الدراسات الفلسطينية والإسرائيلية

حسابات معقّدة: إسرائيل والاتفاق الأمني مع الولايات المتحدة

جاء التحفظ المبدئي الإسرائيلي تجاه حصول الإمارات على المقاتلة الأمريكية الأكثر تقدمًا “إف-35″، ولكن لم تلبث إلا أن وافقت على الصفقة بعد سلسلة من التصريحات الإسرائيلية التي تفيد بأن على الولايات المتحدة تعويض الجيش الإسرائيلي بقطع ومعدات عسكرية أمريكية أكثر تقدمًا، انعكست في الزيارات المتبادلة بين وزير الدفاع الأمريكي والإسرائيلي، بخلاف موافقة الولايات المتحدة على حصول إسرائيل على الصاروخ الأكثر تقدمًا من طراز GBU-57E في نوفمبر 2020. جدير بالذكر أن الاتفاق الأمني يتجدد كل عشر سنوات، أو ما يُعرف باسم “مذكرة التفاهم” التي تم توقيع أحدث نسخة منها في 2016 بين “نتنياهو” وإدارة “باراك أوباما” الأمريكية. وقد رصدت صحيفة “جيروزاليم…

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

جاء التحفظ المبدئي الإسرائيلي تجاه حصول الإمارات على المقاتلة الأمريكية الأكثر تقدمًا “إف-35″، ولكن لم تلبث إلا أن وافقت على الصفقة بعد سلسلة من التصريحات الإسرائيلية التي تفيد بأن على الولايات المتحدة تعويض الجيش الإسرائيلي بقطع ومعدات عسكرية أمريكية أكثر تقدمًا، انعكست في الزيارات المتبادلة بين وزير الدفاع الأمريكي والإسرائيلي، بخلاف موافقة الولايات المتحدة على حصول إسرائيل على الصاروخ الأكثر تقدمًا من طراز GBU-57E في نوفمبر 2020. جدير بالذكر أن الاتفاق الأمني يتجدد كل عشر سنوات، أو ما يُعرف باسم “مذكرة التفاهم” التي تم توقيع أحدث نسخة منها في 2016 بين “نتنياهو” وإدارة “باراك أوباما” الأمريكية.

وقد رصدت صحيفة “جيروزاليم بوست” (نوفمبر 2020) اتجاهًا داخل الجيش الإسرائيلي مؤداه أن إسرائيل ستبحث مع إدارة “بايدن” صياغة اتفاق أمني جديد، طويل المدى، يتناسب مع طبيعة التحديات الإقليمية على إسرائيل، “وذلك قبل انتهاء مدة رئاسة بايدن والتوجه لإعداد الاتفاق الأمني الجديد الذي ينتهي بحلول عام 2028”. ويتعارض هذا التوجه الإسرائيلي مع تصريحات “جو بايدن” ومع ما أشارت إليه أجندة الحزب الديمقراطي 2020، بأن الاتفاق الأمني مع إسرائيل غير قابل للتعديل، وغير قابل للخضوع لأي مشروطية سياسية.

الفرص والتحديات

يتضمن الاتفاق عددًا من الفرص والتحديات، كالتالي:

أولًا: الفرص في الاتفاق هي: 

  1. الاتفاق يضمن لإسرائيل دعمًا ماليًّا وعسكريًّا يتجاوز التحديات الاقتصادية التي قد تتسبب فيها أزمة كورونا، ولكن ستكون من جانب واحد فقط (أي الجانب الأمريكي).
  2. يضمن تفوقًا تكنولوجيًّا فائقًا للجيش الإسرائيلي في مجال التصنيع العسكري والتطوير التكنولوجي؛ بما ينتج عنه رفع قدرات الجيش الإسرائيلي النوعية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في مجال القوة السيبرانية، والأقمار الصناعية.
  3. تعزيز لقناة الحوار والتفاهم الاستراتيجي بين وزارتي الدفاع الإسرائيلية والأمريكية، في ظل المستجدات الإقليمية بعد التقارب العربي-الإسرائيلي الأخير.

ثانيًا: نقاط الضعف والتحديات في الاتفاق حسب مدركات صانع القرار الإسرائيلي، هي:

١. مزيد من الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة، مما قد يتسبب في استغلال أمريكي من أجل الضغط على إسرائيل في ملفات ثلاثة، هي:

أ. ضم الأراضي الفلسطينية: يبدو أن هناك تباينًا في وجهات النظر الأمريكية والإسرائيلية فيما يتعلق بالترتيب الملائم لفكرة ضم الأراضي. إذ ترى واشنطن ضرورة موافقة الفلسطينيين والعرب على استئناف المفاوضات مع إسرائيل حول ضم الأراضي في الضفة الغربية، بشرط أن توافق إسرائيل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة. فيما ترفض تل أبيب فكرة الدولة الفلسطينية، وترفض تأجيل ضم الأراضي في غور الأردن والقدس الشرقية.

ب. العلاقات الصينية-الإسرائيلية: تخضع العلاقات المشتركة بين الصين وإسرائيل -في أحيان كثيرة- للتدقيق الأمريكي. فقد قدمت واشنطن تحفظاتها على الاستثمارات الصينية في البنية التحتية في إسرائيل خاصة في ميناء حيفا؛ لقلقها من تسرب التكنولوجيا الأمريكية والإسرائيلية إلى الجيش الصيني. وسيخضع هذا الملف لكثير من التجاذب السياسي بين واشنطن وتل أبيب في ظل تبعات أزمة كورونا الاقتصادية على إسرائيل التي تُلقي بظلالها على ميزانية تحتاج إلى تدفق الاستثمار الأجنبي من أجل تمويل مشاريعها الخدمية والعسكرية.

ج. مبيعات السلاح الإسرائيلي: وقّعت الولايات المتحدة وإسرائيل اتفاقية ثنائية عام 2005، عُرفت باسم “إعلان التفاهم بشأن صادرات التكنولوجيا”، حيث تعهد كلا البلدين بضمان شفافية الصادرات الدفاعية، مع تعهد الولايات المتحدة بعدم حظر صفقات الدفاع الإسرائيلية على أسس تجارية؛ لذلك امتنعت إسرائيل عن تصدير السلاح إلى الصين في عدد من المناسبات. لكن يبدو أن الأمر تحول إلى قيد على إسرائيل في تنويع صادراتها واستكشاف أسواق جديدة، خاصة وأن 70% من ميزانية شركات التصنيع العسكري الإسرائيلية تأتي من بند الصادرات. فيما تشرح الدراسات الإسرائيلية أن وضع التصنيع العسكري الإسرائيلي متأخر نسبيًّا على المستوى الدولي؛ ويبدو أن التدقيق الأمريكي المتزايد على مبيعات إسرائيل في السلاح سيفاقم الوضع السيئ لإسرائيل.

٢. الانخفاض التدريجي لنسبة تحويل جزء من المنحة الأمريكية إلى العملة الإسرائيلية لتصل إلى صفر % في 2025، والذي يشمل عددًا من التحديات، أبرزها هي: 

أ. تحدٍّ متوسط المستوى بالنسبة للصناعات الدفاعية الإسرائيلية؛ كون أن الصناعات الثقيلة (مثل: صناعة السفن، والمركبات الثقيلة، والأقمار الصناعية) يتم تمويلها بالدولار الأمريكي. فيما ستتأثر الصناعات الوسيطة والخفيفة بشكل بالغ.

ب. احتمالات الاختراق السيبراني: من ضمن الصناعات التي ستتأثر نتيجة للشكل الحالي للاتفاق هي الصناعات الوسيطة بانخفاض تحويل العملة هي شركات البرمجة التي تستخدم مصدرًا مفتوحًا في عمل التطبيقات المستخدمة في الجيش الإسرائيلي، وهو ما قد يشكل ثغرة سيبرانية في منظومات الجيش تجعلها عرضة لاختراقات مستقبلية.

