وحدة الدراسات الاقتصادية

“مؤشر إيجابي”: تحسن الميزان التجاري المصري رغم جائحة كورونا

تعد التجارة الخارجية في مصر أحد أهم القطاعات التي تعكس قدرة الدولة الإنتاجية والتنافسية في الأسواق العالمية. وبمتابعة وتحليل بيانات التجارة الخارجية في مصر خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2020 يتبين انخفاض العجز التجاري بنسبة 22.1%. مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2019. وذلك وفقًا للنشرة الشهرية لبيانات التجارة الخارجية عن شهر أغسطس 2020 والفترة من (يناير – أغسطس) 2020، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. تحليل وضع الميزان التجاري بمقارنة بيانات التجارة الخارجية في مصر خلال شهر أغسطس 2020 بالشهر نفسه من العام السابق يتبين انخفاض قيمة الصادرات بنسبة 9.4%؛ إذ بلغت القيمة الإجمالية للصادرات في أغسطس 2020…

أسماء رفعت

تعد التجارة الخارجية في مصر أحد أهم القطاعات التي تعكس قدرة الدولة الإنتاجية والتنافسية في الأسواق العالمية. وبمتابعة وتحليل بيانات التجارة الخارجية في مصر خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2020 يتبين انخفاض العجز التجاري بنسبة 22.1%. مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2019. وذلك وفقًا للنشرة الشهرية لبيانات التجارة الخارجية عن شهر أغسطس 2020 والفترة من (يناير – أغسطس) 2020، الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

تحليل وضع الميزان التجاري

بمقارنة بيانات التجارة الخارجية في مصر خلال شهر أغسطس 2020 بالشهر نفسه من العام السابق يتبين انخفاض قيمة الصادرات بنسبة 9.4%؛ إذ بلغت القيمة الإجمالية للصادرات في أغسطس 2020 نحو 1.91 مليار دولار مقابل 2.11 مليار دولار في أغسطس 2019. وجاء ذلك نتيجة انخفاض قيمة الصادرات من المنتجات البترولية بنسبة 32%، والبترول الخام بنسبة 46.5%، والملابس الجاهزة بنسبة 31%، وكذلك انخفاض قيمة الصادرات من الصابون ومستحضرات التنظيف ومنتجات الألبان والبلاط والأدوات الخزفية.

أما السلع التي ارتفعت صادراتها فمن أبرزها: الأدوية ومستحضرات الصيدلة بنسبة 42.8%، والعجائن والمستحضرات الغذائية بنسبة 32.6%، والأسمدة بنسبة 13.9%، بالإضافة إلى اللدائن بأشكالها الأولية، وسجاد كليم، والفواكه، والخضروات المجمدة. وبالنسبة للواردات فقد انخفضت هي الأخرى بنسبة 16.6%، إذ بلغت القيمة الإجمالية للواردات في أغسطس 2020 نحو 4.93 مليارات دولار مقابل 5.91 مليارات دولار في أغسطس 2019. وقد تمثّلت أهم المجموعات السلعية التي انخفضت وارداتها في كل من منتجات البترول بنسبة 49.4%، والمواد الأولية من الحديد والصلب بنسبة 44.7%، كما انخفضت واردات كل من القمح واللحوم، والمواد الكيماوية وغير العضوية، واللدائن بأشكالها الأولية، والذرة وفول الصويا، والخشب ومصنوعاته.

ومن جهة أخرى ارتفعت واردات عدد من السلع من أهمها: البترول الخام بنسبة 67.8%، وسيارات الركوب بنسبة 36.5%، والأدوية ومحضرات الصيدلة بنسبة 34.9%، والزيوت المكررة بنسبة 132.8%، والألبان ومنتجاتها 57.7%، وعلى مستوى الميزان التجاري فقد انخفض العجز التجاري في أغسطس 2020 بمقدار 780 مليون دولار مقارنة بشهر أغسطس 2019 ليتحسن الميزان التجاري بنسبة 20.5%. 

وعلى مستوى الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري فقد انخفضت قيمة الصادرات، إذ بلغت 17.9 مليار دولار مقابل 20.3 مليار دولار خلال الفترة ذاتها من العام السابق، وانخفضت قيمة الواردات من 53.2 مليار دولار خلال الفترة (يناير – أغسطس 2019) إلى 43.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها عام 2020، لينخفض العجز التجاري بنسبة 22.1% نتيجة انخفاض قيمة الواردات بدرجة أكبر من انخفاض الصادرات. ومن جهةٍ أخرى، فإنه بمقارنة قيمة الصادرات المتحققة بالقيمة المستهدفة، والتي تبلغ 100 مليار دولار سنويًّا وفقًا للسياسة التجارية الحالية، يتبين اتساع الفجوة بين القيمة المتحققة والمستهدفة مما يتطلب ضرورة العمل على تحفيز الصادرات، وبصفة خاصة في القطاعات التي تمتلك مصر فيها ميزة تنافسية.

هيكل التجارة الخارجية وفقًا لدرجة التصنيع

بمقارنة هيكل الصادرات خلال الفترة (يناير – أغسطس) 2020 بالفترة المناظرة لها عام 2019، يلاحظ تراجع الصادرات من السلع تامة الصنع مقابل ارتفاع الصادرات من المواد الخام والسلع نصف المصنعة، الأمر الذي يُشير إلى ضرورة مراجعة التصنيف النوعي لهيكل الصادرات، ورفع القيمة المضافة للسلع المصدرة بما يزيد من فرص التشغيل والتصنيع بالاقتصاد المحلي وزيادة النقد الأجنبي المتولد من عملية التصدير. 

أما بالنسبة لهيكل الواردات فقد لوحظ تراجع الواردات السلعية من المجموعات السلعية المختلفة، وان كان التراجع في السلع الوسيطة والوقود جاء بنسبة أكبر من التراجع في السلع النهائية، بما يشير إلى استمرار ارتفاع القيمة المضافة للواردات، على الرغم من تراجع قيمتها، بما يحد من فرص تعزيز الصناعة المحلية، ويزيد من درجة المنافسة بين المنتجات المحلية والأجنبية.

ويلاحظ انخفاض الصادرات والواردات المصرية من الوقود والمواد البترولية، ويرجع ذلك إلى انخفاض الطلب على البترول مع تراجع عمليات التصنيع عالميًّا، بما أدى إلى تراجع أسعار النفط، الأمر الذي أثّر -بدوره- على تجارة المواد البترولية عالميًّا ومحليًّا.

أثر أزمة كورونا على التجارة الخارجية

على الرغم من التحسن في وضع الميزان التجاري المصري؛ إلا أنه يلاحظ بُطء ذلك التحسن منذ مطلع العام الجاري. ويمكن إرجاع ذلك إلى تأثير جائحة كورونا على الاقتصادات المختلفة؛ إذ أدت إجراءات الحظر والإغلاق في مختلف دول العالم إلى التأثير سلبيًّا على الأداء الاقتصادي بشكل عام، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي، وإعاقة حركة الطيران الدولي ونقل البضائع، مما انعكس -بدوره- على التجارة الخارجية الدولية بصفة عامة. الأمر الذي أثّر على مؤشرات حركة التجارة العالمية، وكانت منظمة التجارة العالمية قد قدرت نسبة انخفاض حركة التجارة الدولية خلال عام 2020 بنسبة تتراوح بين 13-23%، ثم حسنت من توقعاتها في أكتوبر الماضي لتبلغ نسبة التراجع 9.2%، وقد ارتفع مقياس المنظمة الخاص بتجارة السلع إلى 100.7 نقطة خلال الربع الثالث من عام 2020 مقارنة بمستوى 84.5 نقطة في أغسطس الماضي، نتيجة زيادة طلبيات التصدير إثر رفع إجراءات الحظر، إلا أنه من المتوقع انخفاضه مرة أخرى بنهاية العام وفقًا لتطور فيروس كورونا وتعامل الدول تجاهه. وقد أشارت المنظمة إلى تراجع حركة التجارة الدولية عام 2021 بدرجة أكبر من تراجعها خلال العام الحالي.

ومن جهةٍ أخرى، فقد أدت إعاقة حركة التجارة الدولية إلى توجيه المنتجات المخصصة للتصدير إلى الأسواق المحلية لتحل محل الواردات التي تعذر دخولها حدود الدول، بما يصبّ في مصلحة الاقتصاديات الصاعدة، وتمنحها فرصة لتعزيز قطاعاتها الإنتاجية وتلبية احتياجات أسواقها محليًّا، بما ينعكس على انخفاض العجز التجاري وتوفير النقد الأجنبي.

