قراءات وعروض

التحدي والاستجابة: إشكاليات الأوضاع الإنسانية في الساحل الإفريقي

نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تقريرًا[1] حول الصعوبات التي تواجه أنشطة التدخل الإنساني في منطقة الساحل الإفريقي، بعنوان “التشرذم الأمني يعيق الاستجابة الإنسانية في منطقة الساحل” (Security Fragmentation Hinders Humanitarian Response in the Sahel) أشار كاتب التقرير “كايل مورفي” إلى أن الوضع بمنطقة الساحل تحول خلال الأعوام الثلاثة الماضية بشكل دراماتيكي، لتتضاعف أعداد النازحين من مناطق الصراع، ويدخل ملايين من السكان المحليين إلى قائمة المحتاجين لمساعدات إنسانية عاجلة. وفيما يلي أبرز ما جاء في هذا التقرير، في محاولة للإجابة عن تساؤل رئيسي مفاده: كيف يمكن تحسين الاستجابة للأوضاع الإنسانية الدقيقة في تلك المنطقة المأزومة؟ إشكاليات تتعقد تعاني دول الساحل…

محمود قاسم - حسين عبدالراضي

نشر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تقريرًا[1] حول الصعوبات التي تواجه أنشطة التدخل الإنساني في منطقة الساحل الإفريقي، بعنوان “التشرذم الأمني يعيق الاستجابة الإنسانية في منطقة الساحل” (Security Fragmentation Hinders Humanitarian Response in the Sahel) أشار كاتب التقرير “كايل مورفي” إلى أن الوضع بمنطقة الساحل تحول خلال الأعوام الثلاثة الماضية بشكل دراماتيكي، لتتضاعف أعداد النازحين من مناطق الصراع، ويدخل ملايين من السكان المحليين إلى قائمة المحتاجين لمساعدات إنسانية عاجلة. وفيما يلي أبرز ما جاء في هذا التقرير، في محاولة للإجابة عن تساؤل رئيسي مفاده: كيف يمكن تحسين الاستجابة للأوضاع الإنسانية الدقيقة في تلك المنطقة المأزومة؟

إشكاليات تتعقد

تعاني دول الساحل الإفريقي من أزمة مُركبة، تتداخل فيها الإشكاليات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، مُنتجةً معادلة بالغة التعقيد، قادت خلال السنوات الأخيرة إلى تحولها إلى منطقة رخوة تتجه التنظيمات الإرهابية للتمدد فيها، كبديل استراتيجي لما فقدته من ساحات سيطرة ونفوذ، لتتفاقم الظروف الإنسانية لسكان الساحل، وتفقد أغلب السلطات قدرتها على الاستجابة لاحتياجات مواطنيها، وهو ما استدعى تكثيف الانخراط الدولي والأممي لتوجيه أنشطة إغاثية عاجلة؛ تستهدف حفظ تماسك تلك المجتمعات، والحيلولة دون فشل دول الساحل، إلى جانب تخفيض موجات النزوح الداخلي أو الهجرة غير الشرعية إلى دول شمال المتوسط.

ويشير تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان (unocha)، الصادر في أكتوبر 2020، إلى وجود قُرابة (13.4) مليون شخص بحاجة للمساعدات الإنسانية، ويتركزون بشكل كبير في المناطق الحدودية بين دول بوركينافاسو ومالي والنيجر، والمعروفة بـ”الساحل الأوسط”، واضعًا تلك الدول الثلاث في صدارة المتضررين بالساحل الإفريقي من هذه الأزمة بالوقت الراهن. وقد قفزت أعداد الذين هم بحاجة ماسة للمساعدات في دولة مالي، بين يناير وأغسطس عام 2020، من (4.3) ملايين إلى (6.8) ملايين شخص.

وارتفعت حصيلة الوفيات المبلغ عنها إلى (6600) شخص خلال عام 2019 في الدول الثلاث، واقترن ذلك بارتفاع أعداد المصابين من العاملين بأنشطة الدعم والإغاثة، بلغ (81) شخصًا بالعام 2019، من بينهم من تعرضوا للخطف أو القتل. كما تصاعدت أعداد الأطفال الذين يحتاجون إلى المساعدة لتبلغ حوالي (7) ملايين طفل، وكانت في العام السابق تُقدر بقرابة (4.3) ملايين طفل. وسجلت مالي وحدها حوالي (571) انتهاكًا جسيمًا ضد الأطفال خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2019، مقارنة بـ(544) في عام 2018 و(386) في عام 2017، وفقًا للمفوضية السامية لحقوق الإنسان.

وساهمت المعوقات والتحديات سالفة الذكر في فرض واقع شديد التعقيد ساهم في تفاقم الأوضاع الإنسانية، ومن ثم صعوبة الاستجابة الفاعلة التي يمكن من خلالها بناء وتحسين المشهد الإنساني في هذه المناطق، إذ تم إغلاق أكثر من 150 مركزًا صحيًا في منطقة الساحل الأوسط، فضلًا عن إغلاق أكثر من 4000 مدرسة في كل من بوركينافاسو ومالي والنيجر، الأمر الذي منع نحو 8 ملايين طفل (تتراوح أعمارهم بين 6 و14 عامًا) من استكمال تعليمهم.

وتشير التقارير إلى وجود مجموعة من الأسباب التي قادت لتصاعد الأزمة الإنسانية في منطقة الساحل، ومن أبرزها تداعيات تغير المناخ في هذه الدول، وتصاعد جرائم الاقتتال والعنف العرقي، وفشل السلطات في تحقيق الحد الأدنى من الأمن، وهو ما ارتبط بكثافة الأنشطة الإرهابية أو ضعف الإجراءات المتخذة. وقادت تلك العوامل لارتفاع أعداد النازحين بالداخل لنحو (1.5) مليون نازح، بزيادة تجاوزت عشرين ضعفًا لحجم النازحين خلال العامين الماضيين، الأمر الذي خلف حاجة ماسة إلى المساعدة الإنسانية، بما في ذلك التغذية والغذاء والخدمات الصحية، والمأوى والتعليم، ودعم الناجين من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

تحديات مُعطلة

أضعفت هشاشة الأوضاع بالمنطقة من قُدرة التحركات الدولية لاحتواء الأزمة، حيث فرض وجود العديد من الفواعل المسلحين، النظاميين وغير النظاميين، تحديات مُعطلة لأنشطة الإغاثة، تنوعت بين تقييد وصول المساعدات الإنسانية في مناطق الحروب، والحواجز الأمنية واللوجستية، وخفض قدرة الجهات الفاعلة الإنسانية، وصعوبات أخرى تتصل بتحركات أصحاب المصالح الإقليميين والدوليين. ويمكن الإشارة إلى أبرز المحددات الأمنية التي تعوق جهود الإغاثة الإنسانية بالمنطقة في النقاط التالية:

أولًا- الإرهاب والعنف الطائفي: يمثل العنف أبرز العقبات الأمنية واللوجستية أمام أنشطة الإغاثة الإنسانية في منطقة الساحل. ومع حلول منتصف عام 2020، تجاوزت حصيلة ضحايا العنف في بوركينافاسو ومالي والنيجر ذات الأعداد التي شهدها عام 2019 كله، ما يشير إلى تصاعد التوتر وعدم الاستقرار الناجم عن هشاشة الأوضاع الأمنية. كما يطرح تعدد الفاعلين المسلحين عقبات من قبيل نهب المواد الإغاثية، أو تحويل مساراتها لمناطق غير مستهدفة بها، أو المطالبة برشاوى مالية مقابل مرورها عبر المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ثانيًا- محدودية التمويل: أصبح انخفاض التمويل الموجه للمنظمات الإنسانية عاملًا يقيدها عن الاستجابة بفعالية للأزمة المتنامية. ففي عام 2019، تم تمويل 59% من برامج الاستجابة الإنسانية للمنطقة، لتسجل انخفاضًا بنحو 18% خلال مايو 2020. وأدى تفشي جائحة كورونا لزيادة الأعباء المالية، وقد اتجه عدد من الحكومات والجهات المانحة لتقديم نحو (1.7) مليار دولار لتلبية المتطلبات الإنسانية في الساحل (أكتوبر 2020)، إلا أن هناك حاجة ماسة لنحو 2.4 مليار دولار لحماية وإنقاذ الأشخاص الأكثر احتياجًا في المنطقة. والتمويل المستهدف يتطلب حجمًا أكبر من المخصصات المالية للاستجابة للتحديات القائمة.

ثالثًا- تعدد الفاعلين المحليين والدوليين: نظرًا لطبيعة المجتمعات وهياكل السلطة، تحتاج المنظمات الإغاثية للتعاطي والتفاعل مع مجموعات مسلحة وقوى أمنية كثيرة، ويتحتم على عمال الإغاثة الإنسانية في منطقة الساحل التعامل مع الجهات الأمنية؛ لفهم ديناميات الصراع، وتحديد مناطق انتشار التنظيمات الإرهابية، ولا يمكنهم السفر إلا رفقة عسكريين، مما يفقدهم الحياد بنظر المجتمع المحلي، ويصعب ذلك من فرص بناء الثقة مع المحليين. كما تتعقد مهام التنسيق في ظل تعدد وتداخل الأنشطة الدولية في مجريات الصراعات، لا سيما بإنشاء تجمعات أمنية إقليمية ودولية جديدة دون استراتيجية شاملة ومتزامنة.

تفعيل الاستجابة

من أجل معالجة هذا الوضع، يمكن تحديد جملة من العوامل التي قد تساهم في تحسين الاستجابة للأوضاع الإنسانية وذلك فيما يلي:

  • فتح نافذة حوار مع الفواعل المحليين: أكد عدد من المنظمات الإنسانية صعوبة الوصول وإيصال المساعدات للسكان المعرضين للخطر، ومن هنا طالب البعض بضرورة السماح بالحوار بين العاملين في المجال الإنساني والفواعل المحليين، إذ يرى أصحاب هذا الاتجاه أن هناك عددًا من السياسات والقوانين التي تمنع التواصل بين تلك المنظمات والمحليين كجزء من استراتيجية كبرى تدور حول منع دعمهم. وعليه، فان فرص تلبية الاحتياجات الإنسانية تظل ضئيلة دون التحدث المباشر معهم، ومن هنا أشار التقرير إلى ضرورة قيام المانحين الدوليين بالبحث عن طرق لضمان أن القوانين والسياسات ذات النوايا الحسنة لا تحد أو تمنع هذه المحادثات أو الحوار.
  • دعم التنسيق بين العاملين في المجال الإنساني والأجهزة الأمنية: لفت التقرير إلى ضرورة وضع ترتيبات أمنية مرنة لتحقيق التوازن بين الضرورات الأمنية وحماية عمال الإغاثة من العنف، حيث يجب على الحكومات وقوات الأمن في منطقة الساحل الاستماع إلى احتياجات العاملين في المجال الإنساني، والوصول إلى أماكن توفر المساعدة لأكبر عدد ممكن. كما يجب الامتناع عن مشاريع المساعدات التي تقودها جيوش تلك المنطقة؛ حيث لا يتم تنسيقها مع المجتمع الإنساني، كما أنها تقوض عملية الفصل بين عمليات الإغاثة والبعثات العسكرية، كما يجب أن تنظر الأمم المتحدة لأهمية الفصل بين وظائفها الإنسانية والعسكرية.
  • تحسين العلاقات بين الحكومات الوطنية والمحلية: انطلاقًا من أهمية تعزيز الشراكة بين القادة الوطنيين والمحليين؛ لتوسيع نطاق الحلول المرتبطة بالاستجابة الإنسانية، خاصة أن هذا النهج أثبت فاعلية في النيجر، وغيابه قد مثل نقطة ضعف في مالي، إلا أن حالة العنف قد أدت إلى تراجع معدلات التنسيق بين الحكومات الوطنية والمحلية في جميع أنحاء المنطقة، وعليه فقد لفت التقرير إلى أهمية بناء العلاقات على مستوى المجتمع من أجل تحسين الاستجابة الإنسانية.
  • الحاجة لتكثيف التغطية الإعلامية: حيث تُغطَّى الأزمات والطوارئ الإنسانية في منطقة الساحل بالشكل الملائم، ويؤدي نقص البيانات وغياب التغطية لإضعاف فعالية سياسات التعامل مع الأوضاع، كما تقلل من قدرة الجهات الإنسانية الفاعلة على توضيح دورها. وأشار التقرير إلى أهمية قيام المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية وقوات الأمن بتوسيع دعمهم للبرامج الإذاعية المحلية من خلال دعم الأمم المتحدة لـ”ميكادو إف إم” ومبادرة المجتمع المفتوح لغرب إفريقيا، وتمويل مجموعة “جروب كليدو”. ومن ناحية أخرى، يجب على الوكالات الإنسانية الاستثمار في فرق التوعية الإعلامية؛ للتواصل بشكل أكثر فعالية مع المجتمعات المحلية والحكومية.

ختامًا، من الضروري إعطاء مزيد من الاهتمام والتركيز على عملية تحسين الاستجابة الإنسانية بمناطق الصراع، وقد أعطى تقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان تحديدًا دقيقًا للاحتياجات المستهدفة خلال الفترة المُقبلة. وركز تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية على كيفية تفعيل الاستجابة بمنطقة الساحل الأوسط، وهو نموذج يمكن الخروج منه ببناء نموذج للتعاطي بفعالية مع الأزمات الإنسانية المشتعلة في القارة الإفريقية، وربما تعميمه على الصراعات الأخرى عالميًا، كل وفقًا لطبيعة إشكالياته وخصائصه.


[1] Kyle Murphy. Security Fragmentation Hinders Humanitarian Response in the Sahel, the Center for Strategic and International Studies (CSIS), 2020, available at: https://csis-website-prod.s3.amazonaws.com/s3fs-public/publication/201117_Murphy_Security_Fragmentation_Humanitarian_Response_Sahel-2.pdf

محمود قاسم - حسين عبدالراضي