الإعلام المصري وحرية المعلومات

أقدر العاملين في الصحافة والإعلام لبذلهم جهودا للحصول على المعلومات.. بهذه العبارة التي جاءت على لسان د. مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء خلال افتتاحه المؤتمر الافتراضي: مستقبل الإعلام في العالم، الذي أقامته وزارة الدولة للإعلام، أوضح أهمية المعلومات في العمل الإعلامي والصحفي، مشيرا إلى أن عدم استخدام المعلومات الدقيقة يضعف القوى الناعمة للدولة، وهو ما أكده وزير الدولة للإعلام مشيرا إلى أنه: لا يمكن أن يعيش عاقل بدون معلومات. وللأسف فهذا الفكر لا يوجد لدى العديد من صناع القرار في المجتمع، بل إن التوصيات الختامية للمؤتمر لم تشر من قريب أو بعيد لهذه المسألة! وهو ما يطرح العديد من التساؤلات،…

عبد الفتاح الجبالي

أقدر العاملين في الصحافة والإعلام لبذلهم جهودا للحصول على المعلومات.. بهذه العبارة التي جاءت على لسان د. مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء خلال افتتاحه المؤتمر الافتراضي: مستقبل الإعلام في العالم، الذي أقامته وزارة الدولة للإعلام، أوضح أهمية المعلومات في العمل الإعلامي والصحفي، مشيرا إلى أن عدم استخدام المعلومات الدقيقة يضعف القوى الناعمة للدولة، وهو ما أكده وزير الدولة للإعلام مشيرا إلى أنه: لا يمكن أن يعيش عاقل بدون معلومات. وللأسف فهذا الفكر لا يوجد لدى العديد من صناع القرار في المجتمع، بل إن التوصيات الختامية للمؤتمر لم تشر من قريب أو بعيد لهذه المسألة! وهو ما يطرح العديد من التساؤلات، يأتي على رأسها مصادر المعلومات التي تعتمد عليها وسائل الإعلام المختلفة، وكيفية التأكد من صحة المعلومة؟ وغيرها من الأمور التي يجب أن تكون الشغل الشاغل لجميع المهتمين بالعمل الإعلامي والصحفي، في ظل ما نشهده من حولنا من تطورات ومتغيرات سريعة ومتلاحقة، خاصة مع الصعود الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي في الحياة العامة. 

يأتي ذلك انطلاقا من الإيمان العميق بالدور المحوري والأساسي للإعلام والصحافة في المجتمع ككل، فحرية الإعلام والصحافة هي إحدى الدعامات الأساسية للديمقراطية ومحاربة الفساد، وهو ما يتطلب العمل على توفير جميع الضمانات والإمكانات التي تساعد على أداء الممارسة الإعلامية والصحفية بحرية تامة دون أي ضغوط أو قيود، يمكن أن تؤثر عليها. وتساعدها على لعب دورها المنوطة به خاصة فيما يتعلق بإنارة الرأي العام والمجتمع وتوعيتهما بجميع الحقائق وتعقب الانحرافات، لكي تصبح وبحق نبضا صادقا للمجتمع. ولهذا تم وصف المعلومات بأنها أوكسجين الديمقراطية. من هنا تأتى أهمية حرية المعلومات التي  أصبحت ضرورة أساسية لضمان ممارسة العمل الإعلامي بصورة صحيحة، لذلك اهتمت المؤسسات الدولية بهذه المسألة وتزايدت الدعوة إلى نشر المعلومات بطريقة سهلة ومبسطة, خاصة أن توفير المعلومات والبيانات ذات الجودة العالية لم يعد ضرورة فقط، وإنما أضحى أمرا تلقائيا في ظل ما تفرضه المستجدات على الساحتين الإقليمية والعالمية، وما يشهده العالم من ثورة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وعصر السماوات المفتوحة والشبكات الإلكترونية المتعددة، فقد أصبح من الطبيعي أن تقل سيطرة الدولة، بأجهزتها الرسمية، على مدى إنتاج وتدفق هذه المعلومات في ظل انعدام الحدود بين الدول وتغير المفهوم التقليدي لسيادتها، بما يقصر دور الدولة على تعظيم وتنظيم الاستفادة من تلك المعلومات والحيلولة دون إساءة استخدامها بما يتعارض مع الصالح العام أو الخصوصية.

 وهنا يرى البعض أن الحديث عن المعلومات يتناول فقط البيانات الاقتصادية للدولة مثل الناتج القومي أو أوضاع ميزان المدفوعات والموازنة العامة وغيرها، وهو تصور خاطئ بالأساس، إذ إن المقصود بالمعلومات هو جميع البيانات والإحصاءات التي يحتاجها المواطن وتشمل بذلك التشريعات المنظمة لعمل جهات الدولة وكذلك اللوائح والقرارات الوزارية والإدارية، جنبا إلى جنب مع الأوضاع المالية للمؤسسات مثل الميزانيات العمومية وتقارير مراقبي الحسابات، بالإضافة إلى السيرة الذاتية للقائمين على الإدارة بالمعنى الواسع لهذه الكلمة. وقد أجمعت المواثيق والاتفاقات الدولية والأعراف المنظمة لعملية تداول المعلومات على عدد من المبادئ العامة التي يجب توافرها لكي تتحقق المعرفة التامة، وأهمها الكشف المطلق عن المعلومات، إذ إن المبدأ الأساسي هو حق المواطن في الحصول على المعلومات التي يطلبها، ولا يجوز المنع إلا في حالات محددة في القانون على سبيل الحصر.

 وبالتالي يعد حجب المعلومات من الجرائم التي يعاقب عليها القانون. ويتطلب ذلك النشر التلقائي للمعلومات بحيث يصبح الأصل هو الإتاحة، على أن يكون النشر في صيغ مبسطة يسهل فهمها للجميع. كما يجب ألا تقف التكلفة حائلا دون الحصول على المعلومات، فالأصل هنا هو الحق في الحصول على المعلومة بالمجان، أو بتكلفة محدودة للغاية، مثل تكاليف تصوير المستندات، شريطة ألا تتجاوز مبلغا محددا من المال. ويرتبط بما سبق أن ينظم القانون سبل حصول الأفراد على المعلومة إما بإنشاء جهاز مستقل يتولى هذه المسألة أو يضع الإجراءات القانونية التي تمكن الأفراد من الحصول على المعلومة واللجوء إلى القضاء في حال عدم التمكن من ذلك، شريطة أن يتم كل هذا في غضون فترات زمنية قصيرة منصوص عليها في القانون.

ويتفق الجميع على ضرورة محدودية الاستثناء، ويعد هذا المبدأ من أكثر المبادئ التي تتعرض للجدل والنقاش إذ يخشى البعض أن يمثل ذريعة للدول لإفراغ القانون من مضمونه، عن طريق وضع الكثير من المسائل المهمة في إطار الاستثناء، ولهذا السبب تم وضع العديد من القيود على هذا المبدأ بحيث تضمن استخدامه في الأغراض التي خصص لها، والتي تستهدف حماية المصالح السرية المشروعة في مجالات الأمن القومي والنظام العام والأخلاق العامة، إلى جانب الحق في الخصوصية وحقوق وسمعة الآخرين.

وبالتالي فإن الاستثناءات تكون في الحالات التي سيكون فيها للإفصاح ضرر كبير على المصلحة الوطنية أو سيؤدى إلى إلحاق الضرر بمنع وقوع جرائم، وكذلك الأسرار التجارية أو المعلومات التي يؤدى الكشف عنها إلى تعريض حياة أو صحة شخص للخطر أو تلك التي من شأنها الإضرار بالمصالح التجارية للعملاء. مع مراعاة ضرورة النص على هذه الأمور صراحة وعلى وجه التحديد والقطع وليس على سبيل المثال.  كما ينبغي أن تخضع المعلومات إلى مراجعة دورية كي تأخذ بعين الاعتبار التغييرات في طبيعة المعلومة المحتفظ بها، أو التطورات الدولية والإقليمية. ومن هنا يمكن تصنيف المعلومات إلى درجات سرية معينة بحيث يتم الإفراج عنها وفقا لمدد زمنية محددة طبقا لدرجة السرية هذه. لكل ما سبق أصبح من الضروري العمل على سرعة إصدار قانون حرية تداول المعلومات يتيح الفرصة كاملة للأفراد وغيرهم للحصول على البيانات والمعلومات الصحيحة، لإعادة تنظيم المشهد الإعلامي من جديد، مع العمل على تنقية القوانين القائمة من جميع المعوقات التي تحول دون تدفق المعلومات بطريقة صحيحة.

نقلا عن جريدة الأهرام، الأربعاء ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٠.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب