وحدة قضايا المرأة والأسرة

ضغوط إضافية: النساء في مواجهة الجائحة والصراعات في الشرق الأوسط

تأثرت النساء في جميع أنحاء العالم بجائحة كورونا، إلا أن الآثار الاجتماعية والاقتصادية للجائحة أثرت بشكل أكبر على النساء في الشرق الأوسط، وخاصة في الدول المتضررة من النزاعات كاليمن وسوريا وليبيا، فداخل تلك الدول تواجه النساء مستويات عالية من العنف داخل منازلهن ومجتمعاتهن المحلية ومن الجماعات المسلحة، لتأتي جائحة كورونا لتؤثر عليهن بصورة كبيرة، حيث يشكلن غالبية العاملين في قطاع الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية بنسبة تتجاوز 70%، مما يعرضهن لمخاطر أكبر للإصابة بالفيروس، إلى جانب تحملهن العبء الإضافي المتمثل في التعليم المنزلي ورعاية المرضى وكبار السن، وذلك في ظل تفاقم ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي والأعراف الاجتماعية المقيدة والأطر…

مي عجلان
باحثة في شئون المرأة والسلام والأمن

تأثرت النساء في جميع أنحاء العالم بجائحة كورونا، إلا أن الآثار الاجتماعية والاقتصادية للجائحة أثرت بشكل أكبر على النساء في الشرق الأوسط، وخاصة في الدول المتضررة من النزاعات كاليمن وسوريا وليبيا، فداخل تلك الدول تواجه النساء مستويات عالية من العنف داخل منازلهن ومجتمعاتهن المحلية ومن الجماعات المسلحة، لتأتي جائحة كورونا لتؤثر عليهن بصورة كبيرة، حيث يشكلن غالبية العاملين في قطاع الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية بنسبة تتجاوز 70%، مما يعرضهن لمخاطر أكبر للإصابة بالفيروس، إلى جانب تحملهن العبء الإضافي المتمثل في التعليم المنزلي ورعاية المرضى وكبار السن، وذلك في ظل تفاقم ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي والأعراف الاجتماعية المقيدة والأطر القانونية التي تزيد من تلك العقبات، وهو ما أدركه الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غويترش”، حيث دعا في مارس 2020 إلى الوقف العالمي لإطلاق النار للتصدي لجائحة كورونا. 

وفي يوليو 2020، عزز مجلس الأمن دعوة الأمين العام لوقف إطلاق النار على الصعيد العالمي من خلال اعتماد القرار 2532 (2020) الذي نص على الوقف الفوري للأعمال القتالية. لذا لم تكن تلك الجائحة أزمة صحية عامة فحسب، بل أزمة اقتصادية واجتماعية داخل تلك الدول.

النساء في خضم الصراع والوباء

خلال سنوات الحرب والنزاعات المسلحة في اليمن وسوريا وليبيا، شكلت النساء الغالبية العظمى من المتأثرين بتلك النزاعات والانتهاكات لتأتي الجائحة وتزيد من صعوبة الأمر، حيث أدت إلى تحويل التمويل بعيدًا عن الخدمات المقدمة للنساء، فأظهرت الأزمة صعوبة في جذب انتباه صانعي السياسات -على المستويين الوطني والدولي- لدعمهن ومساعدتهن فيما يتعرضن له من عنف، حيث تتضاءل أموال تلك البلدان وتكافح للحفاظ على استمرار اقتصاداتها، فظهرت تحديات عدة أثرت على النساء تمثلت في الآتي:

  • تفاقم العنف:

أدت إجراءات الإغلاق وحظر التجول إلى تفاقم معدلات العنف المنزلي المرتفعة بالفعل داخل تلك البلدان، وذلك بسبب تزايد المخاوف والتوتر بشأن انعدام الأمن الوظيفي، وضيق المساحات المعيشية للأسر الكبيرة، وانخفاض الخدمات وصعوبة الإبلاغ عن العنف في ظروف الإغلاق، إلى جانب الأعراف الاجتماعية المقيدة التي ترى أن الرجال هم أرباب الأسر ومسئولون عن دخل الأسرة، ولكن منعت الجائحة الرجال من القيام بهذا الدور فكان التنفيس عن ذلك الإحباط في شكل عنف ضد النساء والفتيات. ففي ليبيا -على سبيل المثال- ارتفع معدل العنف المنزلي خلال الجائحة إلى 46%.

إضافة إلى ذلك أثرت جائحة كورونا على سبل العيش ودخل الأسرة، فأدى ذلك إلى زيادة حالات الزواج المبكر، وإجبار الفتيات الأصغر سنًا التي تواجه أسرهن أعباء اقتصادية كبيرة على قبول الزواج مقابل الحصول على مبالغ مالية، وأيضًا يزيد النزاع المسلح في تلك البلدان من مخاطر الاعتداء الجنسي والجسدي على النساء من قبل الجماعات المسلحة. ومع تفشي الجائحة زادت الإجراءات الاستبدادية المتزايدة للسيطرة على السكان بسبب محدودية سيطرة قوات الأمن على كافة المناطق، خاصة أن مع تطبيق سياسات الحظر والإغلاق تتعرض النساء لخطر الكمائن الوهمية المنتشرة من قبل الجماعات المسلحة أثناء جلبهن للمياه، حيث ترتبط أدوار النساء الاجتماعية والأعراف داخل تلك البلدان بجلب المياه يوميًّا نظرًا لأن غسل اليدين أمر بالغ الأهمية لمنع انتشار الوباء، لذا تزداد حاجة النساء إلى جمع المياه، ومن المحتمل أن يؤدي ذلك إلى تفاقم مخاطر الهجوم والاعتداء الجنسي عليهن، ففي اليمن هناك 60% من النساء تقطع مسافات طويلة تتجاوز 30 دقيقة لجمع المياه، ويتعرضن خلال تلك المسافة للتحرش والعنف الجنسي. كما لم تستطع النساء إيجاد مراكز صحية لإسعافهن في حالات الولادات الصعبة أو وجود مستشفيات حكومية بسبب إغلاق الحدود، ففي اليمن أغلقت المستشفيات الحكومية ومنعت استقبال حالات الولادة نتيجة نقص الكادر الطبي، حيث اضطر بعض الأطباء والعاملين الصحيين للبقاء في منازلهم خوفًا من الإصابة لعدم توفر أدوات ووسائل الوقاية داخل المستشفيات بسبب انهيار البنية التحتية الصحية، لذا لم يكن أمام الكثير من النساء الحوامل في اليمن إلا اللجوء إلى الولادة المنزلية رغم مخاطرها، فمع بدء انتشار الجائحة داخل اليمن توقعت الأمم المتحدة وفاة 48 ألف امرأة بسبب مضاعفات الحمل والولادة بسبب النقص الحاد في التمويل، وإغلاق مرافق الصحة الإنجابية.

  • الاستبعاد من المشاركة وصنع القرار:

مع ظهور فيروس كورونا تم استبعاد العديد من النساء من العملية السياسية الرسمية والمفاوضات، حيث قل الاهتمام بالمشاركة السياسية للنساء وبالعمل السياسي بسبب تراجع دور المجتمع الدولي، وتركيز الدول المانحة في تلك الفترة على منع انتشار الوباء في بلدانهم، وأيضًا اهتمام الناشطات داخل المجتمع المدني في البلدان المتضررة من النزاعات بالجانب الاقتصادي والإغاثي بدلًا من الجانب السياسي، وذلك لتعويض الخسائر التي خلّفها انتشار الفيروس مما أدى إلى انخفاض الوعي السياسي بسبب قلة تمويل المشاريع التوعوية، وتوجه معظم التمويل إلى المشاريع الإغاثية إلى جانب تعرض عدد كبير من الناشطات السياسيات داخل تلك البلدان إلى حملات متكررة من الاعتداءات الجنسية والعنف بسبب ما يقمن به من توعية للنساء في ظل عدم وجود قانون يدافع عنهن ويحميهن من التحرش والاعتداء.

  • إغلاق المدارس وتسرب الفتيات من التعليم:

كانت النسبة الأكبر للفتيات في معدلات التسرب من التعليم خلال سنوات الحرب والنزاع، حيث تحملن مسئوليات رعاية إضافية بدلًا من الذهاب إلى المدرسة أو الانخراط في أنشطة التعليم المنزلي، لتأتي جائحة كورونا لتزيد من تلك المعدلات، حيث زادت الآثار الاقتصادية للوباء على معدلات تسرب الفتيات، فأُجبرت الفتيات اللواتي أصيبت أمهاتهن أو تحملن وظائف وأعباء إضافية على تولي مسئوليات تقديم الرعاية، مما صعب من إمكانية عودتهن إلى المدارس مرة أخرى، حيث تشير الإحصائيات إلى أن 2.1 مليون فتاة في حاجة إلى التعليم في اليمن. ومع تطبيق سياسة الإغلاق والتعليم عن بعد لا تزال هناك فجوات كبيرة في توفير أدوات التعلم عبر الإنترنت والوصول إليها داخل تلك المناطق المتضررة من النزاعات المسلحة، فقد يستمر قطع الكهرباء لمدة طويلة، مع ضعف شبكات الإنترنت، بالإضافة إلى الأمية المرتفعة بين الفتيات، وعدم قدرتهن على استخدام وسائل الاتصال الحديثة.

  • فقدان الدخل وتزايد معدلات البطالة:

تفاقم تأثير جائحة كورونا على النساء داخل المنطقة العربية ودول النزاع من الناحية الاقتصادية بصورة كبيرة، حيث فقدن وظائفهن نتيجة تفشي الوباء، حيث أشارت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا إلى أن المنطقة العربية من المحتمل أن تخسر 1.7 مليون وظيفة على الأقل في عام 2020 نتيجة جائحة كورونا، وقد يكون القطاع غير الرسمي الأكثر عرضة للخسائر، خاصة أن 62% من النساء العاملات في المنطقة العربية يعملن بهذا القطاع. وفي ليبيا وفقًا لدراسة أجرتها مكتب الأمم المتحدة للمرأة تبين أن احتمال نسبة البطالة بالنسبة للنساء في ليبيا تفوق نظائرهن من الرجال بمقدار 12 مرة خلال جائحة كورونا. 

وتماشيًا مع السياق، يزداد التأثير على النساء داخل دول النزاع، ليس بسبب تسريحهن فقط من الوظائف، ولكن بسبب انتشار الأعراف الاجتماعية التمييزية والعادات التي تدعم الاعتقاد بأن الرجال بصفتهم أرباب الأسر يجب أن يحصلوا على فرص عمل أكبر من النساء عندما تكون فرص العمل نادرة، وهو ما ينطبق على الجائحة، فالأدوار التقليدية للجنسين تخلق توقعات بأنه في أوقات الأزمات تعطي النساء الأولوية لمسئولياتهن الأسرية، لذا أُجبرن على البقاء في المنزل لرعاية أطفالهن.

وبسبب تلك المسئوليات كان على النساء العثور على عمل بديل بعد تسريحهن، وأثّر ذلك بشكل كبير على الأسر التي تعولها النساء بسبب فقدان الرجال في الحرب، وتحملهن المسئولية، أي لم تكن هناك أي طرق لتوفير احتياجتهن الأساسية في ظل انقطاع المساعدات الإنسانية، وعدم وصولها إلى المخيمات بسبب تدابير العزل. 

في النهاية، تؤثر الأوبئة والأمراض على الرجال والنساء في دول العالم بشكل كبير، ولكن في البلدان المتضررة من النزاعات يكون التأثير بشكل أكبر على النساء، خاصة مع زيادة العنف ضد النساء واستبعادهن من جميع عمليات صنع القرار أثناء هذه الأزمات، مما يؤدي إلى ضعف كبير في تلبية احتياجاتهن. ولكن على الرغم من ذلك، ربما تقدم جائحة كورونا فرصًا جديدة للسلام، حيث يجبر المرض على التعاون، وهو ما حدث عبر تطبيق قرارات وقف إطلاق النار في كل من اليمن وليبيا من أجل توحيد الجهود لمكافحة جائحة كورونا، أي يمكن استغلال ذلك القرار كفرصة لفرض السلام باعتبار جائحة كوورنا هدفًا مشتركًا يسهل الحوار بين أطراف النزاع، فالكل أمام الجائحة متساوٍ لا يوجد طرف أقوى وطرف ضعيف، الكل غير آمن ومعرض للإصابة

المصادر:

  • بيان خاص بوضع المرأة الليبية خلال جائحة كورونا، الموقع الرسمي لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، تاريخ الدخول 19-11-2020، متاح على الرابط التالي: 

https://arabstates.unwomen.org/ar/news/stories/2020/04/press-release-new-report-the-economic-and-social-impact-of-conflict-on-libyan-women.

  • Hafsa Halawa, The gendered impact of COVID-19 in the Middle East, middle east institution access date 18-11-2020, access from :

https://www.mei.edu/publications/gendered-impact-covid-19-middle-east

  • Laura Martineau Searle, Michelle Spearing, Noha Yeyha, Women leaders COVID-19 response from the grassroots to government: perspectives from Yemen, LSE , access date 18-11-2020, access from : 
  • The indirect impact of COVID-19 on women, news desk, access date 10-5-2020, access from: 

https://www.thelancet.com/action/showPdf?pii=S1473-3099%2820%2930568-5

مي عجلان
باحثة في شئون المرأة والسلام والأمن