وحدة الدراسات العربية والإقليمية

ماذا تعني سيطرة المغرب على معبر “الكركرات”؟

تصدر النزاع حول الصحراء الغربية واجهة الأحداث مجددًا بعد سكون متقطع دام قُرابة ثلاثين عامًا، فبعد اعتصام عناصر جبهة “البوليساريو” أمام معبر “الكركرات” (أكتوبر 2020) لوقف حركة البضائع والأفراد بين المغرب وموريتانيا، أعلنت وزارة الخارجية المغربية إطلاق عملية عسكرية لفتح المعبر. وهو ما دفع الجبهة لإنهاء العمل باتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة مع المغرب (1991)، وإعلان حالة الحرب. ومن هنا تبدو أهمية البحث في أسباب تجدد هذا التوتر، ودلالات الإجراءات التي تبناها أطراف الصراع، ومواقف الفواعل المهتمين بملف الصحراء الغربية، وصولًا لاستشراف المسارات المُحتمل أن تتخذها الأزمة مستقبلًا. جذور الصراع ومحفزات تجدده حرص الاستعمار الإسباني على خلق إشكالية يصعب حلها…

د. محمد مجاهد الزيات - حسين عبدالراضي

تصدر النزاع حول الصحراء الغربية واجهة الأحداث مجددًا بعد سكون متقطع دام قُرابة ثلاثين عامًا، فبعد اعتصام عناصر جبهة “البوليساريو” أمام معبر “الكركرات” (أكتوبر 2020) لوقف حركة البضائع والأفراد بين المغرب وموريتانيا، أعلنت وزارة الخارجية المغربية إطلاق عملية عسكرية لفتح المعبر. وهو ما دفع الجبهة لإنهاء العمل باتفاقية وقف إطلاق النار الموقعة مع المغرب (1991)، وإعلان حالة الحرب. ومن هنا تبدو أهمية البحث في أسباب تجدد هذا التوتر، ودلالات الإجراءات التي تبناها أطراف الصراع، ومواقف الفواعل المهتمين بملف الصحراء الغربية، وصولًا لاستشراف المسارات المُحتمل أن تتخذها الأزمة مستقبلًا.

جذور الصراع ومحفزات تجدده

حرص الاستعمار الإسباني على خلق إشكالية يصعب حلها بعد انسحابه من الصحراء (1975)، فقام بتوقيع اتفاق تقسم فيه الأخيرة بنسبة 2-1 بين المغرب وموريتانيا على الترتيب، متجاهلًا مطالبات الشعب الصحراوي والبوليساريو (تأسست عام 1973). وفي أعقاب الانسحاب الإسباني اندلعت المواجهات بين جبهة البوليساريو والرباط ونواكشوط، وأعلنت الأخيرة انسحابها من الصحراء (1979) لتضم المغرب حصتها لولايتها، ولم تنتهِ المواجهات إلا بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار (عام 1991) بين المغرب والجبهة برعاية أممية. ونص الاتفاق على تشكيل قوة أممية (مينورسو)، وتحددت مهمتها بمراقبة التزام الطرفين بوقف الأعمال العدائية والأنشطة الاستفزازية، وكذلك الإعداد لإجراء استفتاء تقرير مصير للشعب الصحراوي، في فترة قُدرت بستة أشهر من تاريخ التوقيع على الاتفاق، ولم يجر هذا الاستفتاء حتى الآن لعدم توافق الطرفين على من لهم أحقية التصويت فيه.

ظلت القضية مُعلقة دون حلحلة قُرابة ثلاثة عقود، تخللت تلك الفترة جهود مغربية للربط البري مع موريتانيا، عبر تدشين معبر “الكركرات” (2002)، وتحركات موازية للتأكيد على تبعية الصحراء لها بافتتاح قنصليات لحوالي (16) دولة بمدن الأقاليم الجنوبية (الصحراوية)، إلى جانب الزيارات رفيعة المستوى للمسئولين المغاربة لمناطق الصحراء، كزيارة الملك “محمد السادس” لمدن الصحراء بالأعوام 2001 و2014 و2015 و2016، وهو ما ارتبط بعقد شراكات مع شركات للتنقيب عن المعادن والنفط في المنطقة وسواحلها. وتزامن ذلك مع رفض البوليساريو (الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب) لتحركات الرباط لمغربة الصحراء، إلى جانب تعطل مسار استفتاء تقرير المصير، وتمسك المغرب بمنح الصحراء الحكم الذاتي الموسع تحت سيادة المملكة، كحل يمكن لها قبوله لإنهاء الصراع.

وسعيًا لإحداث اختراق لجمود الأزمة، قام عناصر البوليساريو بقطع الطريق الواصل بين معبر “الكركرات” والجانب الموريتاني (21 أكتوبر 2020)، وأعلنت خارجية المملكة (13 نوفمبر 2020) تصديها لاستفزازات الجبهة، وقامت وحدات الجيش المغربي بإنهاء عملية إغلاق الطريق، بالإضافة لاستهداف آلية عسكرية تابعة للبوليساريو في منطقة المحبس شمالًا. وهو ما دفع قيادة الجبهة لإعلان حالة الحرب ووقف العمل باتفاق وقف إطلاق النار، لترد المملكة بمزيد من الإجراءات الأمنية التي شملت استكمال تجهيزات الجدار الأمني من منطقة المعبر وحتى الحدود الموريتانية، ما أنتج قطع الطريق على البوليساريو نحو ساحل المحيط الأطلنطي، كما جددت المغرب تمسكها بخيار الحكم الذاتي للصحراء ضمن سيادتها.

مواقف الفاعلين ودلالاتها

تتصل إشكالية الصحراء الغربية بعدد من الفواعل الإقليميين والدوليين، وينظر كل منهم إليها وفقًا لدرجة توافقها مع مصالحة وأهدافه، وبشكل رئيسي فإن التركيز ينصب على موقف الأطراف الأربعة المنخرطين في الصراع، وما يتبنونه من مواقف في أعقاب التصعيد الأخير:

أولًا- جبهة البوليساريو: تستهدف الجبهة بشكل رئيسي حلحلة السكون والجمود الذي اعترى القضية الصحراوية خلال العقود المنصرمة، فلم تجرِ عملية الاستفتاء وفقًا لما تم الاتفاق عليه عام 1991، وتنجح المملكة المغربية مع الوقت في اكتساب أوراق جديدة تحول في مجموعها دون استكمال المفاوضات بالشكل الذي ترغب فيه الجبهة. كما تعاني الجبهة حالة من التآكل داخليًّا؛ إذ تعجز عن تحقيق تقدم بالملف الأكثر حيثية لدى الصحراويين، وهو ملف تكافح لاحتكاره بأيديها، وتتصاعد حالة انسلاخ أجسام جديدة داخل المعسكر الصحراوي، تتبنى رؤية براجماتية واقعية تتقارب مع الطرح المغربي لحل الحكم الذاتي، وفي مقدمتها “صحراويون من أجل السلام”، وبالتالي فاستمرار الوضع السابق سيعني ضعف موقفها أمام المغرب، وتراجع نفوذها داخل المجتمع الصحراوي.

ثانيًا- المملكة المغربية: تفضل الرباط استمرار الوضع الراهن؛ كونها تستحوذ على 80% من أراضي الصحراء الغربية، ونجحت دبلوماسيتها في جني دعم دولي لموقفها من القضية، وسيادتها على الصحراء تضمن تأمين تجارتها إلى إفريقيا، بعد أن صارت نافذتها الوحيدة جنوبًا في ظل إغلاق الحدود بينها وبين الجزائر. ويمكن القول إن القراءة المغربية للتطورات الداخلية الأخيرة في الجزائر، وخاصة التعديلات الدستورية التي أتاحت للجيش الخروج بعمليات عسكرية بالخارج، تم تفسيرها بالدوائر المغربية بإمكانية تقديم الجزائر دعمًا مباشرًا للبوليساريو لتغيير الوضع الراهن بالصحراء، ما قد يسبب صعوبات للمملكة لاستكمال استراتيجيتها للسيطرة على الأقاليم الجنوبية، خاصةً في ظل استمرار التوتر بالعلاقات الجزائرية المغربية، وفشل كل محاولات تطبيع العلاقات بينهما.

ثالثًا- الجمهورية الجزائرية: لا يزال الموقف الجزائري من قضية الصحراء الغربية كما هو، باعتبارها الطرف الرئيسي الداعم للجبهة التي تعترف بها وتستضيف حكومتها بالمنفى، ويمثل هذا الملف أحد أهم أدواتها للتحرك الاستراتيجي في غرب إفريقيا. وتمثل الصحراء الغربية أهمية كبرى للجزائر؛ باعتبارها تفتح الطريق لها نحو المحيط الأطلنطي، ما يزيد الحضور الجزائري في دائرة مهمة تمثل ركنًا أساسيًا للتحرك، ليس في غرب إفريقيا وحدها، على اتساع القارة ككل، ويحاصر -في الوقت ذاته- التمدد المغربي عبر امتلاك أوراق مؤثرة للمساومة.

رابعًا- الجمهورية الموريتانية: تواصل نواكشوط الالتزام بموقفها الحيادي، الذي بدأ من انسحابها من الصحراء وتنازلها عن أية حقوق لها داخلها، وهو ما ارتبط بإدراكها عدم جدوى الانخراط بالأزمة وتداعياتها. وتحمل الأزمة كثيرًا من التأثيرات السلبية عليها، سياسيًا واقتصاديًا وعرقيًا، وتفرض على موريتانيا انتشارًا عسكريًا يحملها أعباء كثيرة، لا سيما في منطقة الحدود مع الصحراء والمغرب. وتلتزم موريتانيا الحياد للحفاظ على حد أدنى من العلاقات مع المغرب والجزائر، إلا أنها كانت تشجع بطريقة هادئة التحركات المغربية؛ للحصول على مكاسب تجارية واقتصادية من الانتشار المغربي في غرب إفريقيا عبر أراضيها.

خامسًا- الاتحاد الإفريقي: يلتزم الاتحاد باستراتيجية واضحة تتعلق بنزاعات الحدود بين دوله، وإن كان اعترافه بالجمهورية الصحراوية ونيلها عضويته قد ساهم -إلى جانب الدبلوماسية الجزائرية- في اتخاذ مواقف تُعارض التحركات المغربية لفرض وجهة نظرها وتجاهل ما سبق الاتفاق عليه لحل القضية.

لماذا الآن؟

إنّ التحرك المغربي المفاجئ، والذي لم تسبقه خُطى تمهيدية، يؤكد محاولات الرباط للاستفادة من التحركات الدولية والإقليمية بالشرق الأوسط، واستثمار الضغوط الأمريكية عليها للتطبيع مع إسرائيل؛ لتحقيق مكاسب في أحد أهم الملفات الحيوية بالنسبة لها، واكتساب الدعم الأمريكي والدولي فيه.

وحرصت المغرب على استثمار التحسن الإيجابي بعلاقاتها مع دول الخليج، التي بدأت في الاتجاه نحو الحضور بشمال إفريقيا (السعودية والإمارات) لكسب مساندة لها بملف الصحراء، وهو ما انعكس في فتح قنصليات للعديد من تلك الدول وغيرها بمدينة العيون شمال الصحراء الغربية، وهو ما يمثل التقاءً في المصالح الاستراتيجية بينهم، سواءً لتثبيت نفوذها كدول إقليمية مؤثرة، أو محاصرة النفوذ الإيراني في غرب إفريقيا بصفة عامة.

كما تدرك المغرب أن هناك تطورات داخلية بالجزائر بدأت تحظى بالاهتمام الأمريكي والغربي، وأن هناك ملامح لتطورات إيجابية في العلاقات العسكرية بين واشنطن والجزائر، ما تخشى معه الرباط مزيدًا من التطور على هذا المستوى قد يقود لتداعيات تؤثر على هيمنتها على ملف الصحراء.

ولا يُتوقع أن يؤدي التصعيد المغربي الصحراوي لمواجهات عسكرية شاملة؛ خوفًا من الدخول بحالة من عدم الاستقرار، لما لها من تداعيات اقتصادية وسياسية، أو احتمالية فتح الباب أمام انتشار جديد لتنظيمات الإرهاب والجريمة المنظمة المتموضعة على امتداد دول الساحل والصحراء، وهو هدف تتحسب له كل الدول التي تعلن مكافحة مثل هكذا تنظيمات. ومن المرجح أن يتحرك الاتحاد الإفريقي لدفع الطرفين لإعادة التفاوض لتهدئة الموقف، وإن كان ذلك يرتبط بحل العقبات الأساسية وتصلب كل منهما في موقفه، والبحث عن صيغ وسيطة، وهو أمر يصعب تحديد نجاحه في هذه الحالة.

د. محمد مجاهد الزيات - حسين عبدالراضي