تنمية ومجتمع

التلقيح الشامل: بين اختيار لقاح كورونا الآمن والإجراءات العملية للتنفيذ

بعد أشهر من الترقب والانتظار، توالت البيانات الرسمية للشركات المطورة للقاحات فيروس كورونا المستجد، مُعلنةً فيها عن نجاح المراحل النهائية من التجارب السريرية، ونسب فاعلية تتراوح من 70% إلى 95% في الوقاية من الإصابة بالفيروس، وهي نسب مرتفعة جدًّا مقارنة مع لقاحات فيروسات الأنفلونزا العادية وفاعليتها التي تبلغ حوالي 58% فقط. بعد إعلان النتائج المُبشرة، بدأت تلك الشركات إجراءاتها في الحصول على تراخيص طارئة للاستخدام من الهيئات الرقابية على الأدوية، مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية “FDA”، والوكالة الأوروبية للأدوية في دول الاتحاد الأوروبي، فيما استطاع لقاح فايزر وبيونتك، في مدة قياسية، أن يحصل على ترخيص لاستخدامه بالمملكة المتحدة، عبر هيئة…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

بعد أشهر من الترقب والانتظار، توالت البيانات الرسمية للشركات المطورة للقاحات فيروس كورونا المستجد، مُعلنةً فيها عن نجاح المراحل النهائية من التجارب السريرية، ونسب فاعلية تتراوح من 70% إلى 95% في الوقاية من الإصابة بالفيروس، وهي نسب مرتفعة جدًّا مقارنة مع لقاحات فيروسات الأنفلونزا العادية وفاعليتها التي تبلغ حوالي 58% فقط. بعد إعلان النتائج المُبشرة، بدأت تلك الشركات إجراءاتها في الحصول على تراخيص طارئة للاستخدام من الهيئات الرقابية على الأدوية، مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية “FDA”، والوكالة الأوروبية للأدوية في دول الاتحاد الأوروبي، فيما استطاع لقاح فايزر وبيونتك، في مدة قياسية، أن يحصل على ترخيص لاستخدامه بالمملكة المتحدة، عبر هيئة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية البريطانية. ونظرًا لوجود بعض الاشتراطات الصعبة فيما يخص درجات الحرارة اللازمة لتخزين اللقاحات، وكذلك الحاجة لتوفير مراكز صحية وفنيين مدربين بشكل جيد على عمليات التلقيح، أعلنت البلدان الأوروبية والعربية عن وضعها خططًا زمنية لعمليات التلقيح الشامل، لتنفيذها فور الحصول على اللقاحات.

لقاحات الحمض النووي الريبوزي mRNA))

يتم عادةً تطوير اللقاحات من الأنواع الأضعف من الفيروسات، والتي تُحفز استجابة مناعية في الجسم وتؤهله لإنتاج أجسام مضادة ضد عوامل الغزو الفيروسية عندما تأتي بكامل قوتها. ولكن هذه العملية قد تستغرق وقتًا طويلًا، وقد تنتج لقاحات بفاعلية منخفضة إلى متوسطة؛ لذلك تم تطوير تقنيات مختلفة لإنتاج اللقاحات، منها لقاحات الحمض النووي الريبوزي mRNA، والتي تتكون من جزء صغير جدًّا من الحمض النووي الخاص بالفيروس المراد استهدافه، والمسئول عن إنتاج البروتينات المُشفرة التي تكون على السطح الخارجي للفيروسات، بحيث يحفز اللقاح الخلايا المضيفة داخل جسم الإنسان على إنتاج نسخ عديدة من البروتينات المُشفرة للفيروس، وعندئذ يتعلم جهاز المناعة التعرف عليها وينتج الأجسام المضادة لها.

هذه التقنية ليست جديدة، إلا أن عدم توفر نظام تقديم آمن وفعّال شكل عقبة كبيرة في إنتاجها، حيث إن هذا الجزء من الفيروس هش للغاية ويصعب تطويره. وللتغلب على هذه العقبة، قرر الباحثون في شركتي فايزر الأمريكية وبيونتك الألمانية تغليف الحمض النووي الريبوزي لفيروس كورونا بجسيمات نانوية دهنية، مما يسمح لها بأن تكون صغيرة وتدخل إلى الخلايا بنفس الآلية التي تستخدمها الفيروسات، ولكنها تتطلب الحفظ في درجات حرارة شديدة البرودة تصل إلى (-75) درجة مئوية.

ودخلت الشركتان التاريخ من خلال إعلانهما عن بيانات أولية، في مطلع شهر نوفمبر 2020، تشير إلى أن لقاح فيروس كورونا المستجد الخاص بهما، كان فعالًا بنسبة تزيد على 90%، فيما خلصت النتائج النهائية للتجارب السريرية إلى أن اللقاح فعال بنسبة تصل إلى 95%، مع وجود آثار جانبية ليست بخطيرة مثل ألم في موضع الحقن، وارتفاع درجة الحرارة، والشعور بالإرهاق. وبعد أسبوع، أبلغت شركة موديرنا الأمريكية عن نتائج مماثلة مع لقاحها الذي يعتمد على نفس التقنية (mRNA)، ويُحدث آثارًا جانبية مشابهة، ولكن توجد بعض الفروقات فيما يخص درجة حرارة التخزين والسعر المتوقع للقاح. ولا تزال الشركات في طور الحصول على التراخيص الدولية اللازمة لبدء تداول اللقاح، مع التخطيط لكيفية التغلب على التحديات الرئيسية لعملية النقل، حيث تعمل شركة فايزر حاليًّا على بناء صناديق تحافظ على برودة اللقاحات أثناء نقلها دوليًّا، كما تخطط لإنتاج 50 مليون جرعة من هذا اللقاح قبل نهاية العام، فيما تعد شركة موديرنا بإنتاج 60 مليون جرعة من اللقاح.

لقاحات النواقل الفيروسية

تعتمد تقنية الناقلات الفيروسية في تصنيع لقاحات كورونا على استخدام نسخة معدلة وراثيًّا من الفيروس المسبب لنزلات البرد العادية (الفيروسات الغدية) لنقل بروتين الأشواك أو ما يطلق عليه “سبايك” من فيروس كورونا إلى داخل الخلايا، بما يساعد على تحفيز الاستجابة المناعية وإنتاج أجسام مضادة تلتصق فورًا بفيروس كورونا عند دخوله الجسم. ويوجد لقاحان يستخدمان هذه التقنية أنهيا المرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب السريرية، أحدهما تقوم عليه جامعة أكسفورد البريطانية بالتعاون مع شركة أسترازينيكا، وهي شركة إنجليزية – سويدية متعددة الجنسيات، والآخر طوره معهد غماليا الروسي لأبحاث علوم الأوبئة وأطلق عليه “سبوتنك v”.

جاءت نتائج فاعلية لقاح أكسفورد وأسترازينكيا منخفضة قليلًا بالمقارنة مع منافسيه من المطورين، حيث بلغت 70% فقط، وهي النسبة التي تم حسابها من متوسط نتائج المشاركين في التجارب السريرية؛ فمع إعطاء 8895 مشاركًا جرعتين كاملتين من اللقاح كانت الفاعلية حوالي 62%، أما بالنسبة لـ2741 مشاركًا فتم إعطاؤهم نصف جرعة فقط من اللقاح عن طريق الخطأ، وفقًا لما أفصحت به شركة أسترازينكا، متبوعة بجرعة كاملة، كانت الفعالية 90%. ونظرًا لقلة عدد الأشخاص المشاركين في مجموعة الجرعات المنخفضة، لا يزال من الصعب معرفة ما إذا كانت الفعالية الملحوظة في المجموعة حقيقية أم لا، خصوصًا مع عدم وجود أي من الأشخاص في هذه المجموعة أكبر من 55 عامًا، لذلك يعتبرها بعض الباحثين تجربة غير كاملة، حيث إن الأشخاص الأصغر سنًا يميلون عادة إلى تكوين استجابة مناعية أقوى من كبار السن، لذلك قد يكون الشباب من المشاركين في مجموعة الجرعات المنخفضة هو السبب في جعل نتائجها تبدو أكثر فعالية، وليس حجم الجرعة.

لكن بغض النظر عن الجرعات، لم يصب أي مشارك بأعراض حادة لفيروس كورونا أو تم نقله إلى المستشفى مصابًا بالمرض، ومع أن لقاح أسترازينيكا ما زال في الوقت الحالي غير حاسم مقارنة بلقاحي فايزر/بايونتيك وموديرنا، فإنه لا يزال يتمتع بميزة استخدام تقنية تقليدية تجعله أقل كلفة وأسهل في التخزين والنقل. فيما تخطط شركة أسترازينكا للإعلان عن تجربة عالمية جديدة باستخدام نظام الجرعات المنخفضة، دون التأثير على الجدول الزمني للحصول على الموافقة التنظيمية وطرح اللقاح في المملكة المتحدة وأوروبا، وإذا تمت الموافقة على اللقاح، فسيتم تسليم 4 ملايين جرعة إلى المملكة المتحدة قبل نهاية العام، تليها 40 مليون جرعة أخرى قبل نهاية مارس 2021.

وبالرغم من اعتماده على نفس التقنية؛ إلا أن غياب البيانات أثر بشدة على سمعة اللقاح الروسي سبوتنك “V”، لا سيما بعد الإعلان المفاجئ في شهر أغسطس 2020 عن تسجيل اللقاح بشكل رسمي في روسيا ضد فيروس كورونا، وأن فعاليته تصل إلى 92%، حتى مع عدم إتمامه كافة المراحل السريرية المطلوبة للإعلان عن مثل هذه النتائج، أو إتمام اعتماده رسميًا. ولكن ما طمأن العلماء هو صدور التقرير الأول عن اللقاح في دورية “لانسيت” الطبية، والذي جاء فيه أن كل شخص تلقى اللقاح قد طور أجسامًا مضادة لمحاربة الفيروس دون التعرض لآثار جانبية خطيرة، وبالتالي من الممكن أن يكون هذا اللقاح فعالًا لدرجة كافية، إعمالًا بنتائج اللقاحات الأخرى التي تخطت فعاليتها أيضًا 90%. ومؤخرًا تم الإعلان عن اتفاق صندوق الثروة السيادية الروسي وشركة هيتيرو الهندية للمنتجات الدوائية على إنتاج أكثر من 100 مليون جرعة سنويًّا من لقاح سبوتنيك “V” في الهند.

لقاحات الفيروسات المُعطلة (غير النشطة)

تتكون لقاحات الفيروسات المُعطلة من جزيئات الفيروس بعد معالجتها باستخدام الحرارة أو المواد الكيميائية مثل الفورمالديهايد أو الفورمالين، لتعطيل قدرتها على إحداث المرض أو التكاثر داخل جسم الإنسان، ولكن يبقى الفيروس المُعطل مكتملًا حتى يتمكن الجهاز المناعي من التعرف عليه وإنتاج أجسام مضادة ضده. وتمتلك اللقاحات المعطلة تاريخًا طويلًا في الاستخدام الناجح، وهي تكنولوجيا معروفة استُخدمت في صنع لقاحات لأمراض مثل الأنفلونزا والحصبة وداء الكلب، ومع ذلك فهي تميل إلى تقديم حماية أقصر مقارنة مع اللقاحات الأخرى، لذلك قد يكون من الضروري تناول عدة جرعات بمرور الوقت لإنشاء مناعة طويلة الأمد.

ويوجد عدد كبير من اللقاحات التي يتم تطويرها في الوقت الحالي ضد فيروس كورونا بالاعتماد على هذه التقنية، وتم الإعلان مؤخرًا عن نتائج فاعلية لقاح شركة سينوفارم الصينية التي بلغت 86% ضد الإصابة بالفيروس، وجرى تصنيع هذا اللقاح بالتعاون مع معهد بكين للمنتجات البيولوجية، بالاعتماد على سلالة فيروسية واحدة. ووفقًا لدورية “لانسيت” الطبية، تم تحقيق استجابة مناعية وآمنة للمتطوعين المشاركين بعد فحص نتائج التجارب السريرية للمرحلتين الأولى والثانية، ولكن الأشخاص قد يحتاجون لجرعتين أو ثلاث لزيادة فاعلية اللقاح. وتخطط شركة سينوفارم لإنتاج نحو 100 مليون جرعة من اللقاح بحلول نهاية العام، وحوالي مليار جرعة في العام المقبل.

الخطط الدولية لعملية التلقيح الشامل

فور الإعلان عن نتائج فعالية اللقاحات، أعلنت عدة دول عن خططها لتنفيذ عملية التلقيح التدريجي للمواطنين، مع التأكيد على أنه سيتم استخدام عدة لقاحات في حملات التلقيح، بناءً على نجاح اللقاح وفعاليته في المجموعات العمرية المختلفة، وكذلك الإمدادات المتاحة من شركات الأدوية المصنعة للقاحات، مع توفير عدد كبير من الموظفين وفرق التلقيح التي ستتولى زيارة المرضى وكبار السن في منازلهم.

ستعتمد السلطات الصحية في بريطانيا بشكل أساسي على الجيش للاستفادة من خبراته اللوجستية لمواجهة التحدي المتمثل في كيفية توصيل اللقاح بسرعة إلى المواطنين في جميع أنحاء البلاد، كما سيتم إنشاء مراكز تلقيح جماعية في الأماكن الكبيرة، مثل قاعات المؤتمرات والمدارس، بالإضافة إلى وحدات التطعيم الصغيرة المتنقلة والمستوصفات الصحية والعيادات والصيدليات. وفي ألمانيا، تم وضع البرنامج الزمني لعملية التلقيح الفردي بحيث تستغرق 6 دقائق لكل مواطن داخل مراكز التلقيح، أربع دقائق لعملية التحضير ودقيقتان للتطعيم والتسجيل في القوائم، ويتم حاليًّا إنشاء مئات من مراكز التطعيم في جميع أنحاء ألمانيا، عبر الاستعانة بقاعات المعارض التي لم يتم استخدامها منذ بداية الجائحة.

على المستوى المصري، فإن ما يجب التركيز عليه في الوقت الحالي وحتى بدء حملة التطعيمات في منتصف العام المقبل، هو حصر الفئات التي ستكون لها الأولوية في عملية التلقيح فور وصوله إلى مصر، ويمكن تحقيق ذلك عبر إطلاق موقع إلكتروني لتسجيل بيانات المواطنين، مع وضع العمالة الطبية في الصيدليات والعيادات الخاصة، والتي تتعامل مباشرة مع المرضى في مقدمة القائمة بجانب الأطقم الطبية العاملة في المستشفيات الحكومية والخاصة. كما يجب البدء في تدريب الأطقم الطبية وتجهيز المراكز والوحدات والعيادات الصحية، الثابتة والمتنقلة، بثلاجات لحفظ اللقاح وأماكن مخصصة لإجراء التلقيح، مع دراسة جدوى الاستعانة بمتطوعين مدربين لزيادة وتيرة هذه العملية.

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة