وحدة قضايا المرأة والأسرة

بين الضرورة والترف: السياسة الخارجية النسوية ودعم السلام

منذ أواخر السبعينيات ومع الإعلان عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) احتلت حقوق المرأة مكانة متميزة في صنع السياسات عن طريق اعتراف المؤسسات الدولية والمحلية في عدد قليل من الدول بأهمية تمثيل المرأة، مما أدى إلى عددٍ من الإصلاحات في وضع المرأة، ولكن تلك الإصلاحات اقتصرت على المستوى الوطني ولم ترتقِ إلى المستوى العالمي، حتى بدأ ظهور عددٍ من البرامج والاتفاقيات والقرارات الدولية الأخرى التي عززت من مكانة المرأة على مستوى العالم. فخلال السنوات الماضية وضعت بلدان كثيرة عددًا أكبر من النساء في دوائر صنع القرار الخاصة بالسياسة الخارجية حتى أصبح هناك 34 دولة لديها وزيرة…

مي عجلان
باحثة في شئون المرأة والسلام والأمن

منذ أواخر السبعينيات ومع الإعلان عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) احتلت حقوق المرأة مكانة متميزة في صنع السياسات عن طريق اعتراف المؤسسات الدولية والمحلية في عدد قليل من الدول بأهمية تمثيل المرأة، مما أدى إلى عددٍ من الإصلاحات في وضع المرأة، ولكن تلك الإصلاحات اقتصرت على المستوى الوطني ولم ترتقِ إلى المستوى العالمي، حتى بدأ ظهور عددٍ من البرامج والاتفاقيات والقرارات الدولية الأخرى التي عززت من مكانة المرأة على مستوى العالم. فخلال السنوات الماضية وضعت بلدان كثيرة عددًا أكبر من النساء في دوائر صنع القرار الخاصة بالسياسة الخارجية حتى أصبح هناك 34 دولة لديها وزيرة للخارجية، و84 دولة تشغل المرأة فيها منصب وزيرة التجارة، و20 دولة بها امرأة وزيرة للدفاع، واعتمد عدد كبير من الدول خطط عمل وطنية من أجل تمكين النساء.

وفي الإطار ذاته، تزايد التركيز على دمج المرأة وحقوقها في الأجندات الوطنية عقب قرار مجلس الأمن رقم 1325 الصادر في عام 2000 والذي يحث الدول الأعضاء على ضرورة زيادة تمثيل المرأة على جميع مستويات صنع القرار في المؤسسات والآليات الوطنية والإقليمية والدولية لمنع الصراعات وإدارتها وحلها، إلى جانب وضع خطة عمل وطنية لضمان مشاركة المرأة في جميع مستويات صنع القرار. وكان صدور ذلك القرار الأممي بناء على إعلان منهاج عمل بيجين، حيث تنص الفقرة 134 من إعلان بيجين على “في عالم يتسم باستمرار عدم الاستقرار وبالعنف، ثمة حاجة ملحة إلى تنفيذ نهج تعاوني تجاه السلم والأمن، ووصول المرأة إلى هياكل السلطة ومشاركتها الكاملة فيها على قدم المساواة، ومشاركتها الكاملة في جميع الجهود التي تُبذل من أجل منع النزاعات وتسويتها، وكلها أمور أساسية لصون وتعزيز السلام والأمن“، لذا اتخذت هذه الدول مناهج عمل من أجل تعزيز المساواة بين الجنسين، ووضع المرأة وقضاياها كأولوية للسياسة الخارجية، وهو ما ظهر بوضوح عام 2014 حيث أعلنت وزيرة الخارجية السويدية “مارجوت والستروم” تطبيق أول سياسة خارجية نسوية في العالم (FFP)، لتأتي بعدها كندا بالإعلان عن سياسة المساعدة الدولية النسوية في عام 2017، وبعد ذلك ظهرت الدبلوماسية النسوية الفرنسية التي أطلقتها فرنسا من أجل المساواة بين الجنسين في عام 2019.

ماهية السياسة الخارجية النسوية وركائزها

يمكن تعريف السياسة الخارجية النسوية (FFP) بأنها سياسة الدولة ذات السيادة في تفاعلها مع الدول الأخرى ذات السيادة على أساس المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين الجنسين كأولوية باستخدام جميع أدوات التأثير (كالمساعدة الإنسانية والاقتصادية والتجارة والدفاع والدبلوماسية) لتعزيز عالم أكثر إنصافًا للجنسين، وهذا يعني أن السياسة الخارجية النسوية لا تقتصر على النساء فقط، ولكنها تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث تهدف إلى الأخذ بعين الاعتبار أهمية دمج منظور جنساني عبر الأداة الرسمية الخارجية للدولة وهي السياسة الخارجية. وكما أن السياسة الخارجية تتأثر بعدد من العوامل المختلفة كالموقع الجغرافي، والمكانة الدولية، والوضع الاقتصادي والعسكري للدولة، وفعاليتها الإقليمية والدولية، تتأثر أيضًا السياسة الخارجية النسوية بوضع النساء داخل تلك الدولة وما يمارسنه من أدوار اجتماعية ليصبح الترويج لذلك تبني تلك السياسة على عددٍ من الركائز:

  • المعاهدات والاتفاقيات الدولية والإقليمية والوطنية المراعية للنوع الاجتماعي التي تتبناها الدولة.
  • تعميم منظور النوع الاجتماعي في القطاعات المختلفة داخل الدولة، سواء كانت الرسمية أو غير الرسمية.
  • الوفود الرسمية الممثلة عن الدولة خارجيًّا ومدى مراعاتها منظور النوع الاجتماعي.

ضرورة ملحّة أم ترف فكريّ؟

وفي الإطار ذاته ومنذ إعلان القرار الأممي رقم 1325 الذي ربط المرأة بالسلام والأمن، اتّخذ مجلس الأمن عددًا من القرارات المكملة التي تستهدف النساء، ففي عام 2008 أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1820 كأول قرار رسمي بشأن العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، والذي يتم استخدامه كسلاح حرب في المجتمعات التي تمزقها النزاعات وتمر بضغوط اجتماعية واقتصادية، حيث يستعرض القرار العنف الجنسي واستخدامه كوسيلة من وسائل الحرب. ومنذ ذلك الحين لم يعد ينظر للاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي على أنها من الآثار الجانبية الحتمية للنزاعات المسلحة، بل أصبحت تعامل باعتبارها جرائم ضد الإنسانية. وبناء على ذلك تم إدراج العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات ضمن الأعمال المحظورة في أحكام اتفاقات وقف إطلاق النار واتفاقيات السلام، وركزت قرارات المتابعة اللاحقة: 1888 (2009)، 1889 (2009)، 1960 (2010)، على منع العنف الجنسي المرتبط بالنزاع والتصدي له، وكان ذلك اعترافًا عالميًّا بما تتعرض له المرأة من انتهاكات مرتبطة بجنسها ونوعها الاجتماعي، إلى جانب تصنيفها من أكثر الفئات تهميشًا، ومن هنا اتجه عدد كبير من الدول لوضع الاستراتيجيات الوطنية الخاصة بالمرأة والسلام والأمن، وكان اختيار تطبيق السياسة الخارجية النسوية ضروريًّا في تلك المرحلة بهدف ترسيخ وجود سلام مستدام في العالم عن طريق وضع إطار للسياسة الخارجية تحتل فيه حقوق المرأة والأقليات المهمشة مركزًا أساسيًا في القرارات السياسية.

فالسياسة الخارجية النسوية لا توفر فرصًا للتركيز على دور المرأة في السياسة العالمية فقط، بل تركز على جهود الدول في تعزيز العدالة بين الجنسين على المستوى الدولي، وتمكين وحماية النساء والفتيات، والحد من عدم المساواة بين الجنسين والعنف، إلى جانب التركيز على النوع الاجتماعي والأدوار الاجتماعية للرجال والنساء، خاصة أن المجال العام لمؤسسات الدولة ارتبط -إلى حدٍّ كبير- بهيمنة الرجال، وهذا بدوره أدى إلى تعريف السياسة الخارجية بأنه الفضاء الذي لا مكان للنساء فيه بسبب القيود التي يضعها النظام الأبوي المؤسسي، وهنا تأتي أهمية السياسة الخارجية النسوية التي جعلت الفرد لا الدولة المرتكز الأساسي للأمن من خلال التركيز على احتياجات الفئات المهمشة “كالنساء” ووجهات نظرهم في السياسة الخارجية، وذلك من أجل تعزيز الأمن البشري الذي يُعرَّف على أنه “اتخاذ تدابير شاملة وقائية محورها الفرد، وتكون ملائمة لسياقات محددة، بحيث تعزز حماية جميع الأفراد وتمكينهم“، فإذا كانت الدولة تنعم بالأمن فهذا لا يدل على أن شعبها ينعم هو أيضًا بالأمن؛ فامتلاك المزيد من الأسلحة المتطورة لا يعني مزيدًا من الأمن، ولم يعد امتلاك الأسلحة النووية والتهديد باستخدامها في المحافل الدولية ضمانة للأمن باعتبارها السلاح الأكبر، حيث أصبح الآن تعزيز حقوق الأفراد والأمن الإنساني والبشري هما الضمانة الأساسية للأمن، فهناك دول أنشأت وزارات للسلام ككندا وإثيوبيا من منطلق أن تعزيز السلام مهمٌّ للسياسة الخارجية بقدر أهمية الدفاع الوطني، فالمناداة بتعزيز المساواة بين الجنسين لا تنحصر فقط في كونها حقوقًا إنسانية تستوجب الحماية، وإنما أصبحت وسيلة لتعزيز المصالح الأمنية، فالمرأة بشكل عام تشكل 50% من سكان أي دولة، لذا فإن تحسين وضع النساء يكافح التطرف، ويعزز فرص السلام الدائم والديمقراطية. 

إضافة إلى ذلك، فإن تطبيق السياسة الخارجية النسوية يضع المرأة وحقوقها في مكانة متميزة، إلى جانب وجود توزيع أكثر إنصافًا للسلطة في المجتمعات التي يمزقها الصراع في المنطقة العربية التي لا تزال النساء فيها يفتقدن الحصول على حقوقهن الأساسية، كالتعليم والصحة، ولا تزال الهياكل والمؤسسات الرسمية تمنح الأفضلية لخبرات الرجال وأفكارهم، ويظهر ذلك في تسميات مثل: رجال الدولة وليس نساء الدولة، صناع القرار وليس صانعات القرار، المحاربين، اللاجئين، سجناء الحرب، وكلها تصنيفات لا تُعبّر عن النساء بشكل عام إلى جانب تهميشهن في عمليات السلام والمفاوضات، فخلال الفترة من 1990-2017 شكلت النساء 2٪ فقط من وسطاء السلام، و8٪ من المفاوضين، و5٪ فقط ممن شهدوا أو وقّعوا اتفاقيات في جميع عمليات السلام الرئيسية.

ومن هنا فإن تعزيز المساواة، ومراعاة النوع الاجتماعي، واستحداث سياسات قائمة على تعزيز مكانة النساء، ووضعهن داخل دول النزاع في المنطقة العربية؛ سيحطم الاعتقاد الشائع بأن الآليات التي تدمج مفاهيم النوع الاجتماعي هي فقط استحقاق للدول الغنية والمتقدمة، خاصةً أن الوضع القائم حاليًّا داخل تلك الدول المتنازعة في المنطقة لا يصلح أن يكون المعيار السائد مدى الحياة، فالوضع غير منصف، هناك فقط نسبة صغيرة من الأشخاص يصيغون عددًا من الآليات والمعايير في ظل غياب من هم متضررون بالفعل من تلك النزاعات، ولا يتم مراعاة احتياجاتهن في تلك القرارات، خاصة أن السلام يكون أفضل حينما يتم إبرامه بالاشتراك مع النساء، حيث يتباحثنَ بصورة أكثر إنسانية ويفكرن أكثر في المستقبل.

وعلى الرغم من الصعوبة في تطبيق مصطلح السياسة الخارجية النسوية داخل المنطقة العربية، إلا أن الحاجة أصبحت الآن ملحة أكثر من أي وقت مضى لدمج سياسة خارجية نسوية، تعمل على بناء علاقات قوية ومتعاونة بين الدول والجماعات المختلفة لحماية حقوق الإنسان، حيث يجب على الحكومات العمل على تعزيز المساواة بين الجنسين، وتعزيز وضع النساء والفتيات في الداخل والخارج، إلى جانب إعطاء الأولوية للتوازن بين الجنسين في التوظيف، وتوفير القوانين والتشريعات المختلفة للتصدي للظواهر السلبية كالعنف بجميع أنواعه، وإشراكهن في عمليات السلام والمفاوضات الرسمية، وأيضًا يجب الأخذ في الاعتبار أن هناك أربع دول من أصل الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي الذي يقع على عاتقه الحفاظ على السلام والأمن الدوليَّين وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، هي من الدول الخمس الأولى المصدِّرة للأسلحة على مستوى العالم، حيث بلغت نسبة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وفرنسا والصين، إلى جانب ألمانيا، 74% من جميع صادرات الأسلحة خلال الأعوام من 2013-2017، فبدلًا من تصدير الأسلحة كان الأجدر أن تؤدي تلك الدول دورًا رياديًا في تعزيز السلام في مختلف أرجاء العالم لوقف تلك النزاعات المسلحة بدلًا من تأجيجها.

المصادر:

  • مكي معمري، بلدان تُمكن المرأة بتبني سياسة خارجية نسائية، الإمارات اليوم، تاريخ الدخول 25-22-2020، متاح على الرابط التالي: 

https://www.emaratalyoum.com/politics/weekly-supplements/beyond-politics/2020-03-12-1.1318756

  • عديلة محمد الطاهر، المقاربة النسوية للعلاقات الدولية، ملتقى الباحثين السياسين العرب، تاريخ الدخول 26-11-2020، متاح على الرابط التالي:
  • السياسة الخارجية النسوية ضرورةٌ من أجل عالمٍ أكثر أمنًا وعدلًا، تاريخ الدخول 26-11-2020، متاح على الرابط التالي:

https://lb.boell.org/ar/2019/03/07/lsys-lkhrjy-lnswy-drwrun-mn-jl-lmin-kthr-mnan-wdlan

  • رنيم العفيفي، السياسة الخارجية النسوية لماذا أخفق التطبيق، ولها وجوه أخرى، تاريخ الدخول 26-11-2020، متاح على الرابط التالي:
مي عجلان
باحثة في شئون المرأة والسلام والأمن