من سيقود العالم؟

عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

يشهد العالم من فترة لأخرى جدلا حول النموذج الغربي في الحكم والتنمية، وهل هو في حالة صعود أم انحدار. وقد يتذكر البعض الكتاب الشهير لأوزوالد شبنجلر “انحدار الغرب”، وكتاب بات بوكانان بعنوان «موت الغرب»، وغيرها من الكتابات التي تنبأت بنهاية الغرب. الجدل حول هذا الموضوع تجدد في الشهور الأخيرة بسبب أزمة جائحة كورونا، والتي كشفت عن ضعف استعداد الولايات المتحدة والدول الأوروبية للتعامل مع هذا الوباء مقارنة بالصين ودول آسيوية أخرى، كما ساهمت الأزمة السياسية التي تعاني منها العديد من الدول الغربية في تصاعد هذا الجدل. في هذا الإطار، ومنذ حوالي أسبوعين نشرت جريدة وول ستريت جورنال الأمريكية تقرير مطولا…

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

يشهد العالم من فترة لأخرى جدلا حول النموذج الغربي في الحكم والتنمية، وهل هو في حالة صعود أم انحدار. وقد يتذكر البعض الكتاب الشهير لأوزوالد شبنجلر “انحدار الغرب”، وكتاب بات بوكانان بعنوان «موت الغرب»، وغيرها من الكتابات التي تنبأت بنهاية الغرب.

الجدل حول هذا الموضوع تجدد في الشهور الأخيرة بسبب أزمة جائحة كورونا، والتي كشفت عن ضعف استعداد الولايات المتحدة والدول الأوروبية للتعامل مع هذا الوباء مقارنة بالصين ودول آسيوية أخرى، كما ساهمت الأزمة السياسية التي تعاني منها العديد من الدول الغربية في تصاعد هذا الجدل.

في هذا الإطار، ومنذ حوالي أسبوعين نشرت جريدة وول ستريت جورنال الأمريكية تقرير مطولا عنوانه «هل مازال الغرب قادرا على قيادة العالم».. بدأ بفقرة جاء فيها أن الغرب يجد نفسه اليوم في أزمة وجودية، فدوره كمنارة عالمية موضع شك، والمؤسسات التي تجمعه مثل حلف شمال الأطلنطي، أصابها «موت دماغي» وفقا لتعبير الرئيس الفرنسي ماكرون. وفى المجال السياسي فإن الشعبوية القومية على اليمين وسياسات الهوية على اليسار تهدد ما كان في السابق إجماعًا واسعًا ومتجذرًا في القيم المشتركة للديمقراطية وحقوق الإنسان.

كما بدأ الإيمان الذي كان شبه عالمي في الديمقراطية النيابية يتلاشى على جانبي المحيط الأطلنطي. فوفقًا لاستطلاع رأى قام به مركز بيو الشهير في العام الماضي، يعتقد ٤٦٪ فقط من الأمريكيين أن حكومة بلادهم تدار لصالح الجميع، وهو انخفاض من ٦٥٪ في عام ٢٠٠٢. وفى ألمانيا، انخفضت هذه النسبة إلى ٤٨٪ من ٨٦٪، وفى إيطاليا إلى ٣٠٪ من ٨٨٪. كما أن ٢٧٪ فقط من الأمريكيين و٢٣٪ من الفرنسيين و٣٧٪ من الكنديين يوافقون على فكرة أن المسؤولين المنتخبين يهتمون بمصالحهم.

واستنادا للتقرير، فإن قوى اليسار في الغرب تلقى باللوم في الوصول لهذه الحالة على الجشع الرأسمالي الجامح وسيطرة الشركات الكبرى على مؤسسات الدولة، وكذلك على الانقسام الذي أحدثته رئاسة ترامب. في حين أن قوى اليمين تؤمن بأن أزمة الديمقراطيات الغربية ناتجة عن فجوة متسعة بين الجمهور العام والنخب التكنوقراطية الليبرالية البعيدة عن الواقع.

ويضيف التقرير أن هذا الخلاف الداخلي بدأ يتداخل مع الانقسام المتزايد بين الدول الرئيسية في الغرب، وبدأ الشعور بالقيم والأهداف المشتركة بين أوروبا والولايات المتحدة، وهو جوهر ما كان يُعرف باسم «العالم الحر»، يتلاشى. ووفقا لاستطلاع آخر أجراه مركز بيو في سبتمبر الماضي، لا يبدى سوى ثلث الأوروبيين وجهات نظر إيجابية عن الولايات المتحدة.

هذه الأزمة التي يعيشها الغرب، يقابلها صعود صيني كبير في العقود الثلاثة الماضية، مما دفع البعض للترويج لفكرة أن الازدهار يمكن أن يتحقق بدون القيم السياسية الغربية، وهو نموذج جديد أصبح يلهم البعض حول العالم، فقد انتشلت الصين مئات الملايين من براثن الفقر وخلقت منتجات وشركات جديدة قادرة على المنافسة عالميًا. ويقتبس التقرير مقولة لباحث بجامعة ستانفورد الأمريكية جاء فيها أن «التحدي من الصين جديد ويختلف عن التحدي من الاتحاد السوفيتي لأن الصين هي مجتمع أكثر نجاحًا اقتصاديًا بشكل واضح».

الخلاصة هي أن الغرب يعاني أزمة متعددة الأبعاد، ولكن بالرغم من ذلك نجد من يقول إن أزمات الغرب ليست جديدة، وإن الغرب تمكن مرارًا وتكرارًا من إعادة اختراع نفسه بسبب قدرته المذهلة على التجديد والابتكار والتغيير. وهذا هو اختبار السنوات القادمة.

ـــــــــــ

نقلا عن جريدة “المصري اليوم”، الإثنين ٧ ديسمبر ٢٠١٠.

د. محمد كمال
عضو الهيئة الاستشارية/ مدير برنامج العلاقات الدولية

مقالات أخرى للكاتب

img

رأي

خبراء مصر

img

رأي

التوك شو

img

رأي

مكانة مصر