استعادة الدولة في العالم العربي

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

تواجه الدولة في منطقتنا تحديات كبرى، وهي التحديات التي كانت أكبر من قدرة بعض دول المنطقة على الاحتمال، فانهارت تحت الضغط، وترتب على انهيارها معاناة إنسانية مخيفة، تحملها المواطنون في سوريا وليبيا واليمن، وترتب عليها موجات الهجرة والإرهاب، التي هددت بتوسيع نطاق التهديد ليشمل دولا أخرى. استعادة الدولة الوطنية هو الشعار الرئيسي الناظم للسياسة المصرية إزاء أزمات المنطقة؛ وهو توجه صائب تماما، فأزمة الدولة هي جذر أزمات المنطقة، واستعادة الدولة تمثل المدخل لاستعادة السلام والاستقرار للشرق الأوسط المضطرب. الدولة ظاهرة قديمة قدم الحضارة البشرية، وظهورها هو نقطة التحول التاريخية التي عندها انتقلت البشرية من مرحلة البربرية إلى مرحلة الحضارة. الدولة…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

تواجه الدولة في منطقتنا تحديات كبرى، وهي التحديات التي كانت أكبر من قدرة بعض دول المنطقة على الاحتمال، فانهارت تحت الضغط، وترتب على انهيارها معاناة إنسانية مخيفة، تحملها المواطنون في سوريا وليبيا واليمن، وترتب عليها موجات الهجرة والإرهاب، التي هددت بتوسيع نطاق التهديد ليشمل دولا أخرى. استعادة الدولة الوطنية هو الشعار الرئيسي الناظم للسياسة المصرية إزاء أزمات المنطقة؛ وهو توجه صائب تماما، فأزمة الدولة هي جذر أزمات المنطقة، واستعادة الدولة تمثل المدخل لاستعادة السلام والاستقرار للشرق الأوسط المضطرب.

الدولة ظاهرة قديمة قدم الحضارة البشرية، وظهورها هو نقطة التحول التاريخية التي عندها انتقلت البشرية من مرحلة البربرية إلى مرحلة الحضارة. الدولة هي نخبة الحكم والسلطة التي تسيطر على الإقليم، فتنتزع منه الموارد في شكل ضرائب، وتوفر للسكان في المقابل الأمن وطريقة مضمونة لحفظ الحقوق وفض المنازعات، فيزدهر المجتمع، وتقوم الحضارة. 

القوة العسكرية والمنشآت الكبرى، هي العلامات الأكثر شيوعا على الحضارة، وهو ما ينطبق على أهرامات المصريين القدماء ومعابدهم، وعلى المدرجات والمسارح الرومانية، وسور الصين، وقصور ملوك أوربا وأسوار مدنها وقلاعها، والكنائس والمساجد التاريخية الكبرى الضاربة في القدم، حتى بات من المتعارف عليه أن الشعوب التي لم يخلف أسلافها منشآت عملاقة هي شعوب بغير موروث حضاري. ولهذا السبب أيضا تتسابق الدول، خاصة تلك التي حرمت من إسهام تاريخي حضاري، لبناء صروح ضخمة تدخل بها كتب المعالم والغرائب وسجلات الأرقام القياسية.

لقد تغير موقع الشعوب في عملية بناء الدولة. فبينما كان الشعب في الماضي أحد الموارد المستخدمة في بناء الدولة، إذ لا قيمة للإقليم بغير سكان يستخرجون ثرواته؛ فإن مصلحة الشعب أصبحت هي التبرير الوحيد المقبول لقيام الدولة الحديثة ولتصرفاتها، حتى لو لم يزد ذلك عن كونه ادعاء فارغ، يتم استخدامه لتحسين الصورة وخداع العوام. ظهور الشعب في الصورة زاد الأمر صعوبة وتعقيدا، فما كان في الماضي شأنا يخص أعدادا قليلة من أعضاء النخبة، أصبح الآن شأنا يخص الآلالف والملايين من البشر.

ارتبط قيام الدولة تاريخيا بتوافر مصادر أربعة للقوة هي السلاح، والمال، والعقيدة، والتنظيم. قد لا تحتاج الدولة إلى العناصر الأربعة في مرحلة قيامها الأولى، فقد يكفي السلاح لقيام الدولة، لأن القوة العسكرية هي الحد الأدنى الضروري لقيام الدول والإبقاء عليها. تكونت الدول تاريخيا نتيجة الغلبة أو الفتح؛ وكانت مبادئ من نوعية “الغلبة لمن غلب” و”حق الفتح” تمثل مبادئ مقبولة لقيام الدولة وشرعيتها. تعدد الجهات المسلحة يحول مهمة بناء الدولة إلى مهمة مستحيلة، فإما ينجح أحد الأطراف المسلحة في إخضاع الآخرين بالقوة، ولو تكلف ذلك إهدار الكثير من الأرواح؛ أو أن تتوافق الأطراف المسلحة على الانتظام طوعا في جيش وطني موحد، وهو أمر يحتاج الكثير من العقلانية والوطنية وإنكار الذات. لم تكن دولة إسرائيل لتقوم لولا قبول العصابات الصهيونية المسلحة الانضواء الطوعي في صفوف الجيش، ولن تعود الدولة الوطنية إلى ليبيا إلا بعد إنهاء فوضى وتعددية السلاح.

تثبيت أركان الدولة واستدامتها يحتاج إلى توافر عناصر القوة الثلاثة الأخرى: المال والعقيدة والتنظيم. وبقدر توافر هذه العناصر الثلاثة الإضافية، تكون قوة الدولة، ويكون استقرارها وازدهارها. في أغلب الدول تقوم النخبة الحاكمة باقتطاع الفائض الاقتصادي من القطاع الخاص في شكل ضرائب، تستخدمها لتقوية الجيش وسد حاجات المجتمع. في دول الشرق الأوسط المنتجة للنفط، حل المال بديلا عن القوة العسكرية في بناء الدولة، إذ قامت النخبة الحاكمة بتوزيع فائض الثروة الريعية الهائلة على السكان، لضمان ولائهم. 

النصب الحضارية الكبرى، وما نطلق عليه تراث إنساني عالمي، من أهرامات مصر حتى سور الصين، هي علامات على ازدهار لم يكن له أن يتحقق لولا وجود دولة لديها فائض اقتصادي هائل، تستخدمه لتعزيز سلطانها على المجتمع، وتعزيز قوتها في مواجهة  الدول الأخرى. نقص المال والأزمة الاقتصادية يمنعان الدولة في سوريا من استكمال التحرير واستعادة السيطرة؛ أما في ليبيا فالوضع هناك معكوسا، حيث الثروة النفطية الهائلة هي الغنيمة التي تغري الفرقاء على مواصلة القتال، طمعا في نصيب أكبر من الثروة. 

الإنسان مخلوق عاقل، لديه حس أخلاقي؛ ويحب أن يبدو كما لو كانت قراراته وتصرفاته تخدم مبدأ سام وغرض نبيل، يتجاوز المصالح المادية المباشرة. في كل الثقافات هناك مرادفات للكليشيهات الشهيرة من نوعية أنه “ما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط”، و”ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”، والتي تلخص الطموح الأخلاق للبشر، وأن اكتفوا بالتظاهر بالإيمان بها. العقيدة السياسية هي مجموعة مترابطة من المبادئ الأخلاقية التي تسعى لإلهام الناس، وإقناعهم بأهداف كبرى تبرر التضحيات. العقيدة السياسية في أبسط أشكالها هي شعار يلخص أولويات المجتمع. الله، الملك، الوطن؛ كان هو الشعار الرسمي في مصر أثناء العهد الملكي. حرية، اشتراكية، وحدة؛ هو الشعار الذي لخص العقيدة السياسية لمصر الناصرية. بسبب التجارب المريرة أصبح الناس أكثر شكا في الشعارات والعقائد السياسية، فأصبحت مهمة بناء وترويج العقائد السياسية أكثر صعوبة، دون أن تتحول إلى أمر ينتمي إلى الماضي.

منذ أن دخلت الشعوب إلى المجال السياسي أصبح التنظيم عنصرا في بناء الدولة. المشاركة المنظمة هي مصدر الشرعية الأساسي للدولة الحديثة، وبناء مؤسساتها يوفر مسارات آمنة منظمة لأصحاب الطموحات السياسية. تنتظم نخبة الحكم في مؤسسات السلطة ومراكز القرار، فيما ينتظم المواطنون في أحزاب ونقابات وجمعيات. تنظيم الأنصار والمؤيدين هو أقوى خط دفاع عن نظام الحكم؛ وتنظيم المعارضين هو أفضل طريقة للحوار والتفاهم معهم، ضمانا للاستقرار. 

السلاح والمال والعقيدة والتنظيم هي الأعمدة الأربعة للدولة، وفي غياب أي منها إضعاف للدولة، وتعريض لبقائها للخطر. استعادة الدولة هي السبيل لاستعادة الاستقرار لمنطقتنا، وبنائها على أسس سليمة هو السبيل لتجنيبها عوامل الهشاشة التي أطاحت بها في الماضي القريب. 

ــــــــ

نقلا عن جريدة الأهرام، الخميس ١٠ ديسمبر ٢٠٢٠.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب