تنمية ومجتمع

حتمية التطوير: السياسات الصحية في مواجهة الموجة الثانية لكورونا

أعاد عدد من البلدان العربية والأوروبية فرض قيود الإغلاق، مع تشديد الإجراءات الوقائية والاحترازية، بعد ما شهدته الأسابيع الأخيرة من تزايد كبير في أعداد الإصابات اليومية الجديدة بفيروس كورونا المستجد، فيما يصفه العلماء ببدء الموجة الثانية من تفشي هذا الفيروس القاتل. وعلى الرغم من نجاعة إجراءات الإغلاق الجزئي، وسلسلة الإجراءات الوقائية المصرية التي تم اتخاذها للسيطرة على الموجة الأولى من تفشي فيروس كورونا في مصر؛ فإن الموجة الثانية من الفيروس، ووفقًا لما هو ملاحظ في البلدان الأخرى، تبدو أكثر خطورة بكثير من الموجة الأولى. فالإصابات اليومية تخطّت في بعض البلدان حاجز الخمسين ألف حالة؛ الأمر الذي يُنذر بأن الإجراءات والسياسات…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

أعاد عدد من البلدان العربية والأوروبية فرض قيود الإغلاق، مع تشديد الإجراءات الوقائية والاحترازية، بعد ما شهدته الأسابيع الأخيرة من تزايد كبير في أعداد الإصابات اليومية الجديدة بفيروس كورونا المستجد، فيما يصفه العلماء ببدء الموجة الثانية من تفشي هذا الفيروس القاتل. وعلى الرغم من نجاعة إجراءات الإغلاق الجزئي، وسلسلة الإجراءات الوقائية المصرية التي تم اتخاذها للسيطرة على الموجة الأولى من تفشي فيروس كورونا في مصر؛ فإن الموجة الثانية من الفيروس، ووفقًا لما هو ملاحظ في البلدان الأخرى، تبدو أكثر خطورة بكثير من الموجة الأولى. فالإصابات اليومية تخطّت في بعض البلدان حاجز الخمسين ألف حالة؛ الأمر الذي يُنذر بأن الإجراءات والسياسات الوقائية والعلاجية، التي نجحت في إدارة الموجة الأولى، قد لا تكون كافية للسيطرة على الفيروس في موجته الثانية.

سياسات الصحة العامة خلال الموجة الأولى

بعد الإعلان عن تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم، وتحوله إلى جائحة عالمية؛ شُكلت غرفة عمليات مركزية لإدارة تلك الأزمة داخل وزارة الصحة المصرية. ارتكزت منظومة العمل داخل الغرفة على متابعة سير العمل من خلال الشبكة المميكنة التي تربط كلًّا من إدارات المستشفيات وهيئة الإسعاف والخط الساخن بالغرفة (105)، والذي تم تخصيصه لاستقبال كافة استفسارات المواطنين حول الفيروس، وكذلك الإبلاغ عن حالات الاشتباه في الإصابة. وكانت هذه الغرفة بمثابة المنتج الأساسي للبيانات والمعلومات حول حجم الإصابات ونطاقها وأكثر المتأثرين بها، لتمكين صناع القرار من تأطير أزمة فيروس كورونا، وتحديد أهم المعلومات التي يجب صياغتها ونشرها للمواطنين من أجل إرشادهم خلال الاستجابة الأولية للفيروس، مع وضع الخطوط العريضة للتعامل بشكل فعّال مع الأزمة.

ووفقًا للمعلومات التي أفادت بها غرفة العمليات، اتخذ مجلس الوزراء عددًا من التدابير الاحترازية والوقائية المؤقتة للسيطرة الفورية على الأزمة، حيث تم إقرار تعليق حركة الطيران، وغلق المدارس وأماكن التجمعات الدينية وغيرها من الأماكن العامة التي تكثر بها التجمعات لوضع حد لانتشار الفيروس. تبع ذلك فرض إغلاق جزئي في الفترات المسائية، وتخفيض أعداد العاملين بالجهاز الإداري للدولة، ومنح إجازات استثنائية لأصحاب الأمراض المزمنة ولمن هم أكثر عرضة للخطر، مع تطبيق غرامات مالية على عدم ارتداء الكمامات في وسائل المواصلات والأماكن العامة.

واعتمدت وزارة الصحة أيضًا، خلال الموجة الأولى على عدة أدوات للتواصل مع المواطنين، بدءًا من الخط الساخن (105) للتواصل المباشر معهم، ومرورًا بعمل حملات توعوية وإرشادية عبر وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، وانتهاءً بتطبيق “صحة مصر” الذي يوفر بيانات حول أقرب المستشفيات المحيطة بمستخدم التطبيق. واعتمدت آليات رصد وتعقب الحالات المصابة بشكل أساسي على بلاغات المواطنين، والمتابعة معهم هاتفيًّا للتأكد من تلقّي بروتوكول العلاج.

وأخيرًا، أطلقت الوزارة خطةً للتعايش مع فيروس كورونا مكونة من ستة محاور رئيسية تتمثل في: الاشتراطات الأساسية لعمل المنشآت والجهات ووسائل النقل المختلفة، واستمرار كافة أنشطة التباعد الاجتماعي والحد من التزاحم، وحماية كبار السن وذوي الأمراض المزمنة، ونشر ثقافة تغطية الوجه بالكمامة، وتشجيع الاهتمام بالحالة الصحية العامة، والأنشطة الذكية لتفادي التجمعات، على أن يتم تنفيذ هذه الخطة على ثلاث مراحل من أجل عودة الحياة إلى طبيعتها.

تعزيز السياسات الصحية خلال الموجة الثانية

ساعدت الطبيعة العالمية لجائحة كورونا في توفير عدد من المصادر والتجارب والدروس المستفادة، والتي يمكن الاعتماد عليها في تطوير الاستجابات الوطنية الصحية للتصدي للأزمة. فيوجد، على سبيل المثال، التوصيات والإرشادات التي تصدرها منظمة الصحة العالمية أولًا بأول حول التعامل مع الفيروس. إضافة إلى ذلك، فقد توافر للدول معرفة وتجارب مفيدة يمكن الاستعانة بها لتعزيز سياسات الصحة العامة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل ما يمكن الحصول عليه من بيانات ومعلومات لتطوير خطة الاستجابة الوطنية لن يكون مفيدًا فقط خلال أزمة كورونا الحالية، بل من الممكن أن يُعيد رسم سياسات الصحة العامة في مصر، وتطوير نظام فعال قادر على مواجهة أي أزمات أو طوارئ صحية في المستقبل.

1- تطوير إجراءات الترصد والتعقب:

أول سياسات الصحة العامة التي تستوجب التطوير، هي سياسة ترصد وتعقب الحالات المصابة بالفيروس. فالسياسة المصرية اعتمدت بشكل أساسي على البلاغات الواردة من المصابين أنفسهم؛ في حين اعتمد عدد من الدول العربية (مثل: السعودية، والإمارات العربية المتحدة) على خلق أنظمة رصد ومتابعة المصابين عبر الاعتماد على تطبيقات الهاتف المحمول أو الأساور الذكية. فمن خلال هذه التطبيقات يمكن تحديد الأماكن التي تواجد بها الشخص المصاب، وتحذير كل من كانوا معه في تلك الأماكن، مع متابعة الشخص المصاب والتأكد من عدم مخالفته لقواعد العزل المنزلي. وهي نفس التقنية التي اعتمدتها تلك البلدان أيضًا في التأكد من التزام الأشخاص العائدين من الخارج بقواعد الحجر المنزلي. لذا، من الضروري أن تكون هناك استعانة بتكنولوجيا المعلومات في سياسات الترصد والتعقب، لا سيما عبر تطبيقات الهواتف الذكية والتي يبلغ إجمالي مستخدميها، وفقًا لأحدث الدراسات الصادرة عن وزارة الاتصالات المصرية، حوالي 27 مليون شخص، ومن الممكن تطوير تطبيق “صحة مصر” لتحقيق ذلك، فيما يمكن متابعة باقي المصابين عبر استخدام السوار الذكي الذي لا تزيد تكلفته عن 150 جنيهًا (10 دولارات).

2- توفير معلومات وإرشادات أكثر:

ونظرًا لأهمية التواصل القوي والقائم على توفير المعلومات بشكل فوري ومستمر أثناء الأزمات، لا سيما الطوارئ الصحية؛ يجب تعزيز سياسات التواصل الفعال مع المواطنين ووسائل الإعلام. ويمكن تحقيق ذلك عبر تطوير الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة الصحة والسكان المصرية، وجعله سهل الوصول والاستخدام لكافة الفئات العمرية والاجتماعية. كما يجب دعم الموقع بمقاطع فيديو توضيحية أو رسوم بيانية تشرح الأزمة، مستفيدين في ذلك مما تنشره المواقع الممتازة التابعة لمؤسسات صحية موثوقة مثل الموقع الإلكتروني لمركز السيطرة على الأمراض الأمريكي. أيضًا من الضروري تحديث محتوى الموقع باستمرار بما يتناسب مع أحدث التطورات والقرارات التي تم اتخاذها من قبل الحكومة حول الأزمة، بجانب نشر تلك الرسائل بوضوح عبر صفحات التواصل الاجتماعي. فمن الطبيعي أن يحتاج المواطنون خلال الأزمة للحصول على معلومات كافية حول موعد الاتصال بالطبيب إذا كانت لديهم أعراض، وماهية إجراءات اختبار فيروس كورونا، وكيفية الوصول إلى تدابير الطوارئ. وحتى كتابة هذا المقال، يصعب استخراج مثل تلك المعلومات بسهولة وسرعة من خلال الموقع الرسمي للوزارة. ليس هذا فقط، فسيسهم تطوير الموقع الرسمي في خلق مصدر موثوق وموحد، يمكن لوسائل الإعلام الاعتماد عليه واستخدامه في تقاريرها حول فيروس كورونا، مع مكافحة انتشار المعلومات المضللة والمغلوطة.

3- وضع سياسات واضحة لإجراءات اختبارات الكشف عن كورونا:

هناك سببان رئيسيان لإخضاع الأفراد لاختبارات فيروس كورونا؛ الأول هو لتشخيص إصابة المواطنين على أساس فردي، أما الثاني فهو تحديد إلى أي مدى ينتشر الفيروس وفي أي مناطق. وقد تساعد الاختبارات التي تجري للسبب الثاني السلطات الصحية على التخطيط الجيد لاتخاذ قرارات على صعيد قواعد التباعد الاجتماعي وفرض الإغلاق الجزئي. فعلى سبيل المثال، يمكن فرض الإغلاق على بعض المناطق بمدن معينة إذا ثبت إصابة أعداد كبيرة بالفيروس فيها. ليس هذا فقط، بل من الممكن أن تساعد هذه البيانات أيضًا في التخطيط لتوزيع المستلزمات الطبية والمستحضرات الدوائية بشكل أفضل على مستوى المستشفيات.

ووفقًا للبيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة، يبلغ إجمالي عدد الاختبارات التي تم إجراؤها منذ بداية أزمة كورونا حتى كتابة هذا المقال، حوالي مليون اختبار، بمعدل 9704 اختبارات لكل مليون نسمة، وعلى الرغم من وجود بعض المعلومات المفيدة حول أكثر المناطق إصابة بفيروس كورونا على مستوى الجمهورية، مثل حلوان وشرق مدينة نصر بمحافظة القاهرة، ومحافظتي الجيزة والإسكندرية؛ إلا أن إجمالي عدد الاختبارات التي تم إجراؤها في كل محافظة ونسبة النتائج الإيجابية منها، أو حتى الإجراءات التي تم اتخاذها إعمالًا بتلك البيانات لم يتم الإعلان عنه؛ ما يعني أن هناك ضرورة ملحة لتطوير سياسات الاختبارات لتحقيق الاستفادة القصوى منها.

4- سياسات التوعية بالنظافة العامة وتعقيم وتطهير المنشآت:

واحدة من أبسط وأهم الطرق التي يمكن أن يقي بها الفرد نفسه من فيروس كورونا هي المداومة على غسيل اليدين، مع العناية بالنظافة العامة، وهو ما اهتمت وزارة الصحة المصرية بالترويج له بشدة في بداية أزمه كورونا، وأطلقت عبر المنصات المختلفة (مثل: القنوات التليفزيونية، والراديو، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيق “صحة مصر”) حملات توعوية لإرشاد المواطنين حول كيفية الاهتمام بالنظافة الشخصية لتفادي الإصابة، ولكن بمرور الوقت انخفضت تلك الحملات بشكل كبير لا سيما الحملات المتلفزة، وانعكس ذلك على أداء الأفراد وإهمالهم لتلك الإجراءات. وكذلك هو الوضع فيما يخص تطهير وتعقيم المنشآت الحكومية أو غير الحكومية ووسائل النقل، فمع غياب المتابعة والمراقبة على تنفيذ تلك الإجراءات، تم التهاون في تنفيذها رغم استمرار وجود الفيروس، وبالتالي ثمة حاجة لإعادة تشديد كافة الإجراءات الوقائية التي فُرضت في بداية الأزمة، مع تحديد آليات للرقابة عليها، والتأكد من تطبيقها بالشكل الصحيح.

5- توسيع نطاق المشاركة في إدارة الأزمة:

ومن أجل تسريع عملية اتخاذ القرارات السليمة خلال الأزمات الصحية بشكل عام، وفي إدارة الموجة الثانية من فيروس كورونا بشكل خاص؛ من الضروري أن يتم إشراك خبراء الصحة العامة، وعلماء الأوبئة، وعلماء الفيروسات، وأبرز المتخصصين في الرعاية الصحية على نطاق أوسع في المناقشات والمحادثات التي تجري خلال اتخاذ قرارات الاستجابة للأزمة. ومن خلال الاستعانة بآراء وتوصيات هؤلاء الخبراء؛ يمكن تطوير خطة التعايش التي أصدرتها وزارة الصحة لمراحل عودة الحياة إلى طبيعتها، حيث تضمنت الخطة الإجراءات التي يجب اتباعها في أماكن العمل والمولات والأسواق وفي قطاع البناء والمصانع، وكافة وسائل المواصلات والفنادق، ولكنها لم تتضمن الإجراءات الوقائية اللازمة في الأماكن الرئيسية التي يصعب تحقيق التباعد الاجتماعي بها، وتكون عادة مكتظة بالمواطنين مثل الأسواق الشعبية، كما لم يتم وضع آليات واضحة لمتابعة التزام المواطنين بتنفيذ الإجراءات الوقائية، وكذلك لم يتم وضع دليل واضح للتعامل مع الحالات المشتبه بها، سواء داخل أو خارج أماكن العمل، على غرار الدليل الذي أعده المركز الوطني السعودي للسيطرة على الأمراض ومكافحتها. حيث إن توفير الخطوات والإرشادات اللازمة للتعامل بشكل واضح سيسهل على المواطنين فهم ما يجب فعله في كل خطوة دون ارتباك، وبالتالي تمكينهم من السيطرة على الأزمة.

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة