وحدة الدراسات الأفريقية

تكلفة الحدود: انعكاسات الصراع في إثيوبيا على دول الجوار

اشتعلت مؤخرًا احتجاجات عرقية داخل الدولة الإثيوبية الفيدرالية، ثم ما لبثت أن تحولت إلى بداية حرب أهلية مناطقية، كان طرفاها كل من الدولة وإقليم تيجراي، وفي حالة استمرار الأزمة فإن هناك أقاليم أخرى مستعدة للانغماس فيها، وهو ما يمكن أن يوسّع دائرة الحرب الأهلية المناطقية في مواجهة الدولة المركزية الإثيوبية ويهدد فيدراليتها. جذور الأزمة ترجع جذور الأزمة بين التيجراي وأديس أبابا إلى شعور الإقليم بالتهميش رغم دوره الفاعل في دعم الدولة عسكريًّا، خاصة ضد إريتريا المجاورة للإقليم قبل وبعد انفصالها عن إثيوبيا عام 1991-1993، وتطورت الأزمة مؤخرًا بتأجيل رئيس الوزراء “آبي أحمد” انتخابات أغسطس الماضي إلى سبتمبر التالي بسبب جائحة…

لواء دكتور/ محمد قشقوش

اشتعلت مؤخرًا احتجاجات عرقية داخل الدولة الإثيوبية الفيدرالية، ثم ما لبثت أن تحولت إلى بداية حرب أهلية مناطقية، كان طرفاها كل من الدولة وإقليم تيجراي، وفي حالة استمرار الأزمة فإن هناك أقاليم أخرى مستعدة للانغماس فيها، وهو ما يمكن أن يوسّع دائرة الحرب الأهلية المناطقية في مواجهة الدولة المركزية الإثيوبية ويهدد فيدراليتها.

جذور الأزمة

ترجع جذور الأزمة بين التيجراي وأديس أبابا إلى شعور الإقليم بالتهميش رغم دوره الفاعل في دعم الدولة عسكريًّا، خاصة ضد إريتريا المجاورة للإقليم قبل وبعد انفصالها عن إثيوبيا عام 1991-1993، وتطورت الأزمة مؤخرًا بتأجيل رئيس الوزراء “آبي أحمد” انتخابات أغسطس الماضي إلى سبتمبر التالي بسبب جائحة كورونا، ثم عاد وقام بتأجيلها إلى أجل غير مسمى، وهو ما أثار حفيظة التيجرانيين الذين كانوا يستعدون لدعم زعيمهم لخوض تلك الانتخابات وهو نائب رئيس الوزراء الأسبق “جير مايكل” الذي أصر على استكمال الانتخابات بالإقليم وأتمها بالفعل، وهو ما رفضه “آبي أحمد” واعتبره انشقاقًا على الدولة، فقرر إيقاف الدعم المالي للإقليم، والقيام بحملة عسكرية محدودة ضد الإقليم استخدمت فيها القوات الجوية ضد أهداف نوعية بما فيها أهداف حول ميكيلي عاصمة الإقليم.

وقد نتج عن تلك الحملة هزيمة القوات الحكومية وأسر العديد من قادتها والاستيلاء على قاعدة عسكرية للدولة، بالإضافة إلى انضمام العديد من المقاتلين من أصل تيجراني في الجيش الحكومي إلى قوات الإقليم، حيث يعتبر الانتماء القبلي سابقًا على الانتماء الحكومي. كما نتج عن الحرب وتوقع توسعها هجرة العديد من الإثيوبيين، سواء من الإقليم أو الأقاليم المجاورة، حيث وصل إلى السودان المتاخم 20-24 ألف لاجئ، حسب تقدير الأمم المتحدة تحت التدقيق نظرًا لسيولة الموقف.

وتستعد الحكومة الإثيوبية للقيام بعملية عسكرية أكبر ضد الإقليم لمحو الهزيمة السابقة، وإظهار إمكانياتها في السيطرة على كل أقاليم الدولة، وفي رسالة إلى بعض الأقاليم الأخرى التي تشعر بالتهميش رغم موقفها السكاني والجغرافي الكبير مثل إقليم الأورومو المعترض مع آخرين على سطوة الأقلية الأمهرية، وتمهد أديس أبابا لذلك إقليميًّا وخاصة مع دول الجوار الستة والاتحاد الإفريقي، لإظهار أن أي عمل عسكري ضد التيجراي هو أمر داخلي لحماية الوحدة الفيدرالية والدستورية طبقًا للمادة 39، وذلك لتجنب أي إدانات متوقعة. بينما قد يخطط إقليم تيجراي للحصول على الحكم الذاتي، وقد يتصاعد تمهيدًا للانفصال أسوة بما تم مع الجارة إريتريا الإثيوبية السابقة، أو على غرار جنوب السودان وانفصالها عن السودان الأم وهو ليس ببعيد.

انعكاسات الموقف الإثيوبي على دول الجوار في القرن الإفريقي

سوف يؤثر هذا الموقف داخل الدولة الإثيوبية بتداعياته على دول الجوار في الإقليم، ليس لدول القرن الإفريقي التقليدي فقط والمكون من كل من: جيبوتي، والصومال، وإثيوبيا، بل سيتعداه إلى دول القرن الإفريقي الكبير بإضافة كل من السودان وجنوب السودان وكينيا، حيث اشتمل النطاقان على الدول الست ذات الحدود المشتركة مع إثيوبيا. وقبل التطرق إلى تلك التداعيات الإقليمية، من المهم إلقاء نظرة عابرة على الدولة الإثيوبية بما يمهد للرؤية والتحليل الجيوستراتيجي لمحيطها الإقليمي.

يمكن إيجاز انعكاسات الموقف الإثيوبي على دول الجوار في القرن الإفريقي، فيما يلي:

1- تجاه السودان: يعاني السودان من اللجوء الكثيف سواء من إقليم تيجراي أو بعض الأقاليم الأخرى، والذي قدرته الأمم المتحدة بقرابة 20-24 ألف لاجئ معظمهم من النساء والأطفال، وهذا الرقم مرشح للزيادة، مما يحتاج دعمًا كبيرًا من الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة المختلفة وخاصة العربية، خاصة أن موجة اللجوء أتت في أعقاب أزمة فيضان النيل الأزرق التي أغرقت مئات القرى وشردت آلاف السكان قرب المنطقة ذاتها.

2- إريتريا: تراقب في قلق ما يحدث في إقليم تيجراي ذي الحدود المشتركة، وقرب أعمال القتال المنتظرة بين الجيش الإثيوبي وبين الإقليم وعلى مقربة من حدودها، حيث العداء بينها وبين الإقليم الذي عاون الحكومة الإثيوبية عسكريًّا ضد إريتريا إبان انفصالها وحربهما قبل نهاية القرن الماضي ومنذ عام 1998، وأن هذا العداء قديم عدا فترة حكم الرئيس “زيناوي” ابن إقليم تيجراي وصداقته الخاصة مع الرئيس الإريتري “أفورقي”، كما تتخوف إريتريا من امتداد موجات النزوح إلى داخل أراضيها.

3- الصومال: لديها نظرة مزدوجة تجاه الأزمة، فالأولى ترى أن إضعاف إثيوبيا إذا انزلقت إلى حرب أهلية قد يمكّن الصومال -إذا خرج من محنته- من أن يستعيد إقليم الصومال الغربي (الأجادين) الذي تحتلة إثيوبيا من عام 1979. أما النظرة الثانية تتمثل في أن قوة إثيوبيا في مواجهة إقليم تيجراي سوف لا تضطرها إلى سحب قواتها من قوة الاتحاد الإفريقي في الصومال، خاصة أنها سحبت بالفعل قواتها من الحدود المشتركة بينهما، مما يضعف الحكومة الصومالية في مواجهة حركة الشباب الإرهابية المنشقة، وفي حالة توحد الصومال والسيطرة على إقليم أرض الصومال المطل على القرن الإفريقي، فلن تسمح بميناء إثيوبي إلا بمقابل كبير، وقد يكون بالمساومة على استعادة الصومال لإقليم الأوجادين.

4- كينيا: متضررة من بناء إثيوبيا لسد كهرومائي على نهر الأومو الذي تصب مياهه في بحيرة توركانا الكينية (أكبر بحيرة صحراوية في العالم) مما يوثر على حصة المياه التي تحتاجها كينيا سواء للزراعة أو الثروة السمكية.

5- جيبوتي: لديها علاقة متميزة ومصالح متبادلة مع إثيوبيا، حيث تحتاج الأخيرة إلى جيبوتي كممر بري وحيد إلى موانيها البحرية كشريان بحري تجاري يربط إثيوبيا بالعالم، كما تستفيد جيبوتي من العائد الاقتصادي مقابل المرور، حيث يشكل مع عوائد إيجار القواعد العسكرية الأجنبية المتعددة، على أراضيها، أهم مصادر الدخل القومي لجيبوتي.

6- جنوب السودان: لديها علاقة مستقرة مع إثيوبيا، مع الحذر من انتقال عدوى الانشقاق أو الحرب الأهلية من إثيوبيا إليها، خاصة أن جنوب السودان لم يتعافَ بعدُ من انقسام انتهى توًّا باتفاق وقف إطلاق النار وتصالح بين الفرقاء، وما زال قيد الترقب والاختبار، كفترة نقاهة إما تؤدي إلى الشفاء أو الانتكاس.

وفي النهاية ورغم أن مصر ليست دولة جوار لإثيوبيا، فإنها ذات مصالح استراتيجية في الإقليم سابق الذكر، حيث إنها دولة مصب لنهر النيل أهم أنهار القارة وأطول أنهار العالم، والذي تنبع أهم روافده من بحيرة تانا بإثيوبيا عبر النيل الأزرق الذي يمد مصر بحوالي 80% من مياه نهر النيل وقت فيضان الخريف، والذي أقيم عليه سد النهضة، كما أن الاستقرار في بعض دول الإقليم هام بالنسبة لمصر، فاستقرار جنوب السودان يؤثر على الروافد العديدة للنيل الأبيض القادم إلى السودان ومصر طوال العام، كما أن استقرار إريتريا يؤثر على استقرار الملاحة جنوب البحر الأحمر وعبر باب المندب والقادمة إلى قناة السويس.

خلاصة القول، تواجه إثيوبيا أزمة مركّبة تجاه إقليم تيجراي، فسواء نجحت في قمعه أو في مهادنته فسوف يكون ذلك مؤشرًا لبعض الأقاليم الأخرى، خاصة التي ترى أنها مهمشة لصالح أقليات أخرى، رغم الأفضلية السكانية والجغرافية. كما أن تصاعد مطالبات تيجراي بالحكم الذاتي أو الانفصال أسوة ببعض دول الجوار كإريتريا وجنوب السودان، سوف يعيد هاجس بدء تفكك أو انقسام الدولة الإثيوبية الفيدرالية، وفي جميع الحالات سوف تخرج إثيوبيا من الأزمة أضعف مما كانت قبلها، وهو ما قد يؤثر على توجهاتها تجاه بعض القضايا الهامة، ومنها مباحثات سد النهضة تجاه السودان ومصر، وسد أومو تجاه كينيا.

لواء دكتور/ محمد قشقوش