مقال تحليلي

سقارة: اكتشافات تستدعي التاريخ الحضاري لمصر

أعلنت مصر عن كشف أثري ضخم بمنطقة سقارة الأثرية خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2020، والتي لم تبح سوى عن ١% من كنوزها رغم كل الاكتشافات على مر السنين، الأمر الذي حاز اهتمامًا دوليًّا بهذا الكشف الذي وصفته وزارة الآثار المصرية حينها بـ”الأضخم”. ويناقش هذا التحليل أهمية مثل تلك الاكتشافات بالنسبة للمعرفة الإنسانية ومصر، إلى جانب القضايا المتعلقة بالصورة الذهنية لمصر في الخارج. خطوات على طريق الاكتشاف الأضخم اضطلعت بعثة مصرية خالصة من الأثريين والمرممين والحرفيين بأعمال التنقيب في منطقة سقارة إلى أن تم إعلان الكشف الأثري الجديد، بعدما نجحت أعمال حفر البعثة في اكتشاف ثلاث آبار عميقة للدفن، بها عدد ضخم من…

آلاء برانية – بلال منظور

أعلنت مصر عن كشف أثري ضخم بمنطقة سقارة الأثرية خلال شهري أكتوبر ونوفمبر 2020، والتي لم تبح سوى عن ١% من كنوزها رغم كل الاكتشافات على مر السنين، الأمر الذي حاز اهتمامًا دوليًّا بهذا الكشف الذي وصفته وزارة الآثار المصرية حينها بـ”الأضخم”.

ويناقش هذا التحليل أهمية مثل تلك الاكتشافات بالنسبة للمعرفة الإنسانية ومصر، إلى جانب القضايا المتعلقة بالصورة الذهنية لمصر في الخارج.

خطوات على طريق الاكتشاف الأضخم

اضطلعت بعثة مصرية خالصة من الأثريين والمرممين والحرفيين بأعمال التنقيب في منطقة سقارة إلى أن تم إعلان الكشف الأثري الجديد، بعدما نجحت أعمال حفر البعثة في اكتشاف ثلاث آبار عميقة للدفن، بها عدد ضخم من التوابيت الآدمية المغلقة منذ أكثر من 2500 عام، والتي تعود إلى الأسرة السادسة والعشرين من العصر الفرعوني، وتخص مجموعة من الكهنة وكبار رجال الدولة والشخصيات المرموقة في الدولة المصرية الفرعونية آنذاك.

كما تم استخراج 59 تابوتًا، وما يتراوح بين 40 و50 قطعة أثرية من التماثيل، كما تم العثور على 28 تمثالًا خشبيًّا للإله “بتاح سوكر” وهو الإله الرئيسي لجبانة سقارة، بالإضافة إلى عدد كبير من تماثيل “الأوشابتي” والتمائم (التي تمثل حماية أكبر للمومياء)، وكذلك تمثال من البرونز للإله “نفر توم” إله الشفاء والجمال والمُطعّم بالأحجار الكريمة. واستمرت أعمال الحفر ولم تتوقف إلى أن تم الإعلان عن العثور على 130 تمثالًا مختلف الأحجام والعديد من “اللقى” والتماثيل الخشبية والأقنعة الملونة والمذهبة والتي تمتاز جميعها بحالتها الجيدة، كما تم استخراج 100 تابوت، بخلاف الـ59 التي تم اكتشافها من قبل بالمكان نفسه.

لماذا تُعد التوابيت الآدمية اكتشافًا مثيرًا؟

قامت العقيدة المصرية القديمة بالأصل حول البعث والحياة الأبدية؛ ولهذا الأمر حملت التوابيت قدسية خاصة لما تلعبه من دور رئيسي سواء في الحفاظ على جسد المتوفى في العالم الآخر، إلى جانب الوظائف الدينية والرمزية الأخرى التي تطورت مع مرور العصور، إذ بدأت فكرة التوابيت الآدمية منذ عصر الدولة القديمة، وخلال الدولة الوسطى ومع نهاية الأسرة الثانية عشرة، حيث ظهرت التوابيت الخشبية ذات الهيئة الآدمية، واستمر استخدامها في الدولة الحديثة.

وتتمثل أهمية العثور على التوابيت المكتشفة والمغلقة تمامًا منذ أكثر من 2500 عام، في أنها تتيح دراسة محتويات التوابيت كاملة، والتي يمكن أن نستشف منها التسلسل الزمني للفترات التاريخية، والنواحي الاجتماعية التي مر بها أصحاب التوابيت والمعتقدات الدينية، إضافة إلى أنها تعكس التحولات الاجتماعية في التجارة والعلاقات الدولية والاقتصادية للفترة محل الدراسة.

كيف كانت الحياة في سقارة؟

تُعتبر منطقة سقارة الواقعة على بُعد 40 كم جنوب غرب القاهرة، والمصنفة كموقع تراث عالمي من قبل منظمة اليونسكو عام 1979، من أغنى وأهم المناطق الأثرية في مصر، وهي جزء هام من جبانة “منف” التي استُخدمت منذ عصر الأسرة الأولى (3000-2890 ق.م) حتى العصر الروماني، وقد اشتق اسم سقارة من اسم إله الموتى والخصوبة بالدولة القديمة الإله “سوكر”.

وتتميز المنطقة بأنها متحف مفتوح يعرض قصة الحضارة، فهي المنطقة الوحيدة التي تحتوي على آثار منذ بداية التاريخ المصري وحتى نهاية العصرين اليوناني والروماني؛ حيث تم دفن الملوك والنبلاء من السلالتين الأولى (3100 – 2686 ق.م) بها، إضافة إلى وجود أهرامات أهم ملوك الدولة القديمة في الأسرتين الخامسة والسادسة، أحدها هرم “أوناس” (2375 – 2345 ق.م). كما احتوت سقارة أيضًا على مقابر من الفترة الانتقالية الأولى (2181 – 2050 ق.م) والدولة الوسطى (حوالي 2050 – 1710 ق.م) والدولة الحديثة (حوالي 1550-1077 ق.م)، واستمرت المنطقة مأهولة ومستخدمة من الأسرة الثامنة عشرة (1550 – 1295 ق.م) وحتى نهاية العصر البطلمي (332 – 30 ق.م).

وبشكل عام، تمثل تلك الاكتشافات الأثرية ومثيلاتها أهمية كبيرة للمعرفة الإنسانية ومصر، وذلك للأسباب التالية:

  •  ما تتضمنه من مخزون حضاري وتاريخي لا ينفصل عن تكوين الشخصية المصرية في العصر الراهن، فضلًا عن الأهمية الناتجة عن السياحة باعتبارها أحد المصادر الرئيسية للدخل القومي المصري، فالاكتشاف الأخير هو ضمن سلسلة متعاقبة من الاكتشافات بمنطقة سقارة ساهمت في إعادة إحياء وتنشيط حركة السياحة الأثرية في مصر، إذ نجحت البعثة المصرية في الكشف عن مقبرة فريدة من نوعها لشخص كان يشغل منصب النبيل لدى الملك، والمشرف على القصر الملكي في أواخر عصر الأسرة الخامسة من الدولة القديمة، وتم اختيار الكشف ضمن أحد أهم 10 اكتشافات أثرية لعام 2019، وتصنيفه الاكتشاف الأكثر جذبًا للأنظار في عام 2019 وفق مجلة Archaeology Magazine. إضافة إلى ذلك، نجحت البعثة الأثرية المصرية اليابانية المشتركة والعاملة بشمال شرق سقارة عام 2019، في الكشف عن مقبرة للعصر الروماني، وهي الأولى في منطقة سقارة الأثرية.
  • تناقل خبر الإعلان عن هذا الكشف الأثري جميع وسائل الإعلام الدولية بصورة واسعة النطاق، إلى جانب حضور المؤتمر الصحفي الذي أقامته وزارة الآثار لسفراء العديد من الدول اهتمامًا بهذا الحدث الضخم وتغريد العديد من هؤلاء السفراء على حساباتهم على تويتر بخبر الاكتشاف الأثري، بما يعني أنه في ظل التعاقب السريع والغزير للأخبار على مستوى العالم، يمثل الخبر المتعلق بالحضارة المصرية القديمة الحدث الأهم الذي يتناقله الإعلام الدولي وبما يؤشر على ترسخ التاريخ والحضارة في الرقعة المصرية، والاهتمام والتشوّق الدولي لأخبار الحضارات والتاريخ، يُبرره ذلك ما عبّر عنه أحد الفلاسفة الألمان “هيجل” من أن التاريخ تجسد في أمم بعينها منها مصر وحضارتها الفرعونية.
  • ترمي الاكتشافات الأثرية وما يتعلق بالحضارة المصرية القديمة إلى النظرة التاريخية وعلاقة الحاضر بهذا الماضي التاريخي، الأمر المرتبط بكيف تنظر الدول الأخرى حول العالم إلى مصر في العصر الحالي. إذ إنه عند متابعة إحدى الصحف العالمية وهي صحيفة “الباييس” El Pais الإسبانية، تدور أكثر من 50% من الملفات التي يتم تغطيتها عن مصر حول التاريخ الفرعوني والحضارة المصرية القديمة، الأمر المماثل عند إنتاج الأعمال الفنية كالأفلام وتصويرها لمصر على أنها صحراء أو مومياوات فقط، ومردود ذلك على الصورة الذهنية للدولة المصرية في أذهان الشعوب الأخرى وما يتطلبه من استغلال أمثل لـ”لحظة الذاكرة” في الأحداث والأخبار وتسليطها الضوء على مصر في التعريف بالوجه الأصلي والحقيقي لمصر.
  • استندت السياسة الخارجية المصرية في جزء منها إلى العامل الحضاري الذي يربطها بالدول التاريخية، مثل مؤتمر “نوستوس: إحياء الجذور” بين مصر وقبرص واليونان، فضلًا عن الخطاب الحضاري التاريخي الذي يجمع مصر والصين أثناء محادثاتهم وعلاقاتهم السياسية في أنهم أقدم حضارتين عرفهما التاريخ البشري المدوّن، وبالتالي فإن الذاكرة التاريخية واسترجاع هذا الماضي جزء من النظرة للحاضر وبناء آفاق للشراكة والتعاون على أساسها.
  • فيما يتعلق أيضًا بالذاكرة التاريخية والأهمية التي توليها للمعرفة الإنسانية من تحليل وتقصٍّ لما توصلت إليه الحضارات القديمة، وإسهامها في الارتقاء البشري ودراسة رؤيتها للعالم وفلسفتها، والوقوف على مخرجاتها الفكرية والعلمية وعلاقاتها السياسية والتجارية بالعالم القديم، فالصين اعتمدت على هذا البعد التاريخي في تدشين مشروع طريق “الحرير الجديد” وعلاقتها التجارية بالعالم القديم، إلى جانب استناد المشاريع الإقليمية لتركيا وإيران وإسرائيل لصياغات تاريخية تهدف إلى تحقيق طموحاتهما السياسية.

وفي الختام، فإن الاكتشافات السابقة والقادمة تمثل فرصة سانحة أمام الدولة المصرية لتذكير العالم بتاريخ مصر، والتأكيد على الشخصية المصرية في إبداعها وفنونها الجمالية، فضلًا عن أن دراسة الذاكرة التاريخية من شأنها إنتاج المعرفة وإمكانية قراءة الحاضر.

آلاء برانية – بلال منظور