“بايدن” ومستقبل التحالف الغربي

مساعد وزير الخارجية السابق

على الرغم من الانتقادات المتواصلة التي وجهها الحزب الديمقراطي طوال الأعوام الأربعة الماضية للسياسات التي طبقها الرئيس “ترامب” في تناوله للعديد من قضايا السياسة الخارجية؛ إلا أن إدارة “بايدن” قد تجد نفسها في عددٍ من الحالات تواجه صعوبات جمة في تبني سياسات مخالفة للتي اتّبعها الرئيس “ترامب”، أو عند محاولة تنفيذ وعودها الانتخابية المتصلة بوضع منطلقات جديدة للتعامل مع الصين أو روسيا أو إيران، أو حتى بالنسبة للتعاون مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمكن أن يمتد إلى العلاقات مع الناتو ذاته. فالإدارة الأمريكية الجديدة، في ظلّ رؤيتها لتعزيز التعاون بين شطري الأطلنطي، قد لا يمكنها التغاضي عن الاستمرار في تحمل…

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

على الرغم من الانتقادات المتواصلة التي وجهها الحزب الديمقراطي طوال الأعوام الأربعة الماضية للسياسات التي طبقها الرئيس “ترامب” في تناوله للعديد من قضايا السياسة الخارجية؛ إلا أن إدارة “بايدن” قد تجد نفسها في عددٍ من الحالات تواجه صعوبات جمة في تبني سياسات مخالفة للتي اتّبعها الرئيس “ترامب”، أو عند محاولة تنفيذ وعودها الانتخابية المتصلة بوضع منطلقات جديدة للتعامل مع الصين أو روسيا أو إيران، أو حتى بالنسبة للتعاون مع الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمكن أن يمتد إلى العلاقات مع الناتو ذاته.

فالإدارة الأمريكية الجديدة، في ظلّ رؤيتها لتعزيز التعاون بين شطري الأطلنطي، قد لا يمكنها التغاضي عن الاستمرار في تحمل الجانب الأكبر من ميزانية الناتو ومن نفقات القواعد العسكرية المتواجدة لحماية “العالم الحر”، في الوقت الذي تتقاعس فيه العديد من الدول الأوروبية الأعضاء في هذا الحلف عن رفع ميزانياتها الدفاعية إلى الحد المتفق عليه، والذي يصل إلى ٢٪؜ من ناتجها المحلي الإجمالي، وعن إزالة العديد من القيود الحمائية التي تعرقل إمكانية نفاذ الصادرات الأمريكية من السلع والخدمات إلى أسواقها، وهو ما ينطبق على المنتجات الزراعية وعلى السيارات ووسائل النقل، وكذلك على أنشطة الشركات الأمريكية العاملة في مجالي الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إذ يُعد النزاع التجاري الأمريكي مع الاتحاد الأوروبي واحدًا من أقدم وأعقد النزاعات التجارية القائمة على مستوى العالم، والذي تستلزم معالجته محاولة تجنب تحوله إلى حرب تجارية يتم في إطارها الدخول في حلقة مفرغة من فرض المزيد من القيود الحمائية والقيود المضادة، مع السعي نحو التوصل إلى حلول توفيقية يمكن أن تحقق التوازن المطلوب بين المصالح الاقتصادية للطرفين.

يُضاف إلى ما سبق، عامل يتعلق بتزايد التحديات التي تواجه الناتو ذاته، سواء من جراء السياسات التي يطبقها “أردوغان” في شرق المتوسط أو في سوريا والعراق وليبيا، ومواقفه من نزاع ناجورنو كاراباخ، واستحواذه على نظام S-400 الروسي، أو نتيجة للمواقف التي تتخذها فرنسا في ظل طموحات الرئيس “ماكرون” بتشكيل جيش أوروبي موحد وتصريحاته حول “الموت الدماغي” للحلف brain dead، وتكراره أنه لا يمكن الاستمرار في التعويل على الأمريكيين كضامن للأمن الأوروبي، وهو ما يختلف تمامًا عن المواقف التي تتخذها ألمانيا، حيث أكدت المستشارة “أنجيلا ميركل” ووزير خارجيتها “هايكو ماس” أن أوروبا لا يمكنها الدفاع عن نفسها دون الولايات المتحدة الأمريكية التي تمتلك مظلة الحماية والردع النووي اللازم لمواجهة المخاطر الخارجية. كما أكدت “أنجريد كرامب كارنباور” -وزيرة الدفاع الألمانية- أنه يجب أن تنتهي أوهام الاستقلالية الاستراتيجية، وهو ما دفع السكرتير العام للحلف “ستولتنبرج” إلى التأكيد على أن الحلف يواجه ما وصفه “بخيارات صعبة”. فالأوروبيون لا يشكلون جبهة واحدة لا في الاتحاد الأوروبي ولا في حلف الأطلنطي، والخلاف الأكبر يدور بين فرنسا وألمانيا، كما أنّ سيف العقوبات أصبح مسلطًا أكثر من أي وقت مضى على تركيا نتيجة لسياساتها، حيث طرح وزير الخارجية الفرنسي “جان إيف لودريان” تساؤلًا حول: هل لتركيا التي لم تعد تحترم قواعد الحلف مكان فيه؟.

وتوضّح تلك التطورات أن الناتو الذي ستواجهه الإدارة الأمريكية الجديدة يبدو مختلفًا تمامًا عن الناتو الذي تعاملت معه إدارة “أوباما” في ظل تصاعد الصعوبات التي تواجه إمكانية بناء رؤية استراتيجية موحدة حول دوره ومستقبله وحيال نوعية التهديدات الخارجية وحتى الداخلية التي تواجهه. وقد جاء القرار المنفرد الذي اتخذته إدارة الرئيس “ترامب” بسحب بعض التواجد العسكري الأمريكي من أفغانستان والعراق، والعمل على إتمام هذا الانسحاب قُبيل نهاية العام الجاري، ليلقي بظلال من الشك حول مدى احترام قواعد التشاور والتنسيق فيما بين دول الناتو أخذًا في الاعتبار أن قرارات الناتو يجب أن تؤخذ بالإجماع، حيث أعربت بعض القيادات الأوروبية عن أن ثمن الانسحاب الأمريكي الذي لم يحظَ بالتنسيق مع الناتو قد يكون باهظًا، كما حذر سكرتير عام الحلف من خطورة أن تتحول أفغانستان بعد الانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية إلى موطن لتمركز الإرهاب الدولي الذي يمكن أن يمثل تهديدًا لأمن واستقرار دول الناتو.

وفي إطار توجهات الإدارة الأمريكية الجديدة نحو تعزيز التعاون الأمريكي الأوروبي، فمن المتوقع أن يفرض مشروع الـ North Stream 2 نفسه مجددًا على تلك التوجهات، فعلى الرغم من العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا نتيجة لقيامها بضم شبه جزيرة القرم ونزاعها مع أوكرانيا، فقد وقّعت ألمانيا عقدًا بقيمة ١١ بليون دولار لإنشاء خطوط للأنابيب أسفل بحر البلطيق لنقل الغاز الطبيعي الروسي إلى ألمانيا، وذلك خلافًا للعقوبات المفروضة، أخذًا في الاعتبار أن دول الاتحاد الأوروبي -في مجملها- تصل نسبة اعتمادها على الغاز الروسي إلى ٤٢٪؜، يليه غاز النرويج بنسبة ٣٤٪؜، ثم الجزائر بنسبة ١٠٪؜، وهو الأمر الذي دفع إدارة الرئيس “ترامب” إلى فرض عقوبات على كافة الشركات المشاركة في تنفيذ هذا المشروع، ومنها شركات ألمانية وهولندية وفرنسية ونمساوية، مع ممارسة الضغط على ألمانيا من أجل استيراد الغاز الأمريكي بعد أن انضمت الولايات المتحدة الأمريكية إلى قائمة الدول المصدرة له. لذا فمن غير المتصور أن تتجاهل إدارة الرئيس “بايدن” هذا الموضوع الذي يعزز من ثقل روسيا، ويمنحها عاملًا للضغط على الدول الأوروبية عند تناولها عددًا من القضايا الدولية، خاصة وأن المرحلة الأولى من هذا المشروع التي تم تنفيذها في منتصف الثمانينيات كانت سببًا في تصاعد الخلاف الأمريكي الأوروبي خلال إدارة الرئيس “ريجان”.

ومع اختيار “أنتوني بلينكن” لتولي منصب وزير الخارجية في الإدارة الأمريكية الجديدة، وما يتردد عن إلمامه المتميز بالعديد من القضايا الدولية، حيث سبق وأصدر كتابًا عام ١٩٨٧ تحت عنوان “الحليف ضد الحليف” أو Ally Versus Ally، تناول فيه العلاقات الأمريكية الأوروبية، وكيفية التصدي للاتحاد السوفيتي آنذاك؛ إلا أن الأوضاع العالمية الحالية تبدو مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل انهيار وتفكك الاتحاد السوفيتي، وهو ما يستلزم النظر في خيارات جديدة للتعامل مع الأوضاع الراهنة حتى يمكن تحقيق هدف تعزيز التعاون بين شطري الأطلنطي بمجمل التحديات التي تواجهه، وذلك في الوقت الذي تتصاعد فيه المشاعر التشاؤمية الأوروبية حيال مستقبل التحالف الغربي وإمكانية استمرار ثقله ونفوذه وتأثيره في ظل التخوف من استمرار تراجع الاهتمام باوروبا بعد أن تحولت بؤرة التركيز الأمريكي إلى كيفية مواجهة تصاعد ثقل الصين وتزايد نفوذها السياسي والاقتصادي، وإلى محاولة بناء سياسة أمريكية متماسكة يمكن أن تساعد في احتواء تطور مكانة روسيا وتعاظم دورها في معالجة العديد من النزاعات الإقليمية والدولية، وهو ما يتزامن مع غياب سياسة خارجية أو دفاعية موحدة للاتحاد الأوروبي، ومع تزايد حدة الانقسامات سواء داخل الاتحاد الأوروبي أو في إطار الناتو ذاته.

السفير عمرو حلمي
مساعد وزير الخارجية السابق

مقالات أخرى للكاتب