ج. توقع ارتفاع مستوى البطالة في مجال التصنيع العسكري: تشير البيانات الرسمية الإسرائيلية إلى توقع ارتفاع مستوى البطالة بين الإسرائيليين بسبب أزمة كورونا، وأن الحكومة ستحتاج إلى خطوات حثيثة على أمد متوسط نسبيًّا من أجل علاج آثار كورونا في سوق العمل. ولكن يبدو أن استمرار الانخفاض التدريجي في النسبة المشروعة لتحويل المنحة إلى الشيكل ستفاقم أزمة البطالة بشكل أو بآخر.

أدوات إسرائيل الممكنة

يمكن أن تبحث إسرائيل عن بعض المسارات من أجل تجاوز تلك التحديات، يمكن توضيحها فيما يلي:

  • التقارب الإسرائيلي-الخليجي: يتيح هذا التقارب لإسرائيل تعاونًا في شتى المجالات، وبالتحديد في المجال الأمني والعسكري، وهو ما يمكن تلمسه في تصريحات وزراء الدفاع في الدول الأطراف. وبذلك تستطيع إسرائيل استثمار رأس المال الخليجي من أجل سد ثغرات تمويلية في صناعاتها الدفاعية، أو تطوير مجالات دفاعية غير تقليدية خاصة في المجال السيبراني. ويفسر ذلك تصاعد الأرباح لأسهم شركات التصنيع الدفاعي الإسرائيلية في بورصة إسرائيل، خاصة شركة ألبيت للمنظومات الدفاعية، بعد إعلان اتفاق السلام مع الإمارات. وتجدر الإشارة إلى أن الشركات الإسرائيلية ستشارك في معرض إيديكس للصناعات الدفاعية الذي سيعقد في أبو ظبي في فبراير 2021.
  • مؤسسية الشراكة بين إسرائيل والولايات المتحدة: تدرك إسرائيل أن استمرار الاعتماد على “المنح” الأمريكية من أجل تعزيز تصنيعها العسكري سيؤثر بالسلب على الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، خاصة وأنها تخرج من وزارة الخارجية الأمريكية. لذلك ستبحث إسرائيل عن تأسيس علاقة شراكة بين شركاتها العسكرية ونظيراتها الأمريكية، وهو مسعى استراتيجي سيسمح لإسرائيل بتشبيك المصالح في مجال التصنيع العسكري مع الولايات المتحدة إلى قدر لا يمكن فك هذا التشابك؛ وبالتالي تتجنب إسرائيل الضغوط السياسية.
  • انتقال التصنيع الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة: أي إمكانية نقل الشركات الإسرائيلية خطوط التصنيع إلى الولايات المتحدة؛ لخفض التكلفة، والاقتراب من التكنولوجيا الأمريكية الحديثة.

أخيرًا، يمكن القول إن مذكرة التفاهم بين إسرائيل والولايات المتحدة هي ركيزة تضاف إلى استراتيجية العلاقة بين الطرفين، ستبحث من خلالها واشنطن عن ترسيخ التحالف مع إسرائيل، وضمان عدم تعرض أمنيهما القومي للتهديد من خلال السعي الإسرائيلي للانتشار وبالتحديد باتجاه الشرق. في حين تتنامى اتجاهات داخل الحكومة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي بضرورة البحث عن شراكات استراتيجية موسعة مع دول أخرى متقدمة في مجال التصنيع العسكري. ورغم أن “بايدن” أكد على أن الاتفاق الأمني مع إسرائيل لن يرضخ لمشروطية سياسية، فإن سياسات “بايدن” قد لا تبتعد كثيرًا عن سياسات “أوباما” في هذا الصدد، إذ كانت دوافع “أوباما” لتوقيعه اتفاقًا أمنيًّا مع إسرائيل بقيمة 38 مليار دولار هي إقناع إسرائيل بأهمية الاتفاق النووي مع إيران، وإقناعها بتطبيع العلاقات مع تركيا، لذلك سيظل هذا الاتفاق ضرورة براجماتية لإسرائيل من أجل تطوير الجيش الإسرائيلي أمام التحديات الأمنية في المنطقة.

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية