الضريبـة على الأجــور والعــدالــة الاجتماعية

أثار المقال السابق والخاص بما جاء في مشروع اللائحة الداخلية لمجلس الشيوخ من اقتراحات بإعفاء المكافآت التي يحصل عليها أعضاء المجلس، من الضرائب على الدخول، العديد من التساؤلات والاستفسارات التي تحتاج المزيد من الإيضاح. خاصة أنه جاء سيرا على نفس منهاج مجلس النواب ووفقا للائحته الداخلية المعمول بها حاليا. وأصبح التساؤل الرئيسي هو مدى عدالة الضريبة على الدخول من الأجور والرواتب؟  ونص الدستور المصري على أن: العدالة الاجتماعية أساس الضرائب وغيرها من التكاليف المالية العامة، وفقا الفقرة الأولى من المادة 38منه، والتي تشير وبحق إلى جوهر النظام الضريبي في المجتمع. وهكذا ينبغي أن تكون العدالة الضريبية مضمونا لمحتوى النظام الضريبي…

عبد الفتاح الجبالي

أثار المقال السابق والخاص بما جاء في مشروع اللائحة الداخلية لمجلس الشيوخ من اقتراحات بإعفاء المكافآت التي يحصل عليها أعضاء المجلس، من الضرائب على الدخول، العديد من التساؤلات والاستفسارات التي تحتاج المزيد من الإيضاح. خاصة أنه جاء سيرا على نفس منهاج مجلس النواب ووفقا للائحته الداخلية المعمول بها حاليا. وأصبح التساؤل الرئيسي هو مدى عدالة الضريبة على الدخول من الأجور والرواتب؟  ونص الدستور المصري على أن: العدالة الاجتماعية أساس الضرائب وغيرها من التكاليف المالية العامة، وفقا الفقرة الأولى من المادة 38منه، والتي تشير وبحق إلى جوهر النظام الضريبي في المجتمع. وهكذا ينبغي أن تكون العدالة الضريبية مضمونا لمحتوى النظام الضريبي وغاية يتوخاها، ويتعيّن تبعا لذلك أن يكون العدل من منظور اجتماعي مهيمنا عليها بمختلف صورها محددا الشروط الموضوعية لاقتضائها. وهنا يرى خبراء الاقتصاد – وعلى رأسهم آدم سميث ـ أن النظام الضريبي الجيد يجب أن يتسم بعدّة سمات أساسية يأتي على رأسها العدالة، أي تساوى عبء الضريبة على جميع دافعي الضرائب وبحسب طاقة الفرد على الدفع. وهنا يدور الحديث عن نوعين من العدالة، العدالة الرأسية بما يعنى دفع الضرائب بناء على قدرة الفرد، فهي تفترض أن الأشخاص ذوي الظروف المتمايزة في القدرة على الدفع يجب أن يدفعوا مقادير مختلفة من الضرائب، والعدالة الأفقية وتفترض أن الأفراد ذوى المقدار المتساوي من القدرة على الدفع يتحملون أعباء ضريبية متساوية، أي المعاملة المتساوية لذوى الظروف الاقتصادية، وتشير الإحصاءات إلى أن هناك زيادة مستمرة في اعتماد النظام الضريبي المصري علي ضريبة الأجور والرواتب، حيث إن معدل الزيادة في الحصيلة من هذا النوع يزيد عن معدل زيادة الحصيلة الضريبية ذاتها وذلك على العكس من الأنواع الضريبية الأخرى خاصة المهن الحرة، وهو الخلل الأساسي في النظام الراهن. ويعاني نظام الضريبة على الرواتب والأجور اختلالات عديدة من منظور العدالة نتيجة لاختلافات النظم الأجرية ومن ثم المعاملة الضريبية، حيث يخضع العاملون بالدولة الي قوانين مختلفة وطبقا لذلك توجد أنواع معاملة ضريبية مختلفة لمكتسبي الأجور. يأتي على رأس هذه الاختلالات إعفاء دخول بعض الفئات من دفع الضريبة، مثل أعضاء مجلس النواب وفقا للائحة الداخلية للمجلس الصادرة بالقانون رقم (1) لسنة 2016 يضاف إلى ذلك الإعفاءات الصادرة بقوانين خاصة، يخضع لها البعض وليس الكل، مثل بدل التمثيل لبعض الوظائف القضائية ورؤساء الجامعات ونوابهم بما فيها جامعة الأزهر. كما يخضع لهذا الإعفاء شاغلو الوظائف العليا من العاملين المدنيين بالدولة وفقا لقانون 47 لسنة 1978 وذلك بحد اقصى 100% من الاجر