وعلى صعيد آخر، فقد أبرزت جائحة كورونا توجه العديد من الدولة، خاصة الدول المتقدمة، إلى مزيدٍ من السياسات الحمائية التي لها العديد من الآثار السلبية على الدول النامية، فضلًا عن مخالفة ذلك لمبدأ حرية التجارة والقوانين المنظمة لمنظمة التجارة العالمية، الأمر الذي يشير إلى أهمية تنويع الشركاء التجاريين، وتعزيز العلاقات التجارية الإقليمية بين مصر ودول الجوار.

العلاقات التجارية بين مصر ودول العالم

استحوذت خمس دول على النصيب الأكبر من الصادرات المصرية خلال الأشهر الثمانية الأولى لعامي 2019 و2020، وهي: الإمارات العربية، والسعودية، وتركيا، والهند، والولايات المتحدة الأمريكية، لتبلغ نسبة الصادرات المصرية للدول الخمس مجتمعة نحو 30.3% (يناير – أغسطس 2019)، و32.6% (يناير – أغسطس 2020). أما بالنسبة للواردات فقد احتلت الصين النصيب الأكبر تلتها ألمانيا، ثم الولايات المتحدة الأمريكية، ثم البرازيل، ثم إيطاليا. وقد بلغت الأهمية النسبية لتلك الدول مجتمعة 37.6% خلال (يناير – أغسطس 2019)، مقابل 36.8% (يناير – أغسطس 2020).

ويلاحظ ثبات أهم الشركاء التجاريين لمصر خلال عامي المقارنة، فضلًا عن وجود ثبات نسبي للشركاء التجاريين على امتداد عدة سنوات. وهنا تجدر الإشارة إلى ضرورة مراجعة وتقييم اتفاقيات التجارة الخارجية المصرية لتحقيق الاستفادة القصوى من المزايا التي تتيحها تلك الاتفاقيات لمصر من التجارة البينية في السلع والخدمات ورأس المال والمعرفة، وانعكاس ذلك على تطور القطاعات الإنتاجية والصناعية في مصر. فعلى سبيل المثال، تتيح الاتفاقية التجارية بين مصر وتجمع الميركسور فرصًا تصديرية كبيرة أمام المنتجات المصرية للنفاذ لأسواق دول التجمع، وبصفة خاصة السوق البرازيلي، وتعزيز فرص تصدير عدد من السلع منها: السلع الزراعية المصنعة، والمنتجات الكيميائية، والمواد المعدنية، ومواد البناء والمنتجات الدوائية والمنسوجات والمنتجات الجلدية.

وعلى مستوى الدول الإفريقية، يلاحظ انخفاض نسبي في حجم التجارة الخارجية معها، على الرغم من كونها أحد أهم مستهدفات خطة الوزارة لمضاعفة الصادرات، فضلًا عن اتساع السوق الإفريقية، إذ تمثل طاقة استيعابية هائلة بحكم اتساع مساحة القارة، وارتفاع عدد سكانها، بما يساعد في زيادة حجم التبادل التجاري داخل القارة. إلا أن الصادرات المصرية للسوق الإفريقية بلغت نحو 2.9 مليار دولار خلال الفترة (يناير – أغسطس) 2019، مقابل 2.5 مليار دولار خلال الفترة ذاتها عام 2020. أما بالنسبة للواردات الإفريقية إلى مصر فقد بلغت 1.4 مليار دولار خلال الفترة (يناير – أغسطس) 2019، مقابل 933 مليونًا خلال الفترة ذاتها عام 2020.

ويمكن إرجاع ذلك إلى تأثر الاقتصاديات الإفريقية بدرجة كبيرة بإجراءات الإغلاق والحظر إثر جائحة كورونا، مما أدى إلى انخفاض مستوى الناتج المحلي من جهة، والدخل المحلي من جهة أخرى لينتج عن ذلك تراجع حجم الصادرات والواردات الإفريقية بصفة عامة.

وختامًا، فإنه تجدر الإشارة إلى أن استمرار تراجع معدل العجز التجاري المصري يعتبر مؤشرًا جيدًا، إلا أن الأمر يتطلب توجيه مزيد من الدعم إلى القطاعات الإنتاجية الحيوية، ورفع القيمة المضافة للصادرات المصرية، والعكس بالنسبة للواردات، وتنويع الشركاء التجاريين، ودعم مزيد من العلاقات التجارية مع الدول الإفريقية، والاستفادة من جائحة كورونا في توجيه عمليات التصنيع إلى السلع الأساسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي منها على المدى المتوسط، الأمر الذي ينعكس ليس فقط على مؤشرات التجارة الخارجية وإنما على المؤشرات الاقتصادية الكلية. 

أسماء رفعت