وحدة الدراسات الأفريقية

زيارة تاريخية: “السيسي” في جوبا وسط تطورات إقليمية استثنائية

تُعد زيارة الرئيس “عبدالفتاح السيسي” إلى جوبا في الثامن والعشرين من نوفمبر 2020، الأولى من نوعها منذ استقلال دولة جنوب السودان عام 2011، وتعكس الزيارة حجم التطور في العلاقات المصرية الجنوب سودانية. وما زاد من أهمية الزيارة التاريخية السياق الإقليمي المتغير بما يمر به من تغيرات استثنائية، فرضت التقارب بين مصر وبين العديد من الدول المحورية في الإقليم في مقدمتها جنوب السودان. وتُشكل زيارة الرئيس “السيسي” نقطة هامة في ضوء التفاعل المصري مع البيئة الإفريقية، والنهج المصري المُستحدث في تعميق التعاون مع الدول الإفريقية منذ تولي الرئيس “السيسي” السلطة عام 2014، والجهود المصرية الداعمة لاستعادة الأمن والاستقرار السياسي والأمني في…

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at

تُعد زيارة الرئيس “عبدالفتاح السيسي” إلى جوبا في الثامن والعشرين من نوفمبر 2020، الأولى من نوعها منذ استقلال دولة جنوب السودان عام 2011، وتعكس الزيارة حجم التطور في العلاقات المصرية الجنوب سودانية. وما زاد من أهمية الزيارة التاريخية السياق الإقليمي المتغير بما يمر به من تغيرات استثنائية، فرضت التقارب بين مصر وبين العديد من الدول المحورية في الإقليم في مقدمتها جنوب السودان. وتُشكل زيارة الرئيس “السيسي” نقطة هامة في ضوء التفاعل المصري مع البيئة الإفريقية، والنهج المصري المُستحدث في تعميق التعاون مع الدول الإفريقية منذ تولي الرئيس “السيسي” السلطة عام 2014، والجهود المصرية الداعمة لاستعادة الأمن والاستقرار السياسي والأمني في مناطق الصراعات المختلفة بالقارة الإفريقية.

وترتبط تلك الزيارة بحجم الإنجاز الذي حققته كل من دولة جنوب السودان والسودان في ملف المصالحة مع الجماعات المسلحة المختلفة، والدور المصري الذي لعبته لإقرار مبدأ السلام والمصالحة، وتجلى ذلك بصورة كبيرة في التوصل إلى وثيقة “إعلان القاهرة” التي تمت في مصر في نوفمبر عام 2017 لتوحيد الحركة الشعبية، وصولًا لدعم تنفيذ اتفاق السلام المنشط لإنهاء حالة الصراع الداخلي الذي استمر منذ عام 2013.

التحولات الداخلية في السودان

لا يمكن فصل زيارة الرئيس “السيسي” عن المتغيرات التي شهدتها البيئة الداخلية السودانية، عقب رحيل نظام “البشير”، وتولي سلطة إنتقالية إدارة الدولة، وما تبعها من انفتاح كبير في العلاقات الخارجية سواء على صعيد البيئة الإقليمية الإفريقية والعربية أو على مستوى البيئة الدولية، والتي تجلت في التقارب الملحوظ بين الحكومة الحالية وبين الإدارة الأمريكية وما تبعها من تقارب ملحوظ أيضًا مع إسرائيل، وهو الأمر الذي ساهم بقدر كبير في إحداث انفراجه كبيرة في ملف إدراج السودان على قوائم الإرهاب. كما لا يمكن فصله عن تطورات ملف المصالحة، وإقرار السلام بين الحكومة الانتقالية السودانية والحركات المسلحة في الأقاليم التي شهدت توترات على مدار السنوات الماضية، حيث كان لرئاسة دولة جنوب السودان دور كبير في إتمام ذلك الاتفاق بين الحكومة وعدد من الحركات في إقليم دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق التي تشهد نزاعات مختلفة، باستضافتها جولات الحوار المختلفة بين السلطة الانتقالية في السودان وبين تلك الحركات. وقد دعمت مصر هذا المسار، وتم توقيع اتفاق السلام مطلع أكتوبر من العام الجاري، الذي أنهى بشكل كبير سنوات من الصراعات المسلحة.

وتسعى مصر إلى ضمان التنسيق الثلاثي بين القاهرة والخرطوم وجوبا، وذلك عبر دعم مسار الانتقال السياسي والاستقرار في كل من السودان وجنوب السودان، وكذلك عبر دعم المشروعات التنموية التي تم تدشينها، مثل: مشروع الربط الكهربائي، ومشاريع الطرق المختلفة التي يمكن في النهاية أن تحقق الترابط بين الدول الثلاث بما يُساهم بصورة كبيرة في تعزيز التجارة البينية لتلك الدول.

تعقيدات الوضع في إثيوبيا

تأتي زيارة الرئيس “السيسي” إلى جوبا اتصالًا أيضًا بتعقيدات الوضع في إثيوبيا على خلفية التصدع بين الحكومة المركزية وبين حكومة إقليم تيجراي، وما شهدته من تطورات مختلفة وانعكاسات سلبية متنامية على دول الجوار، حيث شكلت الأزمة المندلعة في الداخل الإثيوبي بإقليم التيجراي شمالي إثيوبيا، معضلة أمنية وسياسية على دول الجوار الجغرافي لإثيوبيا، خاصة دول القرن الإفريقي التي تتماس جغرافيًا مع تلك الدولة الحيوية في إقليم القرن الإفريقي. وما زاد الأمر تعقيدًا قيام الحكومة الفيدرالية بشن هجمات جوية على القوات الموالية للجبهة الشعبية لتحرير تيجراي منذ الرابع من نوفمبر الجاري حتى اليوم، بتوجيه ضربات لعاصمة الإقليم، الأمر الذي ينذر بتحولات صراعية على مستوى شرق إفريقيا ككل، بعدما امتدت العمليات لتطال إريتريا التي تعرضت للعديد من الهجمات الصاروخية جراء ذلك التصعيد.

ولعل تعقيدات المشهد ترجع كذلك إلى حالة التعنت من جانب الحكومة الإثيوبية برئاسة “آبي أحمد” إزاء الوساطة المختلفة التي تقدمها الدول الإفريقية وكذلك الاتحاد الإفريقي، على الرغم من قيام الاتحاد الإفريقي بتعيين ثلاثة مبعوثين رفيعي المستوى لدعم جهود الحل السلمي للصراع المندلع بين الحكومة المركزية في إثيوبيا وإقليم تيجراي، الأمر الذي من شأنه أن يعزز من فرضية طول أمد الأزمة وما يعكسه ذلك من توترات مختلفة على دول الجوار الإقليمي، كما هو الحال بالنسبة لجنوب السودان والسودان، خاصة في ظل تدفق آلاف اللاجئين الإثيوبيين على السودان.

تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع دول حوض النيل 

تحمل الزيارة في طياتها جانبًا من تعزيز العلاقات المصرية مع دول حوض النيل، والاهتمام بالربط بين مصر والقارة الإفريقية على وجه العموم ودول حوض النيل على وجه الخصوص، وذلك لاستيعاب تطورات الموقف الخاص بملف سد النهضة، خاصة في ظل ما يشهده هذا الملف من تعنت واضح من جانب إثيوبيا، واستمرار النهج القديم في التفاوض، ورفضها التوافق حول وضع اتفاق قانوني ملزم ومتوازن حول ملء وتشغيل السد.

وانطلاقًا من أهمية الموقع الجغرافي لدولة جنوب السودان التي تعتبر دولة مصب لنهر النيل ومن أبرز الأطراف الموجودة بها، تأتي الزيارة لتحقق قدرًا من الاتزان في ضوء معادلة المياه والتنمية المشتركة، خاصة وأن مصر حققت نجاحًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة في تنزانيا من خلال إنشاء وتأسيس سد جوليوس نيريري، الأمر الذي يساهم في توليد الطاقة الكهرومائية بتنزانيا بقدرة تصل إلى 2115 ميجاوات.

ويعتبر هذا التوجه المستحدث في الانخراط المصري داخل البيئة الإفريقية عبر تدعيم الاستثمار والتنمية المستدامة للشعوب الإفريقية، بمثابة أداة لتحقيق قدر من التعاون الاقتصادي بين مصر كمحور استراتيجي داخل المنطقة وبين دول حوض النيل التي تجمعهما مصالح مشتركة.

ختامًا؛ إن المشهد الإقليمي الإفريقي يشهد حالة من الزخم السياسي، في ضوء تغير معادلات الصراع المختلفة داخل دول القارة واستبدالها بأدوات للتعاون والتنسيق المشترك لبناء السلام والاستقرار، وتعتبر زيارة الرئيس “السيسي” بمثابة رسالة مهمة نحو تنشيط التفاعل المصري مع كافة دول القارة، ونقل الخبرات المصرية تحقيقًا للتنمية المشتركة في كافة القطاعات.

عبد المنعم على
باحث بوحدة الدراسات العربية والإقليمية at