مكافحــة الفســـاد بين الشفــافيــة والحـوكمــة

 يحتفل العالم بأسره، في التاسع من ديسمبر كل عام، باليوم العالمي لمكافحة الفساد، وهو اليوم الذي تم التوقيع فيه على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. وتعد هذه مناسبة جيدة لمعرفة مدى ما تحقق من إجراءات في هذا الصدد. وجدير بالذكر أن مصطلحات الشفافية والمساءلة والحوكمة أصبحت من المصطلحات الدارجة في الحوارات العامة، بل العامل المشترك الأعظم في معظم اللقاءات والمنتديات الفكرية والسياسية التي عقدت على مدى السنوات الماضية. بل وتحولت هذه الموضوعات من هاجس وطني داخلي إلى قضية عامة ودولية. ويرجع السبب في ذلك إلى الآثار السلبية العديدة التي يحدثها الفساد في البلدان المختلفة، إذ أنه يضر بمناخ الاستثمار وبيئة…

عبد الفتاح الجبالي

 يحتفل العالم بأسره، في التاسع من ديسمبر كل عام، باليوم العالمي لمكافحة الفساد، وهو اليوم الذي تم التوقيع فيه على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. وتعد هذه مناسبة جيدة لمعرفة مدى ما تحقق من إجراءات في هذا الصدد. وجدير بالذكر أن مصطلحات الشفافية والمساءلة والحوكمة أصبحت من المصطلحات الدارجة في الحوارات العامة، بل العامل المشترك الأعظم في معظم اللقاءات والمنتديات الفكرية والسياسية التي عقدت على مدى السنوات الماضية. بل وتحولت هذه الموضوعات من هاجس وطني داخلي إلى قضية عامة ودولية. ويرجع السبب في ذلك إلى الآثار السلبية العديدة التي يحدثها الفساد في البلدان المختلفة، إذ أنه يضر بمناخ الاستثمار وبيئة الأعمال. حيث يشوه عملية وضع السياسات على نطاق واسع ويقوض مصداقية الحكومة. كما أنه يمثل ضريبة إضافية على نشاط الأعمال ويعمل على تحويل الموارد بعيدا عن الخزانة العامة، وبالتالي انخفاض الإيرادات العامة إما بسبب التهرب الضريبي أو التهريب الجمركي مما يؤدى إلى ضياع قدر لابأس به من الأموال التي كان من الممكن أن تذهب لتمويل مشروعات محددة وتسهم في تنمية الدولة، ويسهم  في تدنى كفاءة الاستثمارات العامة وإضعاف مستوى جودة البنية التحتية العامة، وذلك بسبب الرشاوى التي تحد من الموارد المخصصة لهذه الاستثمارات وتسيء توجيهها أو تزيد من تكلفتها ، بالإضافة إلى انتشار الوساطات والغش مما يؤدى إلى تدنى المشروعات العامة، وارتفاع تكلفة المعاملات وخاصة عندما يتحول الحصول على مكاسب شخصية إلى عنصر من عناصر التكلفة، بدلا من العناصر الأساسية مثل النوعية والمواعيد وكيفية التوريد وغيرها من الأمور القانونية المهمة والمطلوبة لمنح العقود أو لاختيار الموردين والمقاولين. ولا شك أن ارتفاع التكاليف لا يقلل فقط من حجم الاستثمارات الجديدة والقائمة وفعاليتها، بل يؤثر أيضا على الاستثمارات الأجنبية مما ينعكس سلبا على النمو الاقتصادي بالبلاد. وكلها أمور تؤدى إلى تراجع معدلات النمو الاقتصادي وتعيق التنمية وتقوض الشرعية السياسية وهي عواقب تفاقم بدورها من الفقر وعدم الاستقرار السياسي. كما يساعد الفساد على زيادة حدة الاستقطاب الاجتماعي من خلال التدهور في توزيع الدخول والثروات مما يقلل من الكفاءة المجتمعية ويزيد حالات الانقسام في المجتمع. بل وقد يؤدى إلى الانهيار في الديمقراطية أو تدهور نوعيتها. 

وينبغي ألا يفهم من ذلك أن الديمقراطية تمثل درعا ضد النهب الذي يقوم به الأقوياء أو ضد ممارسة الحكومات سلطاتها لمنفعة شريحة معينة من النخبة السياسية، فمن المؤكد أنه لا يوجد أي ارتباط بين مستويات الديمقراطية ومستويات الفساد، فالديمقراطية لا تضفي أي حصانة تلقائية ضد الانحراف الوظيفي، وخير دليل على ذلك ما حدث من انحرافات في أعتى الدول الديمقراطية. لكل ما سبق تزايدت أهمية الحديث عن ضرورات الإصلاح المؤسسي والهيكلي، جنبا إلى جنب مع الإصلاح الاقتصادي، خاصة من جانب مؤسسات التمويل الدولية كالصندوق والبنك الدوليين. وفى هذا السياق أيضا تطور مفهوم التنمية والتقدم من النمو الاقتصادي إلى التنمية الاقتصادية إلى التنمية البشرية وأخيرا إلى التنمية الاحتوائية، أي الانتقال من رأس المال البشرى إلى رأس المال الاجتماعي واقترن ذلك بإدخال مفهوم الحكومة أو الحكم الصالح في سلة الإصلاحات المطلوبة. ويتعمق مفهوم الحوكمة بتحول مضمون الديمقراطية من التمثيل النيابي إلى المشاركة والشفافية والمساءلة. من هنا تأتى أهمية المنهج أو الأسلوب الذي تمارس به السلطة مسئوليتها، ونقصد به قوانين اللعبة التي تتفق عليها جميع الأطراف المعنية وتشرف على تنفيذها مؤسسات منفتحة تتقبل مساهمة الجميع لأنها تعمل وفقا لمبادئ ومعايير الشفافية. وتقوم الشفافية أيضا على تعميم المعلومات المتعلقة بحقوق المواطنين والخدمات التي يحق لهم القيام بها وسبل الحصول على تلك الحقوق. ويشمل ذلك التقاليد والمؤسسات التي تمارس بها السلطة في بلد ما من أجل الصالح العام، مثل عملية اختيار القائمين على السلطة ومراقبتهم واستبدالهم، وقدرة الحكومة على إدارة مواردها بفعالية وتنفيذ سياسات سليمة واحترام مؤسسات الدولة. ولهذا تشترط الشفافية توافر المعلومات الدقيقة في مواقيتها وإفساح المجال أمام الجميع للاطلاع على المعلومات الضرورية والموثقة، ويجب أن تنشر بعلنية ودورية من أجل توسيع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة ومحاصرة الفساد من جهة، والمساعدة على اتخاذ القرارات الصالحة في السياسة العامة من جهة أخرى. لذلك فإننا نتفق مع ما ذهب إليه دافيد نوسبوم، المدير التنفيذي الأسبق لمنظمة الشفافية العالمية، والذي يرى أن الفساد ليس كارثة طبيعية لا فكاك منها، بل هو عملية منظمة تهدف إلى سلب الفرص من الرجال والنساء والأطفال العاجزين عن حماية أنفسهم. بالإضافة إلى أنه لا يمكننا القول إن الفساد هو ظاهرة اجتماعية واقعة حتما عبر الزمان والمكان أو أن المجتمعات متساوية في نصيبها من هذه الظاهرة. لذلك يصبح من الضروري العمل على الحد من الفساد وتحقيق مجتمع أكثر شفافية وهو ما يتطلب العمل على عدة محاور بعضها يتعلق باستراتيجية الإصلاح وأولوياته والبعض الأخر يتعلق بالسرعة الواجب التنفيذ بها، والمرونة التي يجب أن يتمتع بها. خاصة أن التجارب الدولية المختلفة قد أشارت إلى أهمية التلازم بين الديمقراطية واقتصاد السوق، بل ان هذا التلازم شرط أساسي لإنجاح التنمية الاقتصادية. وقد ارتبطت التجارب التي نجحت أساسا بتدعيم آليات المشاركة الشعبية والديمقراطية والشفافية، وتطبيق مبادئ الإدارة الرشيدة عند وضع السياسات المختلفة، ولم تقتصر فقط على بعض الإجراءات والعمليات المتعلقة بالانتخابات. وبمعنى آخر فإن مكافحة الفساد تتطلب وجود حزمة من القوانين المدنية والجنائية الواضحة والمعلن عنها بالقدر الكافي، مع إنفاذ القواعد القانونية والتنظيمية، ووجود جهاز قضائي مستقل، وتعزيز النظام الضريبي والإدارة الضريبية، وزيادة شفافية المالية العامة، وتفعيل إجراءات المحاسبة المالية، وتطوير الجهاز الإداري للدولة، مع تفعيل المنافسة. ورغم أن الحكومات المختلفة قد قطعت شوطا كبيرا في هذه المجالات، فإنه مازال هناك العديد من الإجراءات التي قد تستغرق بعض الوقت، إلا إنها تعتبر ضرورة قصوى لإنجاح هذه العملية.

نقلا عن جريدة الأهرام، الأربعاء ١٦ ديسمبر ٢٠٢٠.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب