تنمية ومجتمع

أزمة المياه في مصر.. نتائج ملموسة وتحديات قائمة

تواجه مصر تراجعًا مضطردًا في نصيب الفرد من المواد المائية المتاحة بسبب الزيادة السكانية خلال العقود الماضية، لكن مع ذلك فقد عملت الحكومة على مواجهة ذلك عبر تطوير البنية التحتية لمحطات مياه الشرب والصرف الصحي وتطوير الترع لتقليل الهدر من الموارد المائية. فإلى أي حد أثمرت هذه الجهود في مواجهة المشكلة؟ طبيعة المشكلة تعتمد مصر على كمية ثابتة من المياه كل عام تقدر بـ 80 مليار متر مكعب، في مقابل ذلك ترتفعأعداد المواطنين بما معدله 2 مليون نسمة سنويًّا، وهو ما كان سببًا في تقليص نصيب الفرد من موارد المياه إلى أقل من 800 متر مربع لكل نسمة في عام…

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة

تواجه مصر تراجعًا مضطردًا في نصيب الفرد من المواد المائية المتاحة بسبب الزيادة السكانية خلال العقود الماضية، لكن مع ذلك فقد عملت الحكومة على مواجهة ذلك عبر تطوير البنية التحتية لمحطات مياه الشرب والصرف الصحي وتطوير الترع لتقليل الهدر من الموارد المائية. فإلى أي حد أثمرت هذه الجهود في مواجهة المشكلة؟

طبيعة المشكلة

تعتمد مصر على كمية ثابتة من المياه كل عام تقدر بـ 80 مليار متر مكعب، في مقابل ذلك ترتفعأعداد المواطنين بما معدله 2 مليون نسمة سنويًّا، وهو ما كان سببًا في تقليص نصيب الفرد من موارد المياه إلى أقل من 800 متر مربع لكل نسمة في عام 2020. وتشير التوقعات إلى أن ذلك التقلص سوف يستمر على مدار الأعوام القادمة مع استمرار تنامي السكان، حيث من المتوقع أن يهبط نصيب الفرد إلى ما دون 600 متر مربع في عام 2030 وذلك مع وصول عدد السكان إلى 135 مليونًا.

تحرك شامل

قامت الدولة المصرية منذ عام 2014 باتّباع توجه عام لترشيد استهلاك الموارد المائية المتاحة، لذا دشنت مجموعة من المشروعات المتعلقة بالبنية التحتية المائية، مثل: تشييد وتطوير القناطر على مجرى نهر النيل، وتأهيل وتبطين الترع الخاصة بالري، بالإضافة إلى تجديد المصارف الزراعية. وإلى جانب ذلك، قامت الدولة بتدشين برنامج لتطوير منظومة مياه الشرب والصرف الصحي، حيث تستهلك تلك المنظومة أكثر من 15% من جملة الموارد المائية المتوفرة لمصر سنويًّا.

نجحت الدولة خلال الفترة ما بين 2014 و2019 في تنفيذ 335 مشروعًا لتشييد وتطوير محطات مياه الشرب والصرف الصحي، بالإضافة إلى تشييد وتطوير مآخذ المياه والروافع المرتبطة بها. وقد توزعت تلك المشروعات على كافة محافظات الجمهورية البالغ عددها 27 محافظة، حيث ساهمت في تسهيل وصول خدمات المياه والصرف إلى 39 مليون مواطن مصري، وقد أدت النتيجة الإجمالية لتلك المشروعات إلى زيادة مرافق منظومة المياه والصرف بأكثر من 10%، مما ساهم في زيادة القدرة الإنتاجية للمنظومة بأكثر من 27%.

(*) لوحظ خلال الفترة ما بين 2014 و2019أن اهتمام الدولة بملف تشييد مشروعات مياه الشرب والصرف الصحي كان منصبًّا على المحافظات والمناطق الأكثر احتياجًا التي عانت سابقًا من الضعف في مرافقهاوبنيتها التحتية خاصة في محافظات الشرقية والبحيرة والإسماعيلية، حيث استحوذت تلك المحافظات على 34% من جملة مشروعات المياه والصرف، لتخدم بذلك أكثر من 11 مليون نسمة.

انخفض العدد الإجمالي لمحطات الصرف المعالج للمياه بين العامين 2015 و2016 نتيجة خروج بعض المحطات من الخدمة بهدف الصيانة والتطوير، كما تكرر الانخفاض بين العامين 2018 و2019 للسبب نفسه.

