وحدة الدراسات الأوروبية

كيف استغل المتطرفون الرسوم المسيئة لنشر الكراهية؟

لم تكن أزمة الرسوم المسيئة للرسول (ص) الأولى من نوعها، إذ سبقتها أزمات عدة، ارتبطت بإهانات لمقدسات إسلامية قام بها أفراد من الغرب، ومؤسسات مثل صحيفة “شارلي إبدو” التي عرضت رسومًا كاريكاتيرية مسيئة تسببت في أزمة واسعة النطاق، لا تزال تداعياتها ممتدة حتى الوقت الراهن. وفي الوقت الذي ينبغي التأكيد فيه على أن المساس بالمقدسات الدينية مرفوض؛ إلا أن الخطاب المتطرف لم يكن حلًّا ملائمًا، بل يمنح فرصًا لمتبني خطاب الكراهية، وإشاعة العداء. أزمة كاشفة  طرحت تداعيات أزمة الرسوم المسيئة العديد من الدلالات الهامة، من أبرزها ما يلي: الانتهازية السياسية أظهرت أزمة الرسوم المسيئة بصورة واضحة كيفية تبني “الانتهازية السياسية”…

د. عزة هاشم
خبير مشارك بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية

لم تكن أزمة الرسوم المسيئة للرسول (ص) الأولى من نوعها، إذ سبقتها أزمات عدة، ارتبطت بإهانات لمقدسات إسلامية قام بها أفراد من الغرب، ومؤسسات مثل صحيفة “شارلي إبدو” التي عرضت رسومًا كاريكاتيرية مسيئة تسببت في أزمة واسعة النطاق، لا تزال تداعياتها ممتدة حتى الوقت الراهن. وفي الوقت الذي ينبغي التأكيد فيه على أن المساس بالمقدسات الدينية مرفوض؛ إلا أن الخطاب المتطرف لم يكن حلًّا ملائمًا، بل يمنح فرصًا لمتبني خطاب الكراهية، وإشاعة العداء.

أزمة كاشفة

 طرحت تداعيات أزمة الرسوم المسيئة العديد من الدلالات الهامة، من أبرزها ما يلي:

الانتهازية السياسية

أظهرت أزمة الرسوم المسيئة بصورة واضحة كيفية تبني “الانتهازية السياسية” لدى بعض ممن استغلوا حالة الرفض والغضب والغيرة المشروعة على المقدسات في شن حملات من الشحن العاطفي على وسائل التواصل الاجتماعي، والتصعيد من خطاب الكراهية من خلال حملات تضمنت في العديد من الأحيان تحريفًا للواقع، وتضخيمًا في اتجاهات العداء حيال الغرب بشكل عام وفرنسا بشكل خاص.

وصم المعتدلين

 يتمثل أبرز ملامح الانتهازية السياسية خلال الوضع الراهن في وضع أصحاب الرؤى المعتدلة في موضع حرج، يجعلهم يُفرِطون في تبرير حسن نواياهم عندما يحاولون نقل الحقيقة دون تحريف أو مبالغة. لكنّ اللعب على وتر العاطفة قد يخلق مناخًا مهيِّئًا لتقبل الخطاب المتطرف، وخطاب الكراهية، ويضع الخطاب المعتدل في أزمة، قد تصل إلى الوصم الذي يجعل العديد من المعتدلين في حالة من الحذر وربما الخوف من الاتهامات بعدم الغيرة على الدين أو التعاطف مع الغرب. مثل هذا المناخ قد يخلق بيئة خصبة لتنامي العنف والإرهاب، ويخلق تبريرات لمن يتحيّنون الفرص، إما للحصول على مكتسبات من الأزمة، أو لتأكيد وصم المسلمين والترويج للصورة النمطية المغلوطة التي تصفهم بالعنف.

الحلقة المفرغة

المفارقة أنه في الوقت الذي يستخدم فيه المتطرفون الإسلامويون التطرف اليميني للادعاء بأن الغرب معادٍ وعنيف تجاه الإسلام، نجد على الجانب الآخر المتطرفين اليمينيين يستخدمون التطرف الإسلاموي ليجادلوا بخطورة المهاجرين المسلمين على أمن المجتمعات الغربية. على سبيل المثال: يروج المتطرفون الإسلامويون لأن هناك حربًا من الغرب ضد الإسلام يتم التدليل عليها من خلال تصاعد دعوات حظر الحجاب في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وحظر المآذن في سويسرا في عام 2009، ويستخدمون ذلك كتأكيد على القمع والظلم والعداء للإسلام، ويحاولون استخدامه لأغراض الإثارة السياسية والتصعيد.

من جهةٍ أخرى، يروج المتطرفون اليمينيون إلى خطورة المسلمين، وخاصة المهاجرين على المجتمعات الغربية، ويدللون على ذلك بالهجمات الإرهابية وحوادث العنف التي يرتكبها مسلمون. النتيجة هي تنامي الاتجاهات الرافضة للمسلمين في الغرب، وكذلك تنامي العداء حيال الغرب لدى بعض المجتمعات المسلمة، والدخول في دائرة مفرغة من التنميط والإدراك المغلوط لواقع الأمور، وهو ما قد يتبعه تصاعد اتجاهات العداء، التي تصل في بعض الأحيان إلى العنف. ولا شك في أن الهجمات الأخيرة مثّلت فرصة ذهبية لمتبني خطاب الكراهية ضد المسلمين والمهاجرين بشكل خاص.

فوبيا الإسلام

 استخدم اليمين في أوروبا الانتهازية السياسية عندما استغل الخوف من الإرهاب في تعزيز صعوده، من خلال تبنيه خطابًا متطرفًا يهدف إلى تصعيد المشاعر المعادية للمسلمين في أوروبا، تلك المشاعر التي قادت نحو مزيدٍ من الاتجاهات والسلوكيات الفردية المسيئة التي يتم استغلالها في مجتمعاتنا أيضًا في عمليات الشحن الانفعالي ضد الغرب، وتنمية خطاب كراهية قائم على إدراك بأن الغرب في حالة عداء مع الإسلام.

حصاد الكراهية

 لا شك في أن إدراكنا للأمور قد لا يتفق في العديد من الأحيان مع حقيقتها، ويبقى هذا الإدراك رهنًا بمجموعة مركبة من العوامل، التي قد توسع أو تضيق الفجوة بين ما يحدث وتصوراتنا حياله. وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى عددٍ من المعطيات على رأسها اتجاه بعض الأفراد للتطرف، كرد فعل على التصور الاستعماري الجديد للغرب وما يرتبط به من اضطهاد وظلم وأعمال عدائية ارتُكبت ضد المسلمين في مناطق الصراع مثل الشرق الأوسط وأفغانستان، وتثير هذه الصراعات الغضب والاستياء مع شعور بالعجز مما يجعل الأهداف السياسية للجماعات الإسلامية والمتطرفة جذابة لأولئك الذين يشعرون بالعجز، من جهة أخرى تُوحي جماعات التطرف بقدرتها على دعم القتال ضد الظالمين المتصورين للمسلمين في أوروبا وفي أجزاء أخرى من العالم، وهو ما يتيح فرصة للانتقام من العدو المتصور، بما في ذلك المجتمع المضيف الذي يمكن اعتباره بسبب سياسته الخارجية بمثابة الظالم. إن التضخيم في طرح ومعالجة حوادث الكراهية الفردية لدى البعض حيال المسلمين في الغرب خدم أغراض هذه التنظيمات، وجعلها بيئة حاضنة للراغبين في القتال ضد عدو مدرك.

وقد لعبت الصورة النمطية للمهاجر، وتحديدًا المهاجر المسلم، في أوروبا دورًا محوريًّا في تعزيز حالة الخوف المرضي (الرهاب) لدى قاعدة عريضة من مواطني دول الاتحاد الأوروبي من خطورة المهاجرين، ما أدى إلى ما يُمكن وصفه بـ”فوبيا المهاجرين” وما ترتب عليه من انتشار ظاهرة التمييز العنصري في هذه الدول، وما يحدث من عمليات إرهابية انتقامية، وخطاب عنف موجه للمجتمعات الأوروبية يُعزز بصورة كبيرة من هذه الصورة النمطية، من الجهة الأخرى يحدث التطرف التشاركي Co-radicalization في إطار الشعور بالتمييز الذي يواجهه شباب الأقليات المسلمة، والذي قد يؤدي إلى تحديد هوية جماعة إسلامية أقوى من خلال المشاركة في الممارسات الدينية المشتركة. وتعبّر هذه الممارسات عن هوية الفرد الدينية وتؤكدها. وفي المقابل، يمكن لأعضاء مجموعة الأغلبية أن يتفاعلوا بشكل سلبي أكثر مع هذه التجمعات، متصورين أنها تهدد هويتهم الثقافية ونظرتهم للعالم، ما يؤدي إلى الخوف من أن تتغلب تقاليد هذه على طريقة حياته الخاصة، وبالتالي على ترتيبات الوضع السائدة في المجتمع (“Eurabia”)، بل من غير المستبعد أن تسعى التنظيمات المتطرفة أحيان إلى تحريض السلطات الغربية على اتخاذ تدابير أكثر تشددًا وقسوة من أي وقت مضى حيال الأقليات المسلمة، ينجم عنها فصل الشباب المسلم عن المجتمع وجعله أكثر تقبلًا للرسائل المتطرفة ومحاولات التجنيد، وتساهم النزاعات بين الجماعات في المجتمع والاستجابات السياسية التي تتعامل مع هذا الأمر بإجراءات أكثر تقييدًا وربما أكثر تشددًا في جعل رسائل المتطرف أكثر مصداقية ورواجًا، ولا شك في أن ما يحدث جعل الأقلية المسلمة في أوروبا توجه أشكالًا مختلفة من سوء التقدير والإقصاء، وهو ما جعل المشاعر المعادية للمسلمين أكثر انتشارًا من مشاعر العداء ضد الأجانب بشكل عام في أوروبا، وتتصاعد هذه المشاعر السلبية لتصل إلى حد الخوف المرضي من الإسلام لدى الغرب “فوبيا الإسلام”، والرهاب من المهاجرين المسلمين الذين تم تنميطهم دون تمييز في الغرب بوصفهم تهديدًا محتملًا وقائمًا.

خلاصة القول إن الشعور بأن المسلمين يواجهون الكثير من المظالم وأن الغرب يسعى لتغيير الإسلام أو تدميره، أو حتى إنه في حالة حرب مع الإسلام؛ قد يمهد الطريق لإضفاء الشرعية على العنف كدفاع عن النفس، وبالتالي يتم الترويج لعدد من المغالطات، أبرزها أن على المسلم “الحقيقي” أن يتحمل القتال في وجه العدوان، ويصبح العنف شيئًا واجبًا وأخلاقيًا أو حتى إلزاميًّا للدفاع عن عقيدة المرء و”الإخوان” و”الأخوات” المهددين في جميع أنحاء العالم، ومن أجل تصحيح الأخطاء المتصورة يصبح العديد من المهاجرين المهيئين لتلقي هذه الرسائل متحمسين أخلاقيًّا لتبني العنف باسم جماعتهم الدينية ضد المظالم الغربية.

نقلا عن “تقديرات مصرية”، العدد ١٤

د. عزة هاشم
خبير مشارك بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية