وحدة قضايا المرأة والأسرة

طريق طويل وخطوات في سبيل التمكين الاقتصادي للمرأة المصرية

بدأ مصطلح التمكين الاقتصادي للمرأة في الظهور في تسعينيات القرن العشرين، من خلال الوثائق الدولية الخاصة بالمرأة، والصادرة عن هيئة الأمم المتحدة. ويُعرف مصطلح التمكين الاقتصادي للمرأة بأنه “العملية التي تستطيع المرأة من خلالها الانتقال من موقع قوة اقتصادي أدنى في المجتمع إلى موقع قوة اقتصادي أعلى، وذلك من خلال ازدياد سيطرتها وتحكمها بالموارد الاقتصادية والمالية الأساسية، وهي: الأجور، ورأس المال، والملكيات العينية، وهو ما يمنحها في الدرجة الأولى استقلالية مادية مباشرة”. وقد اتخذت سياسات تمكين المرأة اقتصاديًا موقعًا متقدمًا على سلم أولويات غالبية الدول. ويرجع هذا الاهتمام إلى عدة عوامل، منها: محاربة الفقر، وتحقيق التنمية البشرية المستدامة. فالتمكين الاقتصادي…

آلاء برانية
باحث بوحدة دراسات المرأة وقضايا الأسرة

بدأ مصطلح التمكين الاقتصادي للمرأة في الظهور في تسعينيات القرن العشرين، من خلال الوثائق الدولية الخاصة بالمرأة، والصادرة عن هيئة الأمم المتحدة. ويُعرف مصطلح التمكين الاقتصادي للمرأة بأنه “العملية التي تستطيع المرأة من خلالها الانتقال من موقع قوة اقتصادي أدنى في المجتمع إلى موقع قوة اقتصادي أعلى، وذلك من خلال ازدياد سيطرتها وتحكمها بالموارد الاقتصادية والمالية الأساسية، وهي: الأجور، ورأس المال، والملكيات العينية، وهو ما يمنحها في الدرجة الأولى استقلالية مادية مباشرة“. وقد اتخذت سياسات تمكين المرأة اقتصاديًا موقعًا متقدمًا على سلم أولويات غالبية الدول. ويرجع هذا الاهتمام إلى عدة عوامل، منها: محاربة الفقر، وتحقيق التنمية البشرية المستدامة. فالتمكين الاقتصادي للمرأة يؤدي -بدوره- إلى ارتفاع مستوى معيشة الأسرة بشكل عام، علاوة على ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي. وعلى الرغم من أن النساء يشكلن ما يقرب من 3.82 مليارات نسمة مقابل 3.89 مليارات للرجل، فإن مساهماتهن في مقاييس النشاط الاقتصادي والنمو والرفاهية ما زالت أقل بكثير من المستوى الممكن، فلا تزال أسواق العمل في مختلف أنحاء العالم مقسمة على أساس النوع الاجتماعي (الجندر)، ولا يزال تمثيل الإناث منخفضًا في المناصب العليا وفي مجال ريادة الأعمال.

واقع التمكين الاقتصادي للمرأة المصرية

هناك العديد من المؤشرات التي يمكن الاستناد لها في تقييم الوضع الراهن للتمكين الاقتصادي للمرأة المصرية، والتي يمكن إجمالها فيما يلي:

١. معدلات البطالة بين الإناث:(1)

أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أغسطس 2020 بشأن نتائج بحث القوى العاملة للربع الثاني (أبريل-يونيو) لعام 2020، أن عدد المتعطلين خلال الفترة المذكورة بلغ 2,574 مليون متعطل (1,934 مليون من الذكور، 640 ألفًا من الإناث) بنسبة 9,6٪ من إجمالي قوة العمل، وقد بلغ معدل البطالة بين الذكور حوالي 8,5% مقابل حوالي 16,2٪ بين الإناث خلال الربع الثاني لعام 2020. وهو الأمر الذي يثير تساؤلًا يخص مشكلات النساء في دخول سوق العمل، وقدرة القطاعات المولدة للوظائف على استيعاب عمالة النساء وتوفير بيئة عمل مناسبة لهن.

٢. النساء المعيلات في مصر: (2)

أوضح الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أنه يوجد حوالي 12 مليون امرأة معيلة في مصر، وقد بلغت نسبة الأميات من المعيلات حوالي 59.1%، يليهن الحاصلات على مؤهل متوسط 17.6%، ثم الحاصلات على مؤهل جامعي بنسبة 8.5%، موضحًا أن معظم الإناث معيلات الأسر في تعداد 2017 من الأرامل، حيث بلغت النسبة 70.3% من إجمالي الإناث معيلات الأسر على مستوى الجمهورية، يليهن المتزوجات بنسبة 16.6%، ثم المطلقات 7.1%.

عوائق التمكين الاقتصادي للمرأة المصرية

بموجب الدستور المصري، تتمتع المرأة بحقوق متساوية في العمل دون تمييز، إلا أن الواقع يقول إن قرابة نصف عدد النساء العاملات في وظائف بالقطاع غير الرسمي يتقاضين أجورًا متدنية في مهن قد يغيب عنها إمكانية الحصول على ضمان اجتماعي.

كما لا تزال الأمية(3) تمثل عائقًا أمام معظم النساء في سبيل التمكين الاقتصادي، فوفقًا لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2017 بلغ معدل الأمية للذكور 21.1% مقابل 30.8% للإناث عام 2017، وأغلب هذه النسبة من الإناث لا يتاح لهن الحصول على وظيفة في القطاع الرسمي، وعليه يُعتبر التعليم من أهم العوامل التي ترتبط بالتمكين الاقتصادي للمرأة. فمن خلال التعليم تكتسب المرأة المهارات والقدرات التي تسمح لها بالمشاركة في سوق العمل والإنتاج، وبالتالي الحصول على دخل عالٍ، وإمكانية ممارسة حقها في اتخاذ القرارات التي تمسّ حياتها وحياة أسرتها.

كما تؤثر أيضًا العوامل الاجتماعية والموروثات الثقافية بشكل سلبي على مشاركة المرأة المصرية في الحياة العامة. حيث تواجه عادات وثقافات تحدّ من نشاطها خارج المنزل، وتُقلل من استقلالها الشخصي، وحصولها على الموارد، وتحرمها أحيانًا من حقها في التعليم والتدريب وتلقي الخدمات بشكل مناسب.

جهود الدولة لتمكين المرأة اقتصاديًّا

١. التمكين الاقتصادي للمرأة في استراتيجية 2030(4)

تهدف استراتيجية التمكين الاقتصادي للمرأة المصرية إلى تنمية قدرات المرأة لتوسيع خيارات العمل أمامها، وزيادة مشاركتها في قوة العمل، وتحقيق تكافؤ الفرص في توظيف النساء في كافة القطاعات، بما في ذلك القطاع الخاص وريادة الأعمال، وتستهدف الاستراتيجية في 2030 تحقيق الآتي: 

  • زيادة نسبة مشاركة المرأة في قوة العمل إلى 35% بحلول 2030.
  • الوصول بمعدل بطالة الإناث إلى 16%.
  • زيادة نسبة النساء اللواتي يشغلن وظائف إدارية إلى 12% في 2030، ونسبة النساء في وظائف مهنية إلى 48%.
  • زيادة نسبة المشروعات الصغيرة الموجّهة للمرأة إلى 50%، ونسبة الإقراض متناهي الصغر الموجه للمرأة إلى 53%..

كما ألزمت الاستراتيجية بضرورة حماية حقوق المرأة العاملة وتقديم الخدمات المساندة، من خلال تفعيل القوانين التي تضمن حقوقها فيما يتعلق بساعات العمل والإجازات والمساواة مع الذكور في الأجر، لا سيما في القطاع الخاص، كما أقرت بضرورة إجراء دراسات حول المساهمة الاقتصادية لعمل المرأة غير مدفوع الأجر داخل المنزل، وتطبيق نظم التشغيل المرن والعمل من المنزل لإعطاء المرأة خيار الجمع مع الموازنة بين عملها ودورها الأسري.

٢. تمكين المرأة من واقع التشريعات والقوانين:

ومن بوتقة الاستراتيجية كان لزامًا الخروج بعدة تشريعات وقوانين تتيح للمرأة الحصول على فرصها المنشودة في التمكين الاقتصادي، وكان أهم هذه القوانين والتشريعات:

  • تعديل القانون رقم 77 لسنة 1943 بشأن المواريث:

تضمن تعديل القانون إضافة المادة 49 التي قررت الحبس لمدة لا تقل عن ستة أشهر، وغرامة لا تقل عن عشرين ألف جنيه، ولا تجاوز مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين لكل من امتنع عمدًا عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي من الميراث. وهو الحق المسلوب الذي عانت منه المرأة، خاصةً في المناطق الريفية والصعيد بسبب العادات والتقاليد الموروثة بعدم توريثها وتمكينها من مواردها المالية.

  • قانون الخدمة المدنية رقم 81 لسنة 2016:

أعطى تعديل القانون للمرأة العاملة امتيازات إضافية في مجال رعاية الطفولة والأمومة، كمدّ أجازة الوضع لمدة أربعة أشهر، وتخفيض ساعات العمل اليومية للموظفة التي تُرضع طفلها وحتى بلوغه العامين، بالإضافة إلى إمكانية منحها أجازة بدون أجر لرعاية طفلها لمدة عامين في المرة الواحدة مع أجازة ترقيتها خلال تلك الأجازة دون الحاجة منها لعودتها للعمل وقطع الأجازة.

  • مشروع “قانون الصندوق القومي لرعاية المرأة المصرية”:

تم إعداد مشروع “قانون الصندوق القومي لرعاية المرأة المصرية”، ويهدف إلى تقديم الرعاية للمرأة في كافة المجالات وخاصة الاقتصادية، من خلال دعم وزيادة مساهمتهن في الخطط القومية للتنمية. وإقامة وتمويل عدد من البرامج والمشروعات الخاصة بتمكين المرأة اقتصاديًّا.

٣. البرامج والمشروعات:(5)

بذلت الدولة المصرية العديد من الجهود في سبيل تمكين المرأة في مجال المشروعات الصغيرة والمتوسطة؛ فبحسب التقرير الصادر عن جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة في أغسطس 2019، تزايد إجمالي القروض التي ضخها جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة للسيدات؛ ليرتفع إلى 118806 مشروعات خلال عام 2018، بإجمالي مبالغ منصرفة بلغت 1,885 مليار جنيه خلال هذا العام.

كما قامت الدولة بتنفيذ عدة برامج ومشروعات بهدف تحقيق التمكين الاقتصادي للمرأة؛ تشمل:

  •  الادخار والإقراض، ومشروع “منتج واحد قرية واحدة”.
  •  برنامج الدعم النقدي “تكافل وكرامة”، والذي يهدف إلى حماية الفقراء من خلال تقديم دعم نقدي بشكل دوري. وتجدر الإشارة إلى أن ٨٨٪ من حاملي كروت الدعم النقدي من السيدات.
  •  برنامج الشمول المالي للمرأة، وإعداد كوادر لنشر الوعي بمفهوم الشمول المالي، وتوعية السيدات بالخدمات البنكية. وفي هذا الصدد، تم توقيع بروتوكول الشمول المالي للمرأة بين البنك المركزي المصري والمجلس القومي للمرأة في سبتمبر 2017. ويأتي هذا البروتوكول في إطار مبادرة للتمويل متناهي الصغر بقيمة 6.1 مليارات جنيه أطلقها البنك المركزي من أجل تحقيق الشمول المالي بقصد ضمان التمويل المصرفي للمشروعات متناهية الصغر للنساء.

يبقى في النهاية التأكيد على أن تمكين المرأة اقتصاديًا يُعتبر هو الطريق الصحيح لمشاركة فاعلة في المجتمع، مما يقتضي بناء قدراتهن عن طريق مساعدتهن على امتلاك المهارات اللازمة في التخطيط والإدارة والتفكير الإبداعي وقيادة المجموعات، لهذا فإن تحقيق التمكين الاقتصادي للمرأة يتطلب خططًا وجهودًا موجهة تتناول العوامل المختلفة التي تؤدي إلى هذا التمكين.

المصادر

نتائج بحث القوى العاملة للربع الثاني (إبريل – يونيو) لعام 2020, الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، جريدة الأهرام.

تمكين المرأة المعيلة اقتصاديًّا.. مبادرة المشروعات متناهية الصغر نموذجًا، الهيئة العامة للاستعلامات.

الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بيان صحفي في اليوم العالمي لمحو الأمية, 8 سبتمبر 2019.

استراتيجية التنمية المستدامة – مصر 2030, رئاسة مجلس الوزراء.

جهاز المشروعات الصغيرة والمتوسطة نفذ 119 ألف مشروع للمرأة المعيلة خلال 2018 بإجمالي 1,885 مليار جنيه, الهيئة العامة للاستعلامات , أغسطس 2019.

آلاء برانية
باحث بوحدة دراسات المرأة وقضايا الأسرة