الحرب الأثيوبية.. سؤال الهيمنة واحتقان الحريات

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

“الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى”؛ ظلت قابضة على السلطة في أديس أبابا لنحو ثلاثين عاماً، منذ أن نجحت 1991 في الإطاحة بالحكومة العسكرية التي قادها «منجستو هايلى مريم»، ليتولى زعيم الجبهة «ميليس زناوى» مقعد رئيس الوزراء، ومعه من قيادات الجبهة جميع القادة العسكريين في البلاد ورؤساء أجهزة الاستخبارات، منذ هذا التاريخ حتى سنوات قليلة مضت. لاحقاً وبشكل سريع قامت الجبهة بحل الجيش الإثيوبي القديم، وحولت قواتها إلى نواة للجيش الإثيوبي الذي تشكل على يديها، وأحاطت الجنرالات الذين كانوا أعضاء في الجناح المسلح للجبهة وتولوا المناصب القيادية، بآخرين استحوذوا على مفاصل القيادة المدنية للدولة جاءوا من قيادات «التيجراي» لضمان فرض هيمنة كاملة…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

“الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى”؛ ظلت قابضة على السلطة في أديس أبابا لنحو ثلاثين عاماً، منذ أن نجحت 1991 في الإطاحة بالحكومة العسكرية التي قادها «منجستو هايلى مريم»، ليتولى زعيم الجبهة «ميليس زناوى» مقعد رئيس الوزراء، ومعه من قيادات الجبهة جميع القادة العسكريين في البلاد ورؤساء أجهزة الاستخبارات، منذ هذا التاريخ حتى سنوات قليلة مضت. لاحقاً وبشكل سريع قامت الجبهة بحل الجيش الإثيوبي القديم، وحولت قواتها إلى نواة للجيش الإثيوبي الذي تشكل على يديها، وأحاطت الجنرالات الذين كانوا أعضاء في الجناح المسلح للجبهة وتولوا المناصب القيادية، بآخرين استحوذوا على مفاصل القيادة المدنية للدولة جاءوا من قيادات «التيجراي» لضمان فرض هيمنة كاملة على الحكم. لعل أشهر هذه النماذج «تيدروس أدهانوم» المدير الحالي لمنظمة الصحة العالمية، الذي شغل منصب وزير الصحة لسنوات طويلة من حكم «ميليس زناوى» وقبلاً كان عضواً بقيادة «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى»، الذى اتهمه مؤخراً «آبى أحمد» وقيادات الجيش باتهامات قاسية، بسبب أفعال يتصور أنه قام بها لصالح الجبهة فضلاً عن انتمائه لقومية «التيجراى”.

دلائل وأمارات الهيمنة التي مارستها قومية «التيجراى» التي تمثل أقل من 10% من سكان إثيوبيا البالغ عددهم 110 ملايين نسمة، على المشهد الإثيوبي العام كثيرة ومتنوعة، ولم تقف عند حد تشكيل جيش الدولة واستخباراتها على مقاس قياداتها، فالذي شكل طوال الوقت رافعة حقيقية لتلك السطوة، هو مجال الاقتصاد الذي تمتع بمكتسباته قادة الحكم الذين لم يخرجوا عن دائرة «الجبهة» لعقود، والاقتصاد في إثيوبيا له عناوين رئيسية ثلاثة هي الموارد الطبيعية، والأراضي، والمساعدات والقروض. وهي عناوين تفتح أبواب الفساد على مصراعيها، وهو ما تقلبت النخبة التيجرانية فيه في وقت حرمت فيه باقي القوميات من عوائده. فإثيوبيا ظلت تتلقى في المتوسط لسنوات نحو (3.5 مليار دولار) سنوياً على هيئة مساعدات وقروض ميسرة، هذا مثل نصف إجمالي الميزانية الرسمية للدولة في عهد «ميليس زيناوى»، وعهد الأخير لنخبته مقاليد التصرف في هذه المبالغ عبر الاستحواذ عليها مباشرة من المانحين، ثم تحديد سبل استخدامها بمعرفتهم ما بين أقاليم الدولة الفيدرالية. وفى هذا الباب السحري وحده مثلت الصين الدولة الأولى في منح القروض بنسبة تجاوزت 60% من حجم الأموال، التي حصلت عليها الحكومات المتعاقبة والتي قيدت بحق الدولة الإثيوبية، رغم ما شاب نسبة كبيرة من هذه الأموال من فساد نخبة هذا الحكم الممتد. وفى باب آخر له علاقة بالأراضي قامت نخبة الحكم حينها بإبرام عقود إيجار طويلة الأجل لمساحات هائلة من الأراضي في الجنوب، وصلت لنحو (4 ملايين هكتار) للمستثمرين الأجانب، مما أدى إلى تكديس مليارات الدولارات بحوزة «التيجراى» من هذه العمليات وحدها.

تسببت هذه الصور من الهيمنة التي أوصلت القوميات والأقاليم الأخرى لحد الاحتجاج العنيف، والمظاهرات التي اجتاحت العاصمة أديس أبابا أكثر من مرة، إلى إزاحة قومية التيجراى جزئياً من تلك السطوة بعد وفاة «ميليس زيناوى» المفاجأة عام 2012، وتولى «هايلى مريام ديسالين» ابن الجنوب الإثيوبي منصب رئيس الوزراء، ليصبح الحاكم الأول الذي لا ينتمى إلى «الأمهرة» أو «التيجراى». ثم أجبر على الاستقالة لاحقاً تحت مطرقة المظاهرات العنيفة التي بدأت على خلفية عرقية، وامتدت بعد ذلك لتشمل حزمة من المطالب السياسية، حتى وصل «آبى أحمد» لتولى مقعد الحكم باعتباره رئيساً لائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية. الأخير القادم على خلفية هذا الاحتقان، صار منطقياً أن يقوم ببعض من الإصلاحات السياسية والإقالات والتبديل في المناصب القيادية للدولة، والعناوين الإصلاحية عادة ما تحظى ببريق داخلي حذر، في الوقت الذى انفتحت فيه أبواب الاحتفاء الدولي الذى تغافل عن آلية تصفية الحسابات العرقية التي انتهجها «آبى أحمد». انكشف سريعاً أن قومية «التيجراى» صارت محل استهداف الحكم الجديد، ولم تخلف هى الأخرى قراءتها للمشهد حيث بدأت تتمترس لتلك المعادلة الجديدة، بل وذهبت لأبعد من ذلك حين نفذت محاولة اغتيال فاشلة بحق رئيس الوزراء الجديد، اتهم فيها رئيس الأمن السابق فى «الجبهة الشعبية لتحرير تيجراى» بأنه العقل المدبر للعملية، لكنه فر إلى إقليم التيجراى قبل أن تصدر المحكمة الفيدرالية مذكرة توقيف بحقه. حكومة إقليم تيجراى رفضت تسليمه بالطبع، لكن نائبه السابق اعتقل أثناء فراره من قوات الأمن فى العاصمة أديس أبابا.

على هذا النحو؛ بدأ الصراع وقد أخذ منحى مفتوحاً بعد هذا الانكشاف السريع، وتنامى العداء لينزلق إلى مستويات خطرة، خاصة بعد أن أقدم «آبى أحمد» على تفكيك شبكات الهيمنة الاقتصادية للتيجراى، فى خطوة خصخصة الشركات الحكومية الكبرى التى تشمل الاتصالات وتجارة السكر والمواد الغذائية، حيث ظلت هذه الأنشطة ضمن أشكال الاستحواذ الضخمة التى كان التيجراى لعقود يعتبرونها من ملكياتهم الحصرية. قبل أن تنتزع منهم، لصالح نخبة حكم جديدة جاءت مع «آبى أحمد» ابن قومية «الأورومو». مثلت هذه التطورات السريعة، نقلة نوعية فى وضع التنافس والاحتقان العرقى فى إثيوبيا بشكل عام، وأطلت برأسها العديد من أشكال ومواريث الثأر التى ضربت معظم الأقاليم، فلم يقتصر الأمر على التيجراى والمركز. وربما النزوح الواسع الذى قدر بالملايين من سكان أقاليم إثيوبيا خلال عامين فقط، يفسر حالة «التطهير» التى تملكت كل إقليم أو كافة القوميات التى بدت وقد تلبستها عدوى الوصول بمناطقها لحالة «نقاء» عرقى ترى أنها الأوفق لمصالحها. وهى أطروحات على سهولة طرحها النظرى إلا أنها وصلت بحالات العنف والقتل على المشاع، إلى أرقام وأنماط يصعب ترميمها بسهولة. وعلى الهامش من هذا الكابوس كان هناك انزلاق أخطر له علاقة بالطوائف الدينية، التى أصاب طوائف مثل الأرثوذكس جرى قتل المئات منهم فى مناطق متعددة، وغير ذلك ما تعرض له المسلمون من تنكيل واعتداءات مشابهة، فى دوامة ليس هناك فى الأفق ما يمكن تلمسه كمخرج قريب بعد أن صارت الحرب الأهلية متكاملة الأركان.

ـــــــــــــ

نقلا عن جريدة الوطن، الثلاثاء ٢٤ نوفمبر ٢٠٢٠.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب