loader

لا شرقية ولا غربية، لكن أوروبية

عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

يمر العالم بتحولات كبرى، ووسط هذه التحولات تقف الدول الصغيرة والمتوسطة باحثة عن اختيارات تحميها من العواصف. صعود الصين وأفول الولايات المتحدة هو التغير الدولي الأكثر خطورة. ذهب الرئيس ترامب في الصراع مع الصين شوطا بعيدا في اتجاه الصدام. سيخفف الرئيس بايدن من حدة التوتر بين البلدين الكبيرين، لكنه لن يكون قادرا على منع الصين من مواصلة الصعود، أو وضع حد لأفول أمريكا؛ فما هي المخاطر التي تواجهنا في ظل هذه التحولات، وما هي الخيارات الأنسب لنا. تتقدم الصين بسرعة لتصدر المشهد الدولي. بدأت قصة صعود الصين عندما تولت السلطة هناك قيادة تضع النمو الاقتصادي على رأس أولوياتها، متخلية عن…

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

يمر العالم بتحولات كبرى، ووسط هذه التحولات تقف الدول الصغيرة والمتوسطة باحثة عن اختيارات تحميها من العواصف. صعود الصين وأفول الولايات المتحدة هو التغير الدولي الأكثر خطورة. ذهب الرئيس ترامب في الصراع مع الصين شوطا بعيدا في اتجاه الصدام. سيخفف الرئيس بايدن من حدة التوتر بين البلدين الكبيرين، لكنه لن يكون قادرا على منع الصين من مواصلة الصعود، أو وضع حد لأفول أمريكا؛ فما هي المخاطر التي تواجهنا في ظل هذه التحولات، وما هي الخيارات الأنسب لنا.

تتقدم الصين بسرعة لتصدر المشهد الدولي. بدأت قصة صعود الصين عندما تولت السلطة هناك قيادة تضع النمو الاقتصادي على رأس أولوياتها، متخلية عن الإيديولوجيا الشيوعية التي كبلت الاقتصاد الصيني لعقود. في عام 1976 مات ماو تسي تونج الزعيم التاريخي للصين الشيوعية، ومات أيضا تشو إين لاي، رئيس الوزراء الذي تولى وضع رؤية الزعيم ماو موضع التنفيذ. لم يحقق الاقتصاد الصيني في هذا العام أي نمو، بل انكمش بما مقداره سالب 1.57%، وفي الحقيقة فإن هذا كان أفضل كثيرا مما حدث عام 1967 عندما انكمش الاقتصاد الصيني بما قيمته سالب 5.77%. لم يتكرر شيء من هذا مع قيادات العهد الجديد في الصين، فقد أصبح انكماش الاقتصاد من ذكريات الماضي، وأخذ الاقتصاد الصيني يقفز بمعدلات عالية، بلغت ذروتها عام 1984، عندما نما الاقتصاد الصيني بمعدل يزيد عن 15%. 

لقد بلغ متوسط نمو الاقتصاد الصيني خلال الفترة 1988 – 2018 ما مقداره 9.5% سنويا. إنها نسبة نمو رائعة، لو حققها اقتصاد بلد ما لسنة واحدة لظل قادته يفاخرون العالم لسنوات، فما بالك بالصين التي حققت هذه النسبة لمدة ثلاثين عاما متصلة. النتيجة المترتبة على هذا معروفة للكافة، فبعد أن كان الاقتصاد الصيني في عام 1980 سابع أكبر اقتصاد في العالم، أصبح اليوم الاقتصاد الأكبر؛ وبعد ان كان الاقتصاد الأمريكي في عام 1980تسع مرات أكبر من الاقتصاد الصيني، فقد فاق الاقتصاد الصيني اليوم حجم الاقتصاد الأمريكي بحساب القوة الشرائية. 

الشرق الأوسط بالنسبة للصين هو فرصة اقتصادية، مرة بسبب مصادر الطاقة الموجودة فيه، ومرة أخرى بسبب أسواقه الكبيرة. ما عدا ذلك فإن الصين لا تنشغل كثيرا بما يجري في الشرق الأوسط؛ فبين الصين ومنطقتنا مسافة جغرافية كبيرة، ومسافة ثقافية أكبر، والمسافتين كافيتين لتحصين الصين ضد ما يجري في منطقتنا؛ ويكفي الإشارة إلى أن الأقلية المسلمة في الصين تعاني أكثر بكثير مما تعانيه الأقليات المسلمة في الولايات المتحدة أو أوروبا، ومع هذا فإن المشاعر السلبية وأعمال الانتقام الموجهة ضد بلاد الغرب لا تقارن بالمشاعر والتصرفات السلبية تجاه الصين. 

تغلق الصين بسرعة المسافة التي تفصلها عن الولايات المتحدة. في نفس الوقت فإن الولايات المتحدة تعاني من انقسام داخلي يمزق نسيج المجتمع الأمريكي، ولهذا أثره على سياسة الولايات المتحدة الخارجية. فبينما يؤيد الأمريكيون المؤيدون للحزب الديمقراطي قيام الولايات المتحدة بلعب دور قيادي دولي نشط في قضايا المناخ والأوبئة وإدارة الاقتصاد الدولي، فإن نصف الأمريكيين الآخر، المؤيدين للحزب الجمهوري، يفضلون لو أن بلدهم اكتفى بذاته، وكف عن تحمل أي مسئولية إزاء العالم. 

رغم خلافاتهم، فإن الأمريكيين بكافة اتجاهاتهم متفقين على إنهاء التزامات بلدهم تجاه الشرق الأوسط. الانسحاب من الشرق الأوسط هو عنوان السياسة الأمريكية في المنطقة في هذه المرحلة، وهي السياسة التي بدأها الرئيس الديمقراطي أوباما، وعمقها الرئيس الجمهوري ترامب، وسيواصلها الرئيس الديمقراطي بايدن. 

لم يعد هناك في الشرق الأوسط شيء يمثل مصلحة حيوية للولايات المتحدة، فأمن الولايات المتحدة لا يتأثر بشكل محسوس بما يجري في المنطقة؛ ولم يعد لنفط الشرق الأوسط الأهمية التي كانت له منذ عدة سنوات، خاصة بالنسبة للولايات المتحدة التي اكتفت ذاتيا في مجال النفط، بل وأصبحت رابع أكبر مصدر للنفط في العالم؛ أما إسرائيل فقد أصبحت قوية بما يكفي للاعتماد على نفسها دفاعيا، ويكفيها ما تحصل عليه من واشنطن من تكنولوجيا عسكرية متقدمة، دون حاجة لوجود أمريكي في المنطقة. 

كان الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط مزعجا ومكلفا، ولم ينس أهل المنطقة تدخل أمريكا لحماية إسرائيل عام 1973، أو غزو العراق عام 2003، أو سياسات تغيير الأنظمة بدعوى الترويج للديمقراطية في عام 2011. المشكلة هي أن الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط هو أيضا مزعج ومكلف، فكل فراغ تتركه الولايات المتحدة ورائها يخلق صراعا بين قوى إقليمية ودولية تطمح لملأ الفراغ، ووراثة النفوذ الأمريكي. فالأمريكيون المنسحبون من العراق يتركون ورائهم مساحة تشغلها إيران. والأمريكيون المنسحبون من سوريا يخلفون فراغا تملأه روسيا وتركيا وإيران. الفوضى والصراع في اليمن مستمرين لأن الأمريكيين غير مهتمين بما يجري هناك. أما في ليبيا، فكل العالم موجود في هذا البلد، من عرب الخليج حتى عرب المحيط، ومن الأوربيين للروس للأتراك، كل العالم إلا الأمريكيين. 

روسيا قوة كبرى تبحث في المساحات التي تتركها أمريكا عن مصلحة هنا وأخرى هناك. الروس بارعون في المباريات التكتيكية التي تحقق مصالحهم، غير عابئين بتطوير رؤية استراتيجية لمستقبل المنطقة، ولسان حالهم يقول لقد انشغلنا كثيرا في الماضي السوفيتي بمصالح الآخرين، وحان الوقت للانشغال بمصالحنا الخاصة. 

أوروبا هي الطرف الأكثر تأثرا وانشغالا بمصير الشرق الأوسط. الجوار الجغرافي بين أوروبا والشرق الأوسط يربط المنطقتين. البحر المتوسط لا يفصل أوروبا عن الشرق الأوسط، بل يربطها به، وهو ما تبرهن عليه قوارب المهاجرين في كل يوم. بالنسبة لأوروبا فإن التنمية والاستقرار في الشرق الأوسط ليست مجالا لدعايات ومغامرات الهواة، فالعبث في هذه المنطقة الخطرة يساوي المزيد من قوارب المهاجرين غير الشرعيين، والمزيد من المتطرفين والإرهابيين، والمزيد من الأسباب لصعود اليمين القومي المتطرف. لو أن أهل الشرق الأوسط يبحثون عن حلفاء استراتيجيين في هذا العالم المضطرب، فعليهم النظر شمالا عبر المتوسط. 

نقلا عن جريدة الأهرام، ١٩ نوفمبر ٢٠٢٠.

د. جمال عبدالجواد
عضو الهيئة الاستشارية ومدير برنامج السياسات العامة

مقالات أخرى للكاتب