وحدة الدراسات الاقتصادية

تحديات تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر

على الرغم من أن مصر تحتل المرتبة الأولى في إفريقيا في تلقِّي الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بما يشير إلى فرص مستقبلية واعدة؛ لكن لا تزال هنالك قيود ينبغي التصدي لها، لا سيما وأن أزمة كورونا بخلاف مشكلات استثمارية أخرى فرضت ضغوطًا على تدفق هذه الاستثمارات، حتى إنها سجلت أقل مستوى له في 6 سنوات ونصف، وذلك خلال الربع الأول من عام 2020. مؤشرات أساسية تتنافس الدول المتقدمة والنامية على أكبر نصيب من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتحقيق معدلات تنمية اقتصادية واجتماعية مرتفعة تساعد في حل مشكلات البطالة، وعجز موازين المدفوعات، وضعف معدلات الادخار والاستثمار، ناهيك عن دفع التجارة والنمو الاقتصادي، لما…

د نهى بكر
عضو الهيئة الاستشارية

على الرغم من أن مصر تحتل المرتبة الأولى في إفريقيا في تلقِّي الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بما يشير إلى فرص مستقبلية واعدة؛ لكن لا تزال هنالك قيود ينبغي التصدي لها، لا سيما وأن أزمة كورونا بخلاف مشكلات استثمارية أخرى فرضت ضغوطًا على تدفق هذه الاستثمارات، حتى إنها سجلت أقل مستوى له في 6 سنوات ونصف، وذلك خلال الربع الأول من عام 2020.

مؤشرات أساسية

تتنافس الدول المتقدمة والنامية على أكبر نصيب من تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتحقيق معدلات تنمية اقتصادية واجتماعية مرتفعة تساعد في حل مشكلات البطالة، وعجز موازين المدفوعات، وضعف معدلات الادخار والاستثمار، ناهيك عن دفع التجارة والنمو الاقتصادي، لما يوفره من الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، ورأس المال.

تحتفظ مصر بمركزها الأول بين الدول الإفريقية، كأكبر متلقٍّ للاستثمار الأجنبي المباشر في إفريقيا، فطبقًا لأحدث تقارير اتجاهات الاستثمار الصادرة عن منظّمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد”، سجلت مصر 8.5 مليارات دولار أمريكي قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر في عام 2019، بزيادة نسبتها 5% عن عام 2018، إلا أن تركّز نحو 70% من إجمالي تلك الاستثمارات في قطاعي النفط والغاز، يمثل نقطة ضعف لبقية القطاعات الاقتصادية الأخرى التي لا تزيد مساهمتها على 30% المتبقية.

وقد أظهرت بيانات البنك المركزي المصري أن صافي الاستثمار الأجنبي المباشر سجل أقل مستوى له في 6 سنوات ونصف وذلك خلال الربع الأول من عام 2020، تزامنًا مع ظهور جائحة فيروس كورونا المستجد. وبحسب بيانات البنك المركزي، وصل صافي الاستثمار الأجنبي المباشر خلال الربع الأول من 2020 إلى 970.5 مليون دولار مقابل نحو 2.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2019، بنسبة تراجع 58.5%. ويعد هذا الرقم هو أقل مستوى مسجل في بيانات البنك المركزي منذ الربع الثالث من عام 2013، والذي بلغ 745.4 مليون دولار. وعلّل البنك المركزي هذا التراجع بعدم التيقن الناجم عن تداعيات جائحة كورونا على خطط المستثمرين الدوليين وتدفقات الاستثمار المباشر على مستوى العالم.

تعود أسباب جاذبية مصر الاستثمارية في الفترة ما بعد عام 2014 لموقعها الجغرافي الاستراتيجي، والإمكانات السياحية الفريدة، واحتياطيات الطاقة الكبيرة، والسوق المحلية وقدرتها الشرائية، واتفاقيات التجارة الحرة الموقَّعة مع تكتلات اقتصادية، ونجاح الإصلاحات التي تقوم بها السلطات، بالإضافة إلى السيولة القادمة من الخليج العربي، وتتّجه تدفقات الاستثمار في مصر إلى قطاع النفط والغاز، تليه قطاعات البناء، والتصنيع، والعقارات، والخدمات المالية. وقد وفد الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل رئيسي من الاتحاد الأوروبي، تليه الولايات المتحدة والدول العربية، وتعد المملكة المتحدة من أكبر المستثمرين في مصر.

جهود الدولة

يمكن إجمال أبرز جهود الدولة في تعزيز تدفقات الاستثمار الأجنبي فيما يلي:

  • إصلاح التشريعات الخاصة بالاستثمار كقانون الاستثمار، وقانون الشركات، وقانون الإفلاس، وكذا إصلاح البنية التحتية من الطرق، والمرافق، والموانئ، والمياه، وغيرها من مظاهر البنية التحتية التي تؤثر على جذب وسير الاستثمار.
  • تشكيل مجموعات برئاسة رئيس مجلس الوزراء والمجموعة الوزارية للاستثمار، ومجموعة تحسين مناخ الاستثمار، وتعظيم مشاركة القطاع الخاص، ومواجهة أهم التحديات التي تواجه المستثمرين في مصر، والتباحث حول إيجاد حلول جذرية لها خلال المرحلة المقبلة.
  • ميكنة هيئة الاستثمار لإجراءات حصر بيانات الاستثمارات الأجنبية من خلال إتاحة النماذج إلكترونيًّا على الموقع الإلكتروني للهيئة لتقديم بيانات الاستثمارات الأجنبية بشكل ربع سنوي.
  • زيارات المسئولية الميدانية للالتقاء بالمستثمرين بمختلف القطاعات والقيادات التنفيذية للمحافظات ورؤساء جمعيات المستثمرين، وممثلي بعض البنوك، بهدف مناقشة التحديات التي تواجه المستثمرين، ووضع حلول جذرية لها، وتخطي العقبات القائمة أو التي قد تطرأ في ملف الاستثمار.
  • تفعيل التنسيق مع الوزراء المختصين والمسئولين الحكوميين لتحسين مناخ الاستثمار وحل مشكلات المستثمرين، فضلًا عن قيام المسئولين عن الاستثمار بأنشطة وفاعليات ترويجية، وتنظيم زيارات دورية للمشروعات القومية الكبرى، كما تعمل اللجنة الوزارية لفض منازعات الاستثمار على حل المنازعات الخاصة بالمستثمرين وتذليل العقبات.
  • وضع ضوابط لنموذج عقد بين الدولة والمستثمرين على النحو الذي يُجنب الدولة المشكلات التي تتعلق بمدى جدية المستثمرين في تنفيذ البرنامج الزمني لمشروعاتهم الاستثمارية، ومن ثم تلافي الدخول في منازعات قانونية حول أحقية الدولة في فسخ التعاقد من عدمه، خاصة في حالة وجود تعاقد مع مستثمرين أجانب أو دخولهم ضمن الكيان القانوني للمشروع.
  • وضع برنامج لتدريب وتوعية العاملين بإدارات الاستثمار التابعة للمحافظات بمختلف أنحاء الجمهورية، بهدف توحيد المفاهيم، وتنمية مهارات العاملين القائمين على تنفيذ إجراءات إقامة المشروعات الاستثمارية وذلك خلال شهر مارس 2020. فضلًا عن تطوير المناطق الحرة، مع افتتاح مراكز خدمات المستثمرين في المحافظات.

أسباب التراجع

يمكن إجمال أبرز أسباب تراجع تدفق الإستثمارفيما يلي:

١- أسهمت أزمة جائحة كورونا، وانكماش الاقتصاد العالمي والخليجي، في الحد من تدفق الاستثمارات الأجنبية إلى مصر. كما لعبت التوترات التجارية العالمية دورًا في تقليل تحركات رأس المال، حيث إن انخفاض الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر جاء نتيجة انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًّا، بجانب زيادة مخاطر الاقتصاد العالمي، مع تصاعد نزعة الحماية التجارية، في ظل الصراع الأمريكي الصيني.

٢- تُعد تكلفة العمالة والإنتاج في مصر أكبر من دول أخرى مثل بنجلاديش أو فيتنام أو نيبال وإثيوبيا. الأمر الذي يدعو إلى رفع مستوى العمالة في مصر من خلال تطوير التعليم المهني، وتوفير البرامج التدريبية التي تُسهم في خلق ثقافة عمل محترفة ورفع الإنتاجية.

٣-  وجود اختلالات هيكلية، فالزيادات المتتالية في أسعار الفائدة أثّرت على تدفقات الاستثمار بجميع أشكاله، حيث يؤدي ارتفاع تكلفة التمويل إلى عزوف المستثمرين عن ضخ استثمارات جديدة من ناحية، وتوجيه فوائض الأموال المتاحة للاستثمار لشراء أدوات الدين لارتفاع العائد وانخفاض المخاطر من ناحية أخرى.

٤- الاحتياج لتحسين بيئة الأعمال، ومرونة سوق العمل ومكافحة البيروقراطية، وزيادة الشراكة مع القطاع الخاص، فالمستثمر يريد مناخ أعمال ثابتًا، وسياسات ضريبية واضحة لا تتغير باستمرار، كما يوجد بعض المستثمرين الأجانب ينتظرون استقرار السياسات الضريبية في مصر.

٥- عدم انتهاج الحكومة سياسةً سريعةً لتقديم حلول تنظيمية عادلة للقطاعات التي تترنح من الخسائر مثل قطاع البناء، الذي داوم على الشكوى من الاحتياج لتدخل حكومي تنظيمي، مما لا يُعطي الانطباع الأفضل للمستثمرين الأجانب الذين يدرسون فرص الاستثمار في مصر.

٦- تحتل مصر المرتبة الـ93 من بين 140 دولة في مؤشر التنافسية العالمي، التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي، وهو ما يستدعي جهودًا متكاملة لتحسين ترتيب مصر في هذه المؤشرات، ولتعطي رسالة جاذبة للمستثمر الأجنبي.

 خلاصة القول، في ضوء التحديات والجهود المشار لها ينبغي تبني منهج متكامل لآليات تنشيط الاستثمار الأجنبي، بدءًا من استكمال إصلاح البيئة التشريعية، بحيث تصبح أقل تعقيدًا وأكثر شفافية، بجانب تشجيع المزيد من الاستثمارات الأجنبية والمحلية، مع توفير حوافز تشجيعية في إطار قانون الاستثمار الجديد، وإعطاء أولوية لتنمية المناطق الواعدة، الأمر الذي يكفل الاستفادة من الفرص الواعدة للاستثمارات في مصر.

د نهى بكر
عضو الهيئة الاستشارية