وحدة التسلح

مصالح متبادلة: القاعدة اللوجستية العسكرية الروسية في السودان

وضع الرئيس السوداني السابق “عمر البشير” حجر الأساس لطفرة العلاقات السودانية-الروسية قبيل سقوط حكمه، وارتبط هذا الأساس بمقاربة تمت وفق قواعد اللعبة القديمة في زمن الحرب الباردة، حيث طلب وفق تقارير رسمية نقلًا عن الكرملين حمايته من “العدوان الأمريكي” الذي يهدف إلى تقسيم السودان إلى خمس دول، وعمليًا طلب من موسكو إبرام صفقة تسلح هائلة ونوعية، يصعب تصور الوفاء بما فيها من التزامات لدولة كانت تعاني من عقوبات أمريكية دامت لعقود، كما طلب إنشاء قاعدة عسكرية روسية في بورسودان على البحر الأحمر لتحقيق دور الحماية، وفي المقابل ستمثل تلك القاعدة مدخلًا لدور روسي في إفريقيا. وبعد الإطاحة بالبشير في أبريل…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

وضع الرئيس السوداني السابق “عمر البشير” حجر الأساس لطفرة العلاقات السودانية-الروسية قبيل سقوط حكمه، وارتبط هذا الأساس بمقاربة تمت وفق قواعد اللعبة القديمة في زمن الحرب الباردة، حيث طلب وفق تقارير رسمية نقلًا عن الكرملين حمايته من “العدوان الأمريكي” الذي يهدف إلى تقسيم السودان إلى خمس دول، وعمليًا طلب من موسكو إبرام صفقة تسلح هائلة ونوعية، يصعب تصور الوفاء بما فيها من التزامات لدولة كانت تعاني من عقوبات أمريكية دامت لعقود، كما طلب إنشاء قاعدة عسكرية روسية في بورسودان على البحر الأحمر لتحقيق دور الحماية، وفي المقابل ستمثل تلك القاعدة مدخلًا لدور روسي في إفريقيا. وبعد الإطاحة بالبشير في أبريل 2019 لم تتراجع روسيا عن إكمال هذا المسار. وفي أكتوبر 2019، تقابل رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق “عبدالفتاح البرهان” والرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” خلال قمة سوتشي (روسيا – إفريقيا)، وعلى الأرجح اطلع على تفاصيل ما تم الاتفاق عليه بين “البشير” وموسكو.

كان “البشير” على اتصال دائم مع موسكو، وربما أغرته التجربة الروسية في سوريا أيضًا، لكن يبدو أن موسكو قد أعادت التفكير بعد الإطاحة به في مصير صفقات سابقة كتلك التي أبرمتها مع الرئيس الليبي السابق العقيد “معمر القذافي” والتي كانت تقدر بنحو 4 مليارات دولار، لذا على الأرجح أن موسكو قد تأنت لفترة من الزمن قبل المضي في تنفيذ الصفقة الضخمة، كذلك فإن روسيا لا تفكر في تأسيس قواعد عسكرية مكلفة على خطوط التمدد وفي مناطق النفوذ. فعلى سبيل المثال، تبلغ الكلفة السنوية لتطوير قاعدة طرطوس نحو 3.2 مليارات دولار وفقًا لتقديرات صحيفة Nezavisimaya Gazeta الروسية، لكن أيضًا لا يمكن إغفال أن تلك القاعدة كانت في البداية عبارة عن مركز لوجستي في زمن الحقبة السوفيتية، وبالتالي قد تذهب روسيا إلى ترقية المركز اللوجستي في المستقبل. فبحسب الإطار الموقع سيكون لروسيا حق التواجد في السودان لمدة 25 عامًا قابلة للتجديد لنحو 10 أعوام، وهي فترة كافية لهذه الترقية المحتملة لاحقًا.

حسابات موسكو 

هناك دوافع عديدة شكلت حسابات روسيا بشأن الملف السوداني بشكل عام، يمكن تناولها في المحاور التالية:

الأبعاد الاستراتيجية:

  • موطئ قدم ثابت في إفريقيا:

 شأنها شان العديد من القوى الدولية، لا سيما الولايات المتحدة والصين، فكرت موسكو في بناء ارتكاز لها في القرن الإفريقي، خاصة وأن لديها من الإرث التاريخي ما يعزز لديها هذا الاتجاه، لذا انصب تركيزها على مزاحمة تلك القوى في جيبوتي، لكن كانت هناك معارضة أمريكية على الأرجح لتلك الخطوة، وبالتبعية لم توافق جيبوتي على فتح نافذة لروسيا من هذا المنطلق، وكان واضحًا أنها تتخوف من أن يؤدي الازدحام الهائل بالقواعد العسكرية التي تحتاج إلى نظام محكم للسيطرة على الأجواء إلى وقع اشتباك بسبب هذا الازدحام. كانت الخطوة التالية التفكير في الصومال بناء على الإرث القديم أيضًا، إلا أن وضع الصومال لم يفِ بالغرض في ظل وضع البلاد المتردي سياسيًّا. لذا لجأت بعد الرفض الجيبوتي إلى إرتيريا كبديل طبيعي لتحقيق الهدف، واللافت للانتباه أن التقارير الروسية تشير إلى أن ثمة اتفاقًا على بناء مركز لوجستي هناك في 2018، أي بعد زيارة “البشير” وطلبه بناء قاعدة عسكرية في بلاده. وعلى الأرجح كانت إريتريا تهدف جراء ذلك إلى الحصول على أسلحة روسية مماثلة لتلك التي تحصل عليها إثيوبيا كنوع من التوازن العسكري. وبحسب التقارير الروسية، ستتضمن تلك القاعدة وجود 300 عسكري روسي، وهي قوة مناسبة لمركز أقل من قاعدة عسكرية، سيكون بمثابة مرفأ نوعي يضم ورشة عائمة، وقاطرة إنقاذ، و3-4 وحدات من السفن الصغيرة، وعلى الأرجح ستضم أيضًا مركزًا للاستخبارات، وأيضًا قوات خاصة روسية.

  • خطوة على طريق استعادة النفوذ القديم في المحيط الهندي:

بحسب تقديرات روسية لن يكون المركز اللوجستي العسكري الروسي الأول من نوعه في إفريقيا بمثابة نقلة استراتيجية للوجود الروسي على رقعة القارة السمراء، وإنما كبداية لطريق روسي نحو العالمية، وفقًا للمحلل العسكري الروسي “دميتري ليتوفكين” الذي أشار في تقرير له مؤخرًا نشرته وكالة “تاس” بعنوان “روسيا تعود إلى المحيط العالمي”، فإن الطرادات الروسية التي تعمل بالطاقة النووية يمكنها استخدام المركز كمكان للراحة لأفراد طاقمها. بينما لن يضطر البحارة في أساطيل الشمال والبلطيق إلى إجراء انتقالات مرهقة لقضاء عدة أشهر في المحيط الهندي. وهي الرؤية ذاتها التي تماسّ معها أيضًا المحلل الروسي “أليكسي كوبريانوف” في صحيفة “إزفيستيا” والتي أشار فيها أن هناك على ضفاف هذا المحيط من ينتظر عودة العلم الروسي في المحيط الهندي بما يمنح نيودلهي بديلًا للتقارب مع واشنطن من جهة، ويضمن من جهة أخرى لبكين أمن سفنها في المنطقة.

الأبعاد الاقتصادية:

 بحسابات التكلفة والعائد لا تبدو الصفقة مجدية لروسيا، فوفقًا للمطالب السودانية المعلنة، ففي عام 2016 أبدى “البشير” لموسكو حاجته للحصول على مقاتلات Su-30 وSu-35 وصواريخ وكاسحات ألغام ومنظومة دفاع S-300، وفي المقابل يمكن منح روسيا قطعة أرض مجانية لإقامة المركز، لكن تجلت حسابات أخرى تبدو مربحة لكلا الطرفين، فوفقًا لتقارير روسية غير رسمية، قبل أن تتقدم الاتصالات على هذا النحو كانت شركات التنقيب الروسية عن الذهب والغاز قد حققت اكتشافات واعدة في السودان عام 2015، توازت مع تسريبات حول ظهور عناصر تابعة لمجموعة فاجنر الروسية شبه العسكرية لتأمين مواقع تلك الشركات، ثم وقعت بشأنها أكبر صفقة اقتصادية وصفت بالتاريخية، حيث حصلت شركة التعدين الروسية M Invest على عقد خاص باستخراج احتياطات الذهب السودانية عام 2017، إضافة إلى بناء مصفاة لتكرير النفط بطاقة إنتاجية تصل إلى 200 ألف برميل في اليوم الواحد، ستوظف أيضًا لصالح جنوب السودان في إطار الاتفاقيات المشتركة في بين دولتي الشمال والجنوب. وعلى هذا النحو، بدأت تتنامى تلك العلاقات على قاعدة اقتصادية واضحة يمكن أن تحقق أهداف الطرفين. ومن المتصور أن ميزان هذه المصالح سيميل إلى روسيا على المدى الطويل دون إغفال أن السودان سيستفيد أيضًا، لكن نمو سوق السلاح الروسي في إفريقيا يجب وضعه هو الآخر في كفة حسابات هذه القفزة النوعية.

  • تعزيز مبيعات السلاح الروسية في إفريقيا:

 تعد إفريقيا هي السوق الأكبر لروسيا حاليًّا، وبشكل عام لدى روسيا علاقات واسعة في هذا الإطار مع 21 دولة تقريبًا. في الشمال الإفريقي تبدو الجزائر هي الشريك الأكبر، أما في إفريقيا جنوب الصحراء فتتسع تلك الخريطة لتشمل دولًا أبرزها وربما أولها في إتمام صفقات مشتركة هي أوغندا عام 2010 التي أصبحت -وفق تقارير تسلح 2020- أكبر مستحوذ على صادرات الأسلحة الروسية في إفريقيا جنوب الصحراء، بما يعادل 22% من إجمالي تلك الصفقات، تلتها أنجولا عام 2013، ثم نيجيريا التي تمثل سوقًا واعدة للسلاح الروسي، وأبرمت معها صفقات في عام 2015، إضافة إلى مالي ورواندا. وعلى الأرجح ستسهم تلك القاعدة في المزيد من الاستحواذ الروسي على سوق السلاح الإفريقي المتنامي في ظل استمرار صعود الإنفاق الدفاعي بشكل عام في أكثر من نصف دول القارة تقريبًا.

حسابات السودان:

الخروج من العزلة:

 تتأهل السودان للخروج من عزلتها بعد التحرر من قيود العقوبات التي كبلتها لأعوام طويلة في ظل حكم “البشير”، وكما سلفت الإشارة فإن “البشير” هو الذي وضع لبنات هذه العلاقة، لكن من المؤكد أن المجلس السيادي هو من وضع الإطار الخاص بهذه الصفقة. وهنا يثور التساؤل حول الموقف الأمريكي من هذه التطورات، لكن لم ترشح بعد توجهات سودانية للحصول على أسلحة أمريكية، خاصة وأن مسار استئناف العلاقات بين الطرفين لا يزال في مهده، وربما ستشكل خطوة التطبيع بين السودان وإسرائيل فرصة للسودان لإقامة علاقات متوازنة مع أطراف كروسيا. لكن من المؤكد لن يقتصر هذا التوجه على روسيا، فهناك أيضًا إرهاصات لصفقات مع دول أوروبية منها ألمانيا، لكن على الأرجح ستظل روسيا هي المصدر الرئيسي للتسلح. كما أن منحها أسبقية التواجد العسكري يؤكد على ذلك. يضاف إلى ذلك أن روسيا دعمت المجلس العسكري السوداني في مجلس الأمن، وتصدت تحديدًا للمواقف الأمريكية المتشددة تجاه القيادة العسكرية السودانية قبل تطبيع العلاقات بين الطرفين.

تطوير القدرات العسكرية:

في السياق ذاته، تتفق ملامح الصفقة وفقًا لإطارها العسكري مع التوجهات الاستراتيجية والاقتصادية للطرفين، فمن المؤكد أن روسيا طرف يمكن إبرام صفقات عسكرية معه أكثر مواءمة، وربما لدى السودان خبرات أكثر قربًا للمدرسة الروسية. ومع الأخذ في الاعتبار تغير الأولويات، فالدافع الخاص ببناء جبهة مضادة للولايات المتحدة في عهد “البشير” قد تبدد، وربما تكون الأولوية الحالية للاستراتيجية الحكومية هي تعزيز قدراتها العسكرية وتطوير الهيكل المؤسسي لتقوية الجبهة الداخلية في المقام الأول، إضافة إلى التعامل مع المهددات الإقليمية، لا سيما الخاصة بالحدود. وهناك مؤشرات على أن روسيا ستبدأ بتطوير القدرات البحرية السودانية، فمن منظور تاريخي كانت روسيا هي المؤسس لهذه القوات عام 1959 في عهد الفريق “إبراهيم عبود”، كما تضمنت أول زيارة عسكرية روسية إلى الخرطوم قام بها نائب رئيس الأركان الروسي “إيغور فلاديميروفيتش أوسيبوف” في أكتوبر 2018 برنامج عمل لتطوير القوات البحرية. في حين قدرت تقارير التسلح الدولية أن نصف التسليح العسكري السوداني روسي، فيما وقع السودان خلال المنتدى العسكري الروسي (أغسطس 2020) صفقات هي الأحدث. وفي إطار الرمزية في المسار ذاته، سلمت روسيا للبحرية السودانية سفينة تدريب حربية في أكتوبر 2020 كهدية في إطار البرنامج العسكري المشترك.

مكاسب اقتصادية:

على المدى القريب، ستنعكس تلك العلاقات على الجانب الاقتصادي في تحسين البنية التحية في مجال التعدين والاستخراج، منها ما يتعلق بالاتفاق الخاص برفع كفاءة وتطوير خط نقل النفط بين دولتي الجنوب والشمال وفقًا للاتفاق القائم بين البلدين، إضافة إلى عوائد استخراج الذهب، والغاز. فقد وقع الطرفان اتفاقية في 2018 للتنقيب في ولاية البحر الأحمر، كما وقعت اتفاقيات أخرى في العام الجاري لزيادة مواقع التنقيب والاستخراج.إجمالًا، فإن تنامي العلاقات الروسية مع السودان ستحقق استفادة للطرفين في مجالات متعددة في مقدمتها المجال العسكري، إضافة إلى تحقيق بعض العوائد الاقتصادية، وإن كان المجال الاقتصادي أقل من السقف الذي يمكن أن يشكل نقلة نوعية للسودان على نحو ما يحدث في المجال العسكري، وإن كان الميزان يميل لصالح روسيا التي ستحقق عائدًا استراتيجيًّا في الملف العسكري يتجاوز حدود التواجد العسكري في السودان إلى تعزيز توسع النفوذ الروسي في القرن الإفريقي وإفريقيا جنوب الصحراء، كما تنعكس هذه العلاقة على تعزيز دور المكون العسكري في القيادة السياسية السودانية خلال المرحلة الانتقالية، كما أن برامج التطوير العسكرية السودانية التي تحظى باهتمام رئيسي في المرحلة الحالية ستصب في صالح دور المؤسسة على المديين المتوسط والبعيد.

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح