وحدة الدراسات العربية والإقليمية

عامان بعد استكهولم: اليمن بين التسوية الشاملة وإدارة الصراع

يدخل الصراع في اليمن عامه السادس دون الوصول إلى تسوية حقيقية، وقد شهدت تلك الأعوام عددًا من التحولات الرامية إلى تهدئة الصراع وتسكينه، ويعتبر توقيع الحكومة الشرعية في اليمن وجماعة الحوثي برعاية الأمم المتحدة لاتفاق استكهولم في ديسمبر 2018 أحد أبرز التطورات التي شهدها الصراع، خاصة في ظل التفاؤل الشديد الذي صاحب التوقيع بعدما فشلت كافة المحاولات السابقة في احتواء الأزمة. إلا أن المحصلة النهائية بعد مرور عامين على الاتفاق تشير إلى أن الطريق نحو السلام في اليمن لا يزال معقدًا. أربعة ملامح لا تزال الأمم المتحدة تعول بشكل كبير على مسار استكهولم من أجل الخروج من مأزق الحرب، وذلك…

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة

يدخل الصراع في اليمن عامه السادس دون الوصول إلى تسوية حقيقية، وقد شهدت تلك الأعوام عددًا من التحولات الرامية إلى تهدئة الصراع وتسكينه، ويعتبر توقيع الحكومة الشرعية في اليمن وجماعة الحوثي برعاية الأمم المتحدة لاتفاق استكهولم في ديسمبر 2018 أحد أبرز التطورات التي شهدها الصراع، خاصة في ظل التفاؤل الشديد الذي صاحب التوقيع بعدما فشلت كافة المحاولات السابقة في احتواء الأزمة. إلا أن المحصلة النهائية بعد مرور عامين على الاتفاق تشير إلى أن الطريق نحو السلام في اليمن لا يزال معقدًا.

أربعة ملامح

لا تزال الأمم المتحدة تعول بشكل كبير على مسار استكهولم من أجل الخروج من مأزق الحرب، وذلك وفقًا لما جاء في بيان رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة في الذكرى الثانية لاتفاق استكهولم. وفي هذا الإطار يمكن تحديد أبرز الملامح والتحولات التي طرأت على الساحة اليمينة منذ توقيع اتفاق استكهولم 13 ديسمبر 2018، ومحاولة تقييم الوضع الراهن في ظل عدد من المتغيرات التي أفرزها الصراع الدائر وذلك فيما يلي:

أولًا- تفاهمات مُعطلة: نجحت الجهود الدولية في إقناع الحكومة الشرعية والحوثيين خلال مفاوضات استكهولم بالاتفاق على ثلاثة ملفات شائكة تتعلق بالوضع في الحديدة وتعز، علاوة على ملف تبادل الأسرى بين الجانبين، ورغم مرور عامين إلا أن ما تم إنجازه حتى الآن لم يكن على قدر المتوقع في مجمل الملفات، وذلك لعدد من الأسباب من بينها أن الجهود الأممية حاولت تحقيق نصر دبلوماسي واهتمت بالترويج الإعلامي على حساب فرض إرادة حقيقية وجادة على مختلف الأطراف للالتزام ببنود الاتفاق، إذ لم يتحقق من الاتفاق حتى الآن سوى تشكيل لجان إعادة الانتشار والمراقبة، ما يعني أن النجاحات التي تحققت لم تخرج عن إطارها الشكلي وافتقدت للتطبيق على أرض الواقع. ناهيك عن أن بنود الاتفاق وتفسيراته ظلت حتى الآن غامضة خاصة فيما يتعلق بإعادة الانتشار.

فعلى سبيل المثال، مهد الاتفاق إلى وقف إطلاق النار في الحديدة بهدف الحفاظ على المدنيين، كما دعا إلى وقف التحشيد العسكري وانسحاب القوات من موانئ الحديدة الثلاثة، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن. وعلى الرغم من الهدوء النسبي في الحديدة لفترات إلا أن عودة الاشتباكات مرة أخرى والتي تصاعدت وتيرتها في أكتوبر الماضي بشكل غير مسبوق تؤكد على المأزق الذي يمر به الاتفاق، حيث تشير التقديرات إلى أن الحديدة تشكل ربع إجمالي الوفيات والإصابات في اليمن، كما وصل عدد الضحايا في المحافظة نفسها لنحو 1249 بين قتيل وجريح منذ توقيع الاتفاق.

ورغم تعثر البنود الأساسية في الاتفاق، إلا أن ملف تبادل الأسرى شهد تقدمًا ملحوظًا خلال الفترات الماضية، حيث تعمل الجهود الأممية على إنجاز هذا الملف كمدخل يمكن من خلاله بناء الثقة بين الطرفين وتقريب وجهات النظر في باقي الملفات، وقد حدثت انفراجة كبيرة في هذا الصدد خلال شهر أكتوبر 2020، ففي أكبر صفقة لتبادل الأسرى بين الطرفين منذ 2014 تم الاتفاق بين الجانبين على إطلاق سراح أكثر من ألف شخص، ومع ذلك يظل الارتكاز إلى هذا المدخل في تسوية الأزمة غير كافٍ، إذ إن عملية تبادل الأسرى تمت في مرات سابقة بين الطرفين، سواء بوساطة دولية أو محلية أو حتى بدون وساطات.

ثانيًا- الجنوب بين التوافق والتباين: شهد عام 2020 المراوحة بين التصعيد والتهدئة في الجنوب اليمني، حيث اتخذت العلاقة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والحكومة اليمنية أشكالًا مختلفة من التوافق تارة والتباين تارة أخرى. فعلى الرغم من توقيع اتفاق الرياض في نوفمبر 2019 بهدف تسكين الصراع الدائر في الجنوب، وتوحيد الجبهة المعارضة للحوثيين؛ إلا أن الاتفاق رغم أهميته لم ينجح في تهدئة الأوضاع بشكل تام، وذلك بسبب الخلافات حول تنفيذ الشق العسكري والأمني بالاتفاق، علاوة على الاتهامات المتبادلة وغياب الثقة بين الطرفين، ما أدى إلى انقلاب المجلس الانتقالي على الاتفاق في أبريل 2020، وإعلان الإدارة الذاتية لمحافظات الجنوب، ومن ثم العودة للتصعيد العسكري ومحاولة فرض أمر واقع بالقوة العسكرية.

ولتفادي استمرار عسكرة الجنوب تم وضع آلية لتسريع اتفاق الرياض والعودة للتفاهمات السابقة وذلك في يوليو 2020، وكان من المفترض أن يتم تشكيل الحكومة بنهاية شهر أغسطس، إلا أن ذلك لم يحدث بعد وذلك بسبب الخلاف حول الأولويات، حيث يُصر المجلس الانتقالي على تشكيل الحكومة أولًا، ثم بعد ذلك تنفيذ الشق العسكري والأمني من الاتفاق في حين تعارض الحكومة هذا النهج. وقد شهدت الأشهر الماضية محاولات عديدة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين انتهت إلى حدوث انفراجة بشأن التفاهمات المتعلقة بالشق الأمني والعسكري كمقدمة لتشكيل حكومة جديدة.

رغم ذلك يظل استمرار الهدوء والاستقرار في الجنوب مُحاطًا بعدد من التحديات من بينها غياب الضمانات المرتبطة بالتزام المجلس الانتقالي الجنوبي بالترتيبات المستقبلية، كما أن فرص تخلي عناصر المجلس الانتقالي عن السلاح قد تكون مستبعدة، إذ يُنظر لاتفاق الرياض باعتباره مرحلة نحو الغاية الكبرى المتمثلة في انفصال الجنوب، كما أن تجانس الحكومة ومدى قدرتها على تحقيق تطلعات الجنوب تظل في وضع اختبار.

ثالثًا- طهران وحيازة صناعة القرار: تعتبر إيران الداعم الإقليمي الأول للحوثيين، وقد ساهم هذا الدعم في تطوير وتعزيز القدرات العسكرية والتسليحية للحوثيين، علاوة على تقديم الدعم اللوجيستي للجماعة مما ساهم في تمددهم وسيطرتهم على مساحات كبيرة في اليمن، بحيث أصبح الحوثي وكيل طهران المفضل وأحد أذرعها الفاعلة في تهديد الخصوم وتحقيق هدفها في التمدد الإقليمي وامتلاك أوراق للمساومة في عدد من الملفات والقضايا الأخرى، وقد جاء “حسن إيرلو” كسفير فوق العادة ووصوله للعاصمة اليمنية “صنعاء” في أكتوبر 2020 ليؤكد على توجه إيران نحو الانتقال للدعم العلني للحوثيين، والانخراط المباشر في الأزمة، وسعي طهران للسيطرة التامة على صناعة القرار في صنعاء، وقد جاءت تسمية “إيرلو” في وقت تصاعد فيه الحديث عن نشوب صراع أقطاب داخل جماعة الحوثي مع بروز تيار يحاول البحث عن مساحة من الاستقلال عن طهران، مما يعني أن طهران استهدفت من هذا القرار استعادة زمام الأمور والسيطرة على الموقف، كما أن الخلفية العسكرية لـ”إيرلو” وارتباطه بالحرس الثوري الإيراني تدل على رغبة طهران في تفعيل وتغليب الأداة العسكرية على الحلول الدبلوماسية والسياسية مما قد يؤدي إلى تعقيد المشهد.

رابعًا- ارتفاع التكلفة الاقتصادية والبشرية: انعكس تجدد دورات الصراع في اليمن على الأوضاع الاقتصادية والبشرية، فوفقًا لتقديرات البنك الدولي -التقييم المستمر لاحتياجات اليمن- في ديسمبر 2020، فإن إعادة الإعمار وإزالة آثار الحرب في اليمن قد تحتاج لنحو 25 مليار دولار في نحو 16 مدينة يمنية، مما يعني أن التكلفة الإجمالية لإعمار باقي المدن قد تتجاوز هذه التقديرات بكثير، علاوة على ذلك فقد تجاوزت خسائر الناتج المحلي في اليمن منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء 90 مليار دولار وفقًا لمندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة. من ناحية أخرى، تفاقمت تداعيات الصراع على المستوى البشري، بحيث تسبب الصراع في مقتل نحو 233 ألف شخص من بينهم 131 ألفًا بسبب نقص الغذاء والخدمات الصحية وغيرها، ومن المتوقع أن تزداد الأوضاع سوءًا في ظل نقص التمويل المقدم للاستجابة للحالات الإنسانية، إذ تشير اليونيسف لحاجتها لنحو 576.9 مليون دولار للتعاطي الفاعل مع الوضع الإنساني في اليمن خلال 2021، ومقارنة بالاحتياجات المقدرة لعام 2020 فقد يصعب توفير التمويل اللازم، إذ يتطلب تقديم المساعدات الإنسانية خلال عام 2020 نحو 535 مليون دولار، وتلقت اليونيسكو منها نحو 237 مليون دولار، مما يعني وجود فجوة تمويلية تقترب من 300 مليون دولار. 

متغيرات مؤثرة

في ضوء الملامح السابقة، يبدو أن هناك صعوبة في توقع مسار الأحداث في المشهد اليمني خلال الفترات القادمة، ومع ذلك فثمة متغيرات يمكن أن تطرأ على الصراع قد تؤثر بشكل كبير في مجمل التفاعلات القائمة، الأمر الذي يمكن تحديده فيما يلي:

أولًا- موقف الإدارة الأمريكية الجديدة: لا شك أن مسار الأزمة اليمنية قد يتوقف بشكل ما على حدود الدور الأمريكي المحتمل، خاصة وأن “بايدن” أثناء حملته الانتخابية تعهد بإعادة تقييم دعم بلاده للحرب في اليمن، ورغم ذلك لا يمكن أن نتوقع انخراطًا مكثفًا للإدارة الأمريكية الجديدة نظرًا لأن قضايا الداخل ستصبح الأولوية الكبرى لدى الإدارة الجديدة على حساب تفاعلات الخارج على الأقل في العام الأول من الحكم. وعليه فلا يتوقع أن تندفع الإدارة الجديدة نحو إحداث تغييرات جذرية عما كانت عليه إدارة “ترامب” فيما يتعلق باليمن، إذ قد تعمل على الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية المرتبطة بالحد من التهديدات الإرهابية، وضمان حرية الملاحة وحركة التجارة والنفط دون الانخراط المباشر في الأزمة، كما قد تعمل على دفع جهود المبعوث الأممي في اليمن نحو تسوية شاملة تبدأ بالتوسط بين الطرفين لتفعيل وقف إطلاق النار، فضلًا عن محاولة حشد المجتمع الدولي للاستجابة للأوضاع الإنسانية في اليمن، مع محاولة استغلال التقارب الإيراني الأمريكي المحتمل في الضغط على جماعة الحوثي للقبول بالتهدئة ومن ثم الشروع في مفاوضات جادة بين الطرفين، كما قد تعمل على فرض قيود على تسليح الأطراف الرئيسية للصراع. 

ثانيًا- الموقف من الحوثيين: تداول عدد من التقارير مؤخرًا ما يشير إلى استعداد الإدارة الأمريكية لتصنيف جماعة الحوثي كمنظمة إرهابية، في ظل مساعي “ترامب” لمواصلة الضغوط القصوى على إيران وحلفائها قبل مغادرة البيت الأبيض، ويمكن لهذا المتغير حال حدوثه أن ينعكس بشكل كبير على مُجمل التفاعلات في الساحة اليمنية. إذ تشير التقديرات إلى أن تصنيف الحوثيين كجماعة إرهابية يمثل ورقة ضغط كبيرة على الجماعة، وقد ينتزع منها أية شرعية سياسية واعتراف مستقبلي. من ناحية أخرى، ترى أغلب التحليلات أن هذا التصنيف سوف يزيد من تعقيد المشهد، إذ قد يتجه الحوثيون بدوافع ثأرية إلى توسيع نشاطهم العسكري في الداخل أو تجاه أهداف حيوية لدول الخليج، ومن ثم إطالة أمد الحرب وعرقلة جهود التسوية، علاوة على ذلك يمكن أن ينعكس هذا التصنيف على الأوضاع الإنسانية، إذ قد تمتنع المنظمات الإنسانية عن تقديم المساعدات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين خوفًا من الوقوع تحت طائلة العقوبات، وعليه قد يساهم هذا الإجراء في رفع التكلفة الإنسانية وإلحاق مزيد من الضرر بالمدنيين.

ثالثًا- الموقف من اتفاق استكهولم: يبدو أن كافة المحاولات الرامية لتطبيق بنود اتفاق استكهولم لن تؤتي ثمارها وذلك على غرار باقي المحاولات السابقة كما حدث في مفاوضات جنيف 2015 أو الكويت 2016، وعليه تصاعد في الآونة الأخيرة عدد من الأصوات المطالبة بالانسحاب من الاتفاق وتعطيله، حيث أعربت الحكومة الشرعية على لسان وزير خارجيتها “محمد الحضرمي” صعوبة الالتزام بتعهداتها في اتفاق الحديدة في ظل تعنت الحوثيين. من ناحية أخرى، طالب نحو 28 نائبًا في البرلمان اليمني في سبتمبر 2020 بإلغاء الاتفاق. وينظر أصحاب هذا الاتجاه إلى أن الحوثي استغل الاتفاق والتزام الحكومة الشرعية بوقف إطلاق النار في تحقيق مكاسب ميدانية ومحاولة التمدد في ساحات وجبهات إضافية كما يحدث في مأرب والجوف. وعليه يرى هؤلاء أن الاستمرار في الاتفاق يعني مزيدًا من الخسائر في مقابل تعزيز الحوثي لقواعده وانتشاره في عدد من المحافظات، ومن ثم فلا جدوى من الالتزام بعملية سلام هشة تصب في مصلحة الحوثيين.

في الأخير، يبدو أن مؤشرات التصعيد قد تفوق عوامل التهدئة خلال العام القادم، وأن عملية تسوية الصراع بصورة شاملة قد تكون صعبة المنال، كما أن عملية إدارة الصراع وتسكينه أقصى ما يمكن أن يعول عليه في ظل عدد من التباينات والتناقضات في مواقف الأطراف الرئيسية في الصراع، سواء على مستوى الصراع الأوسع بين الحكومة الشرعية والحوثيين، أو في حدوده الضيقة بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي.

محمود قاسم
باحث بوحدة الإرهاب والصراعات المسلحة