نتائج ملموسة

أدت المشروعات التي شيّدتها الدولة بهدف دعم مرافق مياه الشرب إلى زيادة كميات المياه النقية المنتجة بنسبة 20%، حيث وصل متوسط نصيب الفرد من مياه الشرب النقية إلى 113 مترًا مكعبًا في عام 2019، وذلك بعد أن كان نصيب الفرد لا يتجاوز 101 متر مكعب في مطلع عام 2014، وتأتي تلك الزيادة في نصيب الفرد من المياه النقية على الرغم من ارتفاع التعداد العام للسكان خلال الفترة 2014-2019 بأكثر من 14 مليون نسمة.

ساهمت عمليات الصيانة والتجديد التي تم إجراؤها على خطوط المياه الرئيسية في تقليص نسب الفاقد من المياه المنتجة بواقع 22 مليون متر مكعب سنويًّا، وهو ما ساعد في توفير كميات من المياه تكفي لسد حاجة 100،000 مواطن، كما وفر على خزانة الدولة خسائر مالية مقدرة بأربعة ملايين جنيه سنويًّا. ويقصد بفاقد المياه النقية ذلك النقص الذي يُسجل في كمية المياه خلال عملية تنقية المياه وتوصيلها من المحطة إلى المستهلك الرسمي، وهذا الفاقد يكون بدون عائد مالي، ويحدث نتيجة لأسباب متعددة أبرزها التسريب في خطوط نقل المياه.

مرافق الصرف كان لها نصيب هي الأخرى من التطوير، فلقد مكّنت مشروعات التشييد والتطوير التي تم تنفيذها بمحطات الصرف من زيادة كميات مياه الصرف المعالجة بنسبة 26%، لتصل في عام 2019 إلى 51 مليار متر مكعب، مما ساعد على تخفيض نسب التلوث الناتجة عن تلك المياه الملوثة بأكثر من 74%، كما أتاحت تلك الكميات الهائلة من المياه المعالجة الفرصة أمام المستثمرين لزراعة الأرض الصحراوية، وذلك لكفاية تلك الكميات لزراعة ما يزيد على 15 مليون فدان سنويًّا.

تحديات قائمة

على الرغم من الإنجازات المتعددة التي تم تنفيذها بمنظومة مياه الشرب والصرف الصحي؛ إلا أن هناك العديد من الملفات التي لاتزال تحتاج إلى المزيد من الاهتمام من قبل الدولة، وهي:

– تطوير شبكات أنابيب مياه الشرب والصرف، والتي تمتد على 208،000 كم طولي، حيث تعاني أقسام كبيرة من الشبكة من التقادم والتهالك، وهو ما يؤدي إلى إهدار الملايين من الأمتار المكعبة المائية بسبب التسريب الأرضي، فضلًا عن الإضرار بصحة المستهلكين بسبب اختلاط مياه الشرب النقية بمياه الصرف الصحي غير المعالج. كما تؤدي الحالة الفنية لتلك الشبكات إلى تكرار حوادث الانسداد والكسر والانفجار التي تشهدها أنابيب الشبكة.

– سرعة تعميم العدادات الإلكترونية على مشتركي شبكات المياه، حيث تساهم تلك العدادات المتطورة في تجنب مشكلات العدادات الميكانيكية القديمة التي كانت دائمًا ما تتآكل من الداخل، وهو ما يؤدي إلى وجود أخطاء في قراءة الاستهلاك الفعلي للمشتركين، متسببة-في النهاية-في وقوع خسائر على الشركة الموردة للمياه، أو على المواطن صاحب العداد. كما تساعد العدادات الإلكترونية في ضبط الاستهلاك، حيث يقوم المشترك بدفع قيمة ما يحتاجه من المياه بشكل مسبق، وهو ما يساعد في منع عمليات التهرب من تسديد الفواتير.

– تكثيف الدعاية الإعلامية حول أهمية ترشيد المياه، حيث تؤكد جميع التوقعات العلمية أن أزمة المياه في مصر سوف تستمر لسنوات وربما لعقود قادمة، لذا يجب على الدولة أن تقوم بتوعية المواطنين بحجم المشكلة التي تواجهها البلاد، وتوعيتهم بأهمية استخدام الوسائل والطرق المتاحة لترشيد استهلاك المياه.

– زيادة إشراك القطاع الخاص في المشروعات المتعلقة بإدارة منظومة المياه والصرف، حيث قامت الدولة خلال السنوات الماضية بتنفيذ تجارب ناجحة لتنفيذ محطات المياه والصرف بالشراكة مع القطاع الخاص، لكن التجربة تحتاج للتوسع في عمليات إمداد وتطوير شبكات المياه داخل الدولة، بالإضافة إلى تقديم خدمات الإدارة والدعم الفني، وهو ما سيساعد في تحسين جودة الخدمة المقدمة للمستهلك، وسيضمن الحقوق المالية للدولة.

ــــــــــــ

نقلا عن “تقديرات مصرية”، العدد (١٥)، ١ ديسمبر ٢٠٢٠.

مصطفى عبداللاه
باحث ببرنامج السياسات العامة