزيلاندا التابعتين إلى الكومنولث البريطاني، وتتولى قوات الطوارئ الدولية الفصل بين القوات لحين انتهاء الانسحاب، وتم إنزال علم القيادة البريطانية من فوق مبنى هيئة قناة السويس ببورسعيد، ورفع العلم المصري مكانه خفاقًا وإلى الأبد.

نتائج العدوان

١. موقف التضامن العربي: بالإضافة إلى موقف جامعة الدول العربية الجماعي بإدانة العدوان وقطع العلاقات مع الدول المعتدية، كان هناك بعض المواقف الفردية الهامة مثل السعودية التي قطعت إمدادات البترول ومنعت طيران تلك الدول من التحليق عبر أجوائها. كما أنه عند إعطاب وتوقف الإذاعة المصرية، فقد افتتح راديو دمشق بسوريا برسالة (هنا القاهرة).

٢. فرنسا: خسرت قناة السويس رغم التسويات المالية بينها وبين مصر في الداخل والخارج. 

٣. بريطانيا: ثاني الخاسرين لقناة السويس، وخسرت عتادها العسكري في مصر منذ اتفاق الجلاء بإعلانها الحرب عليها ليصبح غنائم حرب لمصر. (ملحوظة: كانت حرب السويس كما يطلق عليها، هي بدء أفول نجمي الحقبة الاستعمارية بريطانيا وفرنسا).

٤. إسرائيل: خسرت الفرصة الذهبية لتدمير الجيش المصري بعد صفقة السلاح الروسية رغم وجود حلفائها الأقوياء في ميدان القتال، وإن كسبت حق المرور في خليج العقبة.

٥. مصر: كسبت كل شيء سياسيًّا واقتصاديًّا وعسكريًّا. أ- سياسيًا: بوقوف الرأي العام العالمي معها في قرار مجلس الأمن. ب- اقتصاديًّا: باسترجاع ملكية قناة السويس وإدارتها وتمويل بناء السد العالي، وتمويل صفقة السلاح الروسية. ج- عسكريًّا: الحفاظ على جيشها الوليد من التدمير، وأخذ العتاد البريطاني في منطقة قناة السويس كغنائم حرب، والأهم طبقًا للمفهوم الاستراتيجي للنصر والهزيمة، أن المنتصر هو من يحقق هدفه من الحرب والعكس صحيح، فقد انتصرت مصر بتحقيق هدفها، وهزم المعتدون بإخفاقهم في تحقيق أهدافهم.

خلاصة ما سبق أن مصر قد نجحت وانتصرت وحققت أهدافها، حيث فشل وأخفق الاعتداء، لتكتب صفحة فخار من تاريخها لتصبح عيدًا لنصر مصر في الثالث والعشرين من شهر ديسمبر تحتفل به كل عام، نبراسًا لشبابها الناهض صناع وبناة تاريخ مصر اليوم والغد.

لواء دكتور/ محمد قشقوش