الأساسي، وهو ما يشير إلي عدم مراعاة المقدرة التكليفية للممول والاختلال الكبير في المعاملة الضريبية بين متحصلي نفس الأجر، وعلى الجانب الآخر فإن حصة العامل في اشتراكات التأمينات الاجتماعية المعفاة من الخضوع للضريبة، تختلف من جهة لأخرى، حيث فوض القانون الوزير المعنى بالتأمينات الاجتماعية في تحديد هذه النسبة، وفقا للحد الأقصى لأجر الاشتراك الأساسي والمتغير الذى يحسب على أساسه اشتراك التأمينات المعفاة. كما ميزت الضريبة بين العاملين في القطاع الحكومي والعام، وبين العاملين بالقطاع الخاص، لأن العلاوات الخاصة والتي تشكل نحو 345% من الراتب الأساسي حتى نهاية يونيو 2013، تعطى للموظف الحكومي معفاة من الضرائب، قبل أن يتم إلغاء هذا الإعفاء في العلاوات التي قررت بعد ذلك التاريخ، وهو ما لا يتمتع به العاملون بالقطاع الخاص. وترتبط بهذه النقطة مسألة أخرى تتعلق بأثر ضم العلاوة الخاصة إلى الأجر الأساسي، وتمتع الزيادة في الأجور المتغيرة بالإعفاء المقرر لتلك العلاوات من ضرائب ورسوم. حيث توجد أحكام قضائية متناقضة في هذا الشأن، مع الأخذ بالحسبان أن هذه الاحكام نسبية حيث يقتصر تطبيقها على أطراف الدعوى الذين صدر لهم الحكم دون أن تمتد لغيرهم. وقد زادت الأمور تعقيدا بصدور قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016 حيث يخضع له بعض العاملين بأجهزة الدولة وعددهم 2.5 مليون موظف بنسبة 47% من الإجمالي، والبعض الآخر غير مخاطب بالقانون وعددهم 2.9 مليون (بنسبة 53% من الإجمالي). وهنا تظهر المشكلات حيث غير القانون من نظام الأجور تغييرا جذريا ليصبح الحديث عن الأجر الوظيفي – الذي يساوي الأجر الأساسي للموظف في 30/6/2015 – متضمنا العلاوات الخاصة المضمومة وغير المضمومة، والعلاوة الاجتماعية الموحدة والإضافية ومنحة عيد العمال وعلاوة الحد الأدنى وما يعادل نسبة 100% من الأجر الأساسي في 30/6/2015. وهنا تبرز مشكلة المعاملة الضريبية لكل منهما إذ أنه وبمقتضي ما سبق فقد تم ضم كل من العلاوات الاجتماعية والعلاوات الخاصة والبدلات المعفاة بقوانين خاصة.. إلخ، إلى الأجر الوظيفي، وبالتالي إلغاء الإعفاء الذي كانت تتمتع به وأصبحت ضمن الوعاء الضريبي، وبعبارة أخري فإن هؤلاء بمقتضي هذا القانون يدفعون ضرائب أكثر من زملائهم غير الخاضعين، مع ملاحظة أن العبء الضريبي للرواتب والأجور يختلف كثيرا عن الأسعار المحددة بالشرائح المنصوص عليها، لأن القانون أعفي العديد من الإيرادات من الخضوع (وهي المعاشات ومكافأة ترك الخدمة ومقابل الإجازات وحصة العاملين من الأرباح التي تقرر توزيعها طبقا للقانون)، وكذلك المزايا العينية الجماعية. بالإضافة إلى الإعفاء الشخصي لمبلغ تسعة آلاف جنيه سنويا، ناهيك عن الشريحة المعفاة وتبلغ خمسة عشر ألف جنيه، فضلا عن اشتراكات العاملين في صناديق التأمين الخاصة وأقساط التأمين على الحياة والتأمين الصحي على الممول لمصلحته أو مصلحة زوجته أو أولاده القصر بشرط ألا تزيد جملتها عن 15% من صافي الإيراد أو ثلاثة آلاف جنيه أيهما أكبر. وبالتالي هذا النوع من الضرائب، وغيره يحتاج إلى إعادة نظر بحيث تلغى جميع الإعفاءات المقررة بموجب قوانين أخرى، على أن يكون قانون الضرائب على الدخل هو القانون الأساسي والحاكم لجميع الأمور الضريبية المرتبطة بالدخول، أما إذا رغبت الدولة في زيادة أجور وتحسين أوضاعهم الأجرية فيجب أن يتم عبر سياسة الأجور وليس الضريبة.

نقلا عن جريدة الأهرام، الأربعاء ٩ ديسمبر ٢٠٢٠.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب