قطارات وميكروباصات…صحف ومواقع إلكترونية

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

هناك نهضة شاملة في قطاع السكة الحديد. قاطرات وعربات جديدة تدخل الخدمة، ونظم إشارات ومحطات يجري تطويرها. السكة الحديد هي أكثر وسائل النقل أمانا، وأقلها تكلفة. غير أن هذا ليس هو سبب سعادتي باستعادة شباب سكك حديد مصر. فالقطار هو رمز الحداثة والعصر الصناعي، وكان دخوله إلى مصر من علامات تحديثها، كما كان تدهوره علامة على انتكاسة الحداثة فيها.  تختلف السكة الحديد عن كل ما سبقها من وسائل النقل والمواصلات، فمع السكة الحديد تتحرك القاطرات والعربات على قضبان، وفقا لنظام دقيق، وإلا تصادمت القطارات، وسقط الضحايا، الأمر الذي لم يعرفه أي نظام سابق للنقل. القطارات تتحرك في مواعيد محددة بدقة…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

هناك نهضة شاملة في قطاع السكة الحديد. قاطرات وعربات جديدة تدخل الخدمة، ونظم إشارات ومحطات يجري تطويرها. السكة الحديد هي أكثر وسائل النقل أمانا، وأقلها تكلفة. غير أن هذا ليس هو سبب سعادتي باستعادة شباب سكك حديد مصر. فالقطار هو رمز الحداثة والعصر الصناعي، وكان دخوله إلى مصر من علامات تحديثها، كما كان تدهوره علامة على انتكاسة الحداثة فيها. 

تختلف السكة الحديد عن كل ما سبقها من وسائل النقل والمواصلات، فمع السكة الحديد تتحرك القاطرات والعربات على قضبان، وفقا لنظام دقيق، وإلا تصادمت القطارات، وسقط الضحايا، الأمر الذي لم يعرفه أي نظام سابق للنقل. القطارات تتحرك في مواعيد محددة بدقة شديدة، حتى أنهم يضربون بها المثل في دقة المواعيد. جدول المواعيد المعلن والملزم هو مفهوم ولد مع القطار، وعندها أصبح على الناس أن يضبطوا حياتهم على جدول مواعيد هذه الآلة فائقة القوة والسرعة. للقطار مواعيد يتحرك فيها، وهو لا ينتظر أحد، ولا يراعي خاطر فلان أو علان مهما علا شأنه وزادت سلطته. الانضباط والدقة والعمومية والحياد تجاه الجاه والمنصب والحسب والنسب، كلها من علامات الحداثة، المختلفة كلية عن قيم المجتمع التقليدي، الذي لا يعرف القواعد التي تنطبق على الكافة بغض النظر عن الدين والعائلة والقبيلة، وإنما تعاد فيه صياغة القواعد وفقا لمعايير شخصية وظرفية بحتة. 

تتحرك القطارات على قضبان يتم تثبيتها على الأرض مرة واحدة، ربما إلى الأبد. في مد قضبان السكة الحديد التزام طويل المدى، بأننا قررنا التزام هذا الطريق لسنوات طويلة قادمة، وهو التزام لا يأتي إلا بعد تفكير وتدبير وتخطيط ، فالتكلفة عالية، والتراجع عن القرار غير ممكن، إلا لو قررنا إهدار ما تم من استثمارات. التخطيط والاستثمار والالتزام كلها ممارسات وقيم جديدة لم تكن شائعة قبل حداثة العصر الصناعي.

السكة الحديد هي بداية عصر الاستثمار الكبير في البنية التحتية، فقبل السكة الحديد لم تكن هناك طرقا معبدة، ولم يكن هناك محطات لتوليد الطاقة، أو خطوط لنقلها، ولا حتى شبكات للمياه والصرف، إلا على نطاق محلي ضيق جدا، فكل هذا جاء تاليا للسكة الحديد. تحرك أول قطار على قضبان السكة الحديد عندنا في عام 1854؛ وبعد ذلك بحوالي عشر سنوات بدأ أول تشغيل لشبكات المياه النقية؛ فيما تم توليد الكهرباء لأول مرة في عام 1895؛ وتم تعبيد أول طريق مرصوف في عام 1913؛ ولم يبدأ إنشاء شبكة الصرف الصحي في القاهرة حتى عام 1906، ليبدأ تشغيلها في عام 1914. 

نقل القطار الناس من مكان إلى آخر، ونقل المجتمع المصري إلى الحداثة؛ وعندما أهملنا القطارات كان ذلك إعلانا بانتكاسة الحداثة، وإعلانا بعجزنا عن مواصلة التخطيط والنظام والانضباط اللازم لإدارة المجتمع الحديث. حدث ذلك عندما تركنا السكة الحديد تتدهور، وعندما قررنا نزع قضبان الترام وأسلاك التروللي، وسرقنا قضبان خطوط القطارات المهملة، وكأننا كنا نريد التخلص من التزامات وانضباط وقيود الحداثة. لم يكن هذا نزوعا للحرية، لكن انفلاتا للفوضى والأنانية والفردية وكراهية الالتزام بأي قواعد. 

إنه العصر الذي حل فيه الميكروباص بديلا للقطار، حاملا معه حزمة من القيم والأخلاق المناقضة للحداثة. ليس للميكروباص مواعيد، ولسائقه أن يبدأ العمل أو ينهيه في أي وقت؛ وليس له خط سير، إذا يمكنه أن يختار ما يشاء من الطرق؛ ليتحرك عليه بالسرعة التي يحبها. هل يستطيع القطار أن يعمل غرزة؟ لكن الميكروباص يستطيع، بل ويمكنه أيضا أن يجري فوق الرصيف وعكس الاتجاه. لا يحتاج الميكروباص إلى هيئة أو حكومة تنظم عمله، فهو ليس جزءا من شبكة تعتمد مكوناتها على بعضها البعض، ولكنه كيانا منفردا قائما بذاته، يجسد قيم الأنانية والفوضوية المفرطة التي ضربت مجتمعنا مع انتكاسة الحداثة.

أتطلع ليوم أركب فيه القطار حتى الإسكندرية، وربما الساحل الشمالي، فأجلس في عربة قطار نظيفة بلا إزعاج، وأقضي ساعتين أو ثلاثة في القطار وأنا أقرأ صحف محترمة عالية القيمة اشتريتها من كشك بيع الصحف الأنيق الموجود في المحطة. الصحيفة المطبوعة، مثلها مثل القطار، هي أيضا أحد الروافع التي حملت هذه الأمة إلى العصر الحديث، وفي تدهورها علامة إضافية على انتكاسة الحداثة. للصحيفة مسئولون عن التحرير، يختارون المادة المنشورة بعناية؛ وللمطابع مواعيد تدور فيها لتخرج لنا الصحيفة، التي تصبح بدءا من هذه اللحظة جزءا من التاريخ، لا يمكن تغييره أو إنكاره. 

تراجعت الصحافة المطبوعة، وحلت محلها المواقع الإلكترونية والسوشيال ميديا، التي تعمل بلا محررين مسئولين أو حراس للبوابات، ويمكنها نشر أي شيء في أي وقت، كما يمكنها إزالة ما نشرته، وإنكار أنها نشرته أصلا، دون أن تتحمل أي قدر من المسئولية القانونية أو الأخلاقية. من أهم منجزات النهضة المصرية، أن دار الكتب احتفظت بنسخة من كل جريدة أو مجلة طبعت في مصر، فصنعت لنا تاريخا، وحافظت عليه؛ فماذا عما يتم نشره على شبكة الإنترنت؟ هل يحتفظ أحد بما يتم نشره على الشبكة؟ أم تضيع ذاكرتنا فندخل في فوضى إضافية. الصحافة الإلكترونية بالطريقة التي تدار بها في بلادنا هي المعادل الموضوعي للميكروباص، كلاهما دليل على انتكاسة الحداثة في بلادنا. 

استعادة القطار والسكة الحديد هي جزء من عملية نهوض كبرى لمواصلة تحديث مصر الذي انقطع لعدة عقود، فهل يأتي الدور على الصحيفة، فتحظى بنصيبها من النهضة، وتعود أداة لتحديث العقل المصري، مثلما كانت السكة الحديد أداة لتحديث بنية مصر التحتية. 

نقلا عن جريدة الأهرام، ١٧ ديسمبر.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب