تنمية ومجتمع

بداية النهاية: من يحصل على لقاح فيروس كورونا أولًا؟

في التاسع من شهر نوفمبر 2020، أعلنت شركتا فايزر الأمريكية وبيونتك الألمانية، وهما شركتان لتطوير وتصنيع الأدوية والمستحضرات الحيوية؛ أن نتائج المرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب السريرية على لقاح فيروس كورونا الذي تعاونت الشركتان في التوصل إليه، جاءت إيجابية وأثبتت فعالية للقاح بنسبة 95% في الوقاية من الإصابة بالعدوى، وذلك لمدة عام على الأقل. تبع ذلك بأيام إعلان شركة موديرنا الأمريكية للمستحضرات الدوائية، أن لقاحها المضاد لفيروس كورونا أظهر فاعليته الأساسية بنسبة 94.5%. ومؤخرًا، صدر بيان شركة أسترازينكا للمستحضرات الدوائية، معلنةً أن فعالية لقاح فيروس كورونا، الذي تطوره بالتعاون مع جامعة أكسفورد البريطانية، تصل إلى 70%. وخلال الشهر الجاري (ديسمبر)…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

في التاسع من شهر نوفمبر 2020، أعلنت شركتا فايزر الأمريكية وبيونتك الألمانية، وهما شركتان لتطوير وتصنيع الأدوية والمستحضرات الحيوية؛ أن نتائج المرحلة الثالثة والأخيرة من التجارب السريرية على لقاح فيروس كورونا الذي تعاونت الشركتان في التوصل إليه، جاءت إيجابية وأثبتت فعالية للقاح بنسبة 95% في الوقاية من الإصابة بالعدوى، وذلك لمدة عام على الأقل. تبع ذلك بأيام إعلان شركة موديرنا الأمريكية للمستحضرات الدوائية، أن لقاحها المضاد لفيروس كورونا أظهر فاعليته الأساسية بنسبة 94.5%. ومؤخرًا، صدر بيان شركة أسترازينكا للمستحضرات الدوائية، معلنةً أن فعالية لقاح فيروس كورونا، الذي تطوره بالتعاون مع جامعة أكسفورد البريطانية، تصل إلى 70%. وخلال الشهر الجاري (ديسمبر) من المتوقع أن يتم منح إذن طارئ من إدارة الأغذية والدواء الأمريكية FDA للشركات المطورة؛ لبدء تصنيع اللقاحات. وتخطط شركة فايزر لإنتاج 50 مليون جرعة من هذا اللقاح، فيما تعد شركة موديرنا بإنتاج 60 مليون جرعة، وهي الكميات التي ستكون كافية لتلقيح حوالي 50 مليون شخص على جرعتين ضد الفيروس قبل نهاية العام.

باختصار، يمكن القول إن نهاية الوباء أصبحت قريبة، ولكن سيستغرق الأمر بعض الوقت لإنتاج كميات من اللقاح تكفي لتلقيح حوالي 8 مليارات شخص حول العالم (16 مليار جرعة كل عام). كما سينشأ التساؤل حول أولوية الحصول على اللقاح فور إنتاجه، ومن سيتم تأجيل دوره في الحصول عليه. وإذا قورن الوضع الحالي بما حدث منذ أعوام حينما تفشى فيروس أنفلونزا الخنازير أو ما يُعرف بـH1N1؛ يتضح أن أول الحاصلين على اللقاح سيكونون بالتأكيد الأطقم الطبية التي تُعد خط الدفاع الأول ضد هذا الفيروس، ومن ثم سيتم تلقيح الأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات أو لخطر الوفاة بسبب الفيروس. ولكن كيف يمكن تحقيق العدالة في توزيع اللقاح بعد ذلك؟

توصيات العلماء حول ترتيب الأولويات

أصدرت الأكاديمية الوطنية للطب، وهي منظمة غير حكومية تقدم المشورة للحكومة الأمريكية فيما يخص السياسات الصحية والعلمية، بالتعاون مع مراكز السيطرة على الأمراض الأمريكية، في مطلع شهر أكتوبر 2020، تقريرًا يتضمن عددًا من التوصيات التي يمكن للبلدان الاعتماد عليها خلال توزيعها للقاحات فيروس كورونا المستجد حين توفرها. حيث قسم العلماء في هذا التقرير عملية توزيع اللقاحات إلى أربع مراحل؛ من أجل تحقيق أكبر قدر من العدالة في التوزيع، ولأول مرة في تاريخ توزيع اللقاحات تم الاعتماد على الفقر والضعف الاجتماعي (social vulnerability) كعناصر رئيسية في تقدير أولوية الحصول على اللقاح.

اشتملت المرحلة الأولى من عملية التوزيع على الأطقم الطبية الأكثر تعرضًا للإصابة بالفيروس، كما تضمنت أيضًا كبار السن (فوق 65 عامًا) والمصابين بأمراض مزمنة أخرى تجعلهم أكثر عُرضة للمضاعفات في حال إصابتهم بالفيروس، وهو ما يتوافق مع توصيات منظمة الصحة العالمية حول توزيع اللقاحات. والجديد في هذه التوصيات هو تضمين الأفراد الأكثر فقرًا واحتياجًا في هذه المرحلة، حيث يوضح التقرير أنه من العادل أن يتم توفير اللقاحات لهؤلاء الأفراد الذين يعيشون في مناطق مزدحمة وعشوائية، لا سيما وأن معدلات تفشي العدوى في تلك المناطق مرتفعة للغاية، وأنه إذا لم يتم التخلص من الفيروس في تلك المناطق، فمن الممكن له أن يتوطن فيها، ويصبح من المستحيل التخلص منه بشكل نهائي.

أما المرحلة الثانية، فتتضمن باقي كبار السن بجانب العمالة الأساسية في الدولة، والذين يتعاملون مع عدد كبير من الجمهور ويصعب عليهم تحقيق التباعد الاجتماعي أثناء العمل، مثل: سائقي الحافلات، والمدرسين، والعاملين في دور رعاية الأطفال وكبار السن، والمحال التجارية، وأماكن إنتاج الصناعات الأساسية، وأيضًا المقيمين في أماكن تكثر بها التجمعات مثل دور الرعاية أو بيوت الطلبة أو السجون. ويتبع ذلك، في المرحلة الثالثة، تلقيح الأطفال والشباب دون سن الثلاثين عامًا، وباقي العاملين والمعرضين للإصابة بالفيروس. وأخيرًا المرحلة الرابعة، والتي تتضمن تلقيح باقي الأفراد خارج الفئات السابقة.

وأوضح العلماء أيضًا، أن المخطط التدريجي لعملية التلقيح الجماعي يجب أن يكون مرنًا وقابلًا للتعديل في أي وقت، كما يجب التخطيط لكافة الأمور اللوجستية بشكل جيد؛ وذلك لتجنب أي معوقات قد تحدث أثناء عملية التوزيع، على غرار العثرات التي واجهتها السلطات الصحية الأمريكية خلال توزيعها لقاح فيروس أنفلونزا الخنازير، والذي أودى بحياة ما يزيد على 12 ألف مواطن أمريكي، حيث استعدت المقاطعات الأمريكية لبدء تلقيح المجموعة الأولى من المواطنين، ولكن شحنات اللقاح لم تصل إلى مراكز التلقيح إلا متأخرًا جدًا بعد أن زال تهديد الفيروس، وبالتالي لم تتم عملية التلقيح.

مبادرة كوفاكس للقاحات

على الصعيد العالمي، أطلقت منظمة الصحة العالمية، في أبريل 2020، مبادرة كوفاكس للقاحات (COVAX)؛ بهدف تسريع تطوير وتصنيع لقاحات فيروس كورونا، مع ضمان إتاحة حوالي ملياري جرعة من اللقاح بنهاية عام 2021، بشكل عادل ومنصف لتلقيح كافة الأطقم الطبية وكذلك الأفراد الأكثر عرضة للإصابة بالمضاعفات أو للوفاة بسبب الفيروس. ويشترك في إدارة المبادرة مع منظمة الصحة العالمية، كل من التحالف العالمي من أجل اللقاحات والتمنيع (غافي)، والائتلاف المعني بابتكارات التأهب لمواجهة الأوبئة (CEPI). ووصل إجمالي عدد البلدان المُنضمة للمبادرة إلى 184 دولة، ذات دخول مرتفعة ومنخفضة ومتوسطة، تمثل تقريبًا ثلثي سكان العالم، منها دول الاتحاد الأوروبي والصين ومصر، بينما رفضت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الانضمام لتلك المبادرة.

تعتمد مبادرة كوفاكس على خلق محفظة متنوعة من اللقاحات، مع تطبيق آلية التزام السوق المسبق أو ما يُعرف بـ AMC، وهي آلية تستعين بها الحكومات بها في الظروف التي تكون فيها تكلفة تطوير منتج جديد عالية للغاية، بحيث لا تكون مجدية للقطاع الخاص دون ضمان كمية معينة من المشتريات بشكل مسبق، وعبر تلك الآلية ستجمع المنظمة أموالًا من الدول ذات الدخل المرتفع، في مقابل ضمان حصولها على ما يكفي من جرعات اللقاح فور توفره حتى لو فشلت صفقاتها الثنائية مع الشركات المنتجة، لتلقيح ما بين 10-50% من سكانها، وفقًا للمبلغ الذي تم دفعه، مع ضمان حق الشركات المنتجة للقاحات في بيع كميات كبيرة من اللقاح. وبجانب التوزيع على البلدان، سيتم الاحتفاظ بمخزون مؤقت يبلغ نحو 5% من إجمالي عدد الجرعات المتاحة من اللقاح جانبًا؛ لبناء مخزون للمساعدة في مقاومة تفشي الأمراض الحادة ودعم المنظمات الإنسانية. على سبيل المثال لتطعيم اللاجئين الذين قد لا يتمكنون من الوصول للقاح.

ومن خلال هذه المبادرة يتم جمع تبرعات مالية من أجل توفير اللقاحات للبلدان ذات الدخول المنخفضة والمتوسطة، وحتى الآن تم تمويل المبادرة بحوالي 5.1 مليارات دولار أمريكي من إجمالي المبلغ الذي تعهدت به الدول المانحة، فيما أعلنت منظمة الصحة العالمية عن الحاجة العاجلة إلى توفير 4.2 مليارات دولار أخرى خلال هذا العام، و23.9 مليار دولار مطلوبة خلال العام المقبل، لضمان نشر اللقاحات بسرعة وفعالية. ومن المفترض أن تتبع جميع البلدان المشاركة في المبادرة خطة لتوزيع اللقاح بشكل عادل، من خلال منح ما يكفي من جرعات اللقاح للبلدان الأكثر احتياجًا لتطعيم 20% من سكانها، وفي مقدمتهم بالطبع الأطقم الطبية؛ لمنع الاكتناز الذاتي للقاحات على المستوى الوطني، وتحصين الأفراد الأكثر عرضة للخطر في كل بلد، بدلًا من تلقيح سكان الدول الأكثر ثراءً فقط. وتتضمن محفظة لقاحات مبادرة كوفاكس، حتى الآن تسعة لقاحات مرشحة للوقاية من فيروس كورونا، يجري تقييم خمسة منها في المراحل السريرية، واثنين في المراحل قبل السريرية، وهي:

1. لقاح موديرنا: الولايات المتحدة الأمريكية (تم الإعلان عن نتائج المرحلة الثالثة من التجارب السريرية).

2. لقاح أسترازينيكا/ جامعة أكسفورد: المملكة المتحدة/أيرلندا الشمالية (تم الإعلان عن نتائج المرحلة الثالثة من التجارب السريرية).

3. لقاح إينوفيو: الولايات المتحدة (المرحلة الأولى/ الثانية).

4. لقاح نوفافاكس: الولايات المتحدة (المرحلة الأولى/ الثانية).

5. لقاح كيورفاك: ألمانيا (المرحلة الأولى).

6. لقاح كلوفر بيوفارماسيوتيكلز: الصين (المرحلة الأولى).

7. لقاح جامعة كوينزلاند/ مختبرات سي أس إل: أستراليا (المرحلة الأولى).

8. لقاح جامعة هونج كونج: الصين (مرحلة ما قبل التجارب السريرية).9. اللقاح المشترك بين معهد باستور/ ميرك/ ثيميس: فرنسا/ الولايات المتحدة/ النمسا (مرحلة ما قبل التجارب السريرية).

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة