تنمية ومجتمع

عودة المدارس وكورونا.. لماذا تتطلب دورًا أكبر للأسرة؟

تشكل عودة المدارس في مصر خلال شهر أكتوبر 2020 أحد إجراءات تعايش الحكومة مع أزمة كورونا، لكن مع ذلك فإن خطة العودة تفرض أعباء مزدوجة على وزارة التعليم والأسر المصرية، إذ لن يقتصر الأمر على الاهتمام بالإجراءات الاحترازية الصحية، وإنما التعامل مع عملية تعليمية مرنة، حيث سيحضر الطلاب بعض أيام الأسبوع وليس كلها، بما يتطلب دورًا أكبر للأسرة. خطة العودة والأسرة أعلنت وزارة التعليم خطة العودة للمدارس في شهر سبتمبر 2020، وتضمنت تباينًا في توزيع أيام الحضور الفعلي للطلاب بالمدارس عبر المراحل الدراسية المختلفة. ففي مرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثالث الابتدائي سيكون الحضور الفعلي للتلاميذ بواقع ثلاثة أيام كحد…

د. إسراء علي

تشكل عودة المدارس في مصر خلال شهر أكتوبر 2020 أحد إجراءات تعايش الحكومة مع أزمة كورونا، لكن مع ذلك فإن خطة العودة تفرض أعباء مزدوجة على وزارة التعليم والأسر المصرية، إذ لن يقتصر الأمر على الاهتمام بالإجراءات الاحترازية الصحية، وإنما التعامل مع عملية تعليمية مرنة، حيث سيحضر الطلاب بعض أيام الأسبوع وليس كلها، بما يتطلب دورًا أكبر للأسرة.

خطة العودة والأسرة

أعلنت وزارة التعليم خطة العودة للمدارس في شهر سبتمبر 2020، وتضمنت تباينًا في توزيع أيام الحضور الفعلي للطلاب بالمدارس عبر المراحل الدراسية المختلفة. ففي مرحلة رياض الأطفال وحتى الصف الثالث الابتدائي سيكون الحضور الفعلي للتلاميذ بواقع ثلاثة أيام كحد أدنى، وأربعة كحد أقصى أسبوعيًّا. وبدءًا من الصف الرابع الابتدائي وحتى الثالث الثانوي، فالحضور كحد أقصى سيكون بواقع يومين أسبوعيًّا، الأمر الذي فرض أدوارًا ومهام مضاعفة على عاتق الأسرة لضمان تحقيق أهداف العملية التعليمية، مما يستدعي تحليل مدى استعداد الأسرة المصرية لهذه الأدوار، وطرح مقترحات تضمن توعية الأسرة بدورها في تعليم أبنائها خلال الجائحة.

 تتعدد خصائص الأسر المصرية، وتختلف باختلاف خصائص البيئة التي تنتمي لها، وتتباين البيئات المصرية ما بين ساحلية، وصحراوية، وصناعية، وزراعية، بيد أنه إجمالًا يتم تقسيم الأسر المصرية إلى فئتين موزعة ما بين حضر وريف، وبحسب الإحصاء الصادر عن الجهـاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مايو 2020، فإن إجمالي عدد الأسر في مصر بلغ نحو 24.7 مليون أسرة، موزعة بين 11 مليون أسرة بنسبة 44.5% في الحضر، و13.7 مليون أسرة بنسبة 55.5% في الريف.

بالنظر للتركيب العمري لأفراد الأسرة المصرية، سجلت الأسر نسبة 34.1% من الأفراد في الفئة العمرية أقل من 15 سنة، أي إن نحو ثلث الأسر المصرية من الملتحقين بالمدارس في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وينسجم هذا مع ما جاء في كتاب الإحصاء السنوي الصادر عن وزارة التربية والتعليم لعام 2020، والذي بيّن أن إجمالي عدد الطلاب في المرحلة الابتدائية والإعدادية يصل إلى 19 مليون طالب.

(*) بلغ متوسط حجم الأسرة نحو 4 أفرد بواقع 3.9 أفراد بالحضر، و4.2 أفراد بالريف، وتدرج المستوى التعليمي لرب الأسرة من الأمية بنسبة 25.8%، إلى الحاصلين على مؤهل دون المتوسط بنسبة 29.6%، أما الحاصلون على مؤهل متوسط وفوق متوسط فبلغت نسبتهم نحو 32.2%، والحاصلون على مؤهل جامعي فأعلى بلغت نسبتهم نحو 12.4%.

إذا ما تمت مقارنة هذه النسب والأعداد بمؤشرات وعوامل مثل: مستوى دخل الأسر، ومتوسط الإنفاق الكلي للأسر، وجودة البنية التكنولوجية التحتية في الريف والحضر كعامل أساسي لتفعيل التعلم الإلكتروني؛ فإن المصفوفة الناتجة عن هذه المقارنات ستوضح تفاوت استعداد الأسر المصرية لتحمل أعباء التعليم من المنزل خلال الجائحة، حيث تتفاقم الأعباء وتتداخل ما بين استعدادات مادية ونفسية ومعنوية.

مهام تعليمية

يقع على عاتق الأسرة مهام وأدوار متعددة منها: توعية الأبناء بالأوضاع المستجدة والإجراءات اللازمة لحماية أنفسهم وحماية الآخرين، الأمر الذي يحتاج إلى تفعيل روتين يومي يبدأ في المنزل بما يزيد من التكاليف المادية للأسرة، وذلك لتوفير أدوات التعقيم ومستلزمات الحماية لأبنائهم، علاوة على تقديم الدعم النفسي من خلال بث الروح الإيجابية في نفوس أبنائهم، لذا، يجب على المؤسسات والهيئات المختصة تنفيذ برامج تضمن تخفيف الأعباء المادية والنفسية والمعنوية عن كاهل الأسرة، من خلال تنفيذ مبادرات داعمة لأولياء الأمور، وتقديم ورش تأهيلية تساعدهم على تقديم الدعم النفسي لأبنائهم، وإرسال حملات طبية للمناطق الريفية لتزويدهم بالمهارات والمعارف والأدوات التي تمكّنهم من توفير بيئة صحية لأبنائهم، بالإضافة إلى تقديم نصائح طبية تساعد في الوقاية من العدوى بالفيروس المستجد، وتقديم برامج دعم خاصة بأبناء المصابين أو المتوفين من الفيروس، وكذلك برامج التوعية الخاصة بمنع التنمر ضد الطلاب المصابين بالفيروس، وتفعيل حملات إعلامية مرئية مكثفة تتضمن رسائل طبية مبسطة تخاطب فئات مختلفة من المواطنين للتوعية بدور الأسرة المصرية في ظل الظروف الاستثنائية خلال الجائحة.

على غرار ما قدّمته وزارة التربية والتعليم العام الماضي من توفير دليل لولي الأمر لتوضيح فلسفة نظام التعليم الجديد؛ فإن وجود دليل للأسرة لتوضيح المهام المتوقعة من ولي الأمر في التعليم خلال الجائحة يُعد ضروريًّا لكل مرحلة تعليمية، كما يمكن للمجتمع المدني أن يسهم بدعم الأسر المصرية في التعليم خلال الجائحة من خلال توفير مجموعات تقوية مجانية، أو مخفضة التكاليف. كما يمكنها أن تنظّم جلسات استشارية لمساعدة الأسرة في القيام بواجباتها الجديدة في التعليم.

مناهج مرنة

مع إعلان خطة العودة للمدارس، وبداية العام الدراسي الجديد في ظل الظروف الاستثنائية التي تفرضها الجائحة، طرحت وزارة التربية والتعليم أساليب تعليمية بديلة تتميز بالمرونة، وتتنوع ما بين تعليم إلكتروني من خلال المنصات الإلكترونية، والتعلم عن بعد من خلال القنوات التعليمية على التلفاز، بالإضافة إلى التعليم التقليدي وجهًا لوجه في الفصول المدرسية. 

ويجري الدمج بين الأساليب التعليمية، وفق استراتيجيات تدريسية مختلفة، منها: “التعلم الهجين”، واستراتيجية الفصل المقلوب، أي من خلال تبادل الأدوار بين المعلم والطلاب، فيصبح المعلم موجهًا للعملية التعليمية والطالب هو الباحث عن المعرفة، وتعتمد هذه الاستراتيجيات بالدرجة الأولى على كفاءة المعلم في تطبيقها، ووعي ولي الأمر بمهامه لنجاح تطبيق هذه الاستراتيجيات. فيما تمثل أمية القراءة والكتابة، والأمية التكنولوجية، وضعف البنية التحتية التكنولوجية، وانخفاض سرعة الإنترنت؛ عائقا أمام تفعيل المنصات التعليمية عبر الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المتصلة بالإنترنت، مما يجعل التعليم الإلكتروني تعليمًا نخبويًّا يقتصر على من يملك المهارة والإمكانيات.

ويُعد التعليم المرئي عن بعد من خلال تفعيل القنوات التلفزيونية التعليمية هو الحل الأقرب للواقع المصري، وذلك مع توافر الاتصال بشبكة الكهرباء، حيث بلغ عدد الأسر التي تقيم في وحدات سكنية متصلة بالشبكة العامة للكهرباء نحو 99.7% بحسب الإحصاء الذي أصدره الجهـاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مايو الماضي، بيد أن هذا الحل يحتاج إلى إعادة النظر في المحتوى التعليمي المقدم عبر الشاشات التلفزيونية، فالتلفاز مرتبط في أذهان الناس بالدراما، وعندما يقدم المحتوى التعليمي مختزلًا في السبورة والورقة والقلم فإنه يصبح رتيبًا ولا يحقق الجدوى المرغوبة، فتفعيل التعلم عبر القنوات التلفزيونية يحتاج إلى العوامل التالية ليصبح أكثر فاعلية:

  • التشويق: يعتمد على عوامل مادية وبشرية، مثل: جودة الإخراج الدرامي والتصوير التلفزيوني، علاوة على توفير محتوى تعليمي يحفز إثارة ودافعية الطلاب للتعلم، وذلك بالاعتماد على مسرحة المناهج التعليمية، أو تقديم المحتوى في صورة مشروع بحثي، أو مسابقات علمية، أو صور إبداعية أخرى، بما يضمن تحقيق عنصر التشويق. بالإضافة إلى ذلك فإن التشويق يعتمد على قدرات المعلمين على الشرح وإدارة الدروس عن بعد، والعزوف عن الأسلوب التقليدي المعتمد على المحاضرة أو المناقشة الفردية، واستبدالها بالاستراتيجيات المناسبة، مثل: المناظرة، وحل المشكلات، وغيرها من استراتيجيات التعلم عن بعد.
  • التواصل: يجب أن يتم تحديد أدوات لتلقي الاتصالات والأسئلة المطروحة من الطلاب والإجابة عنها، لتفادي فوضى الفصل الافتراضي الناتجة عن عدم التواصل.
  • أوقات البث: يعد الروتين من مميزات العملية التعليمية، كونه ينظم اليوم الدراسي في إطار جدول أسبوعي، لذا فإن تخصيص ساعات بثّ بجدول ثابت تراعي تعدد المراحل التعليمية ضمن الأسرة الواحدة يعد محدِّدًا هامًّا وضروريًّا.

ختامًا، تفرض عودة المدارس على المختصين التحلي بالمرونة لمراعاة الفروق بين المدارس والمناطق المختلفة، والاستعداد لإعادة النظر والمراجعة الدورية للأساليب المتبعة، وعدم التحرج من إدخال التعديلات التي تتأكد الحاجة إليها، مع تطوير أساليب الخطاب والتواصل مع الرأي العام لتعزيز المصداقية.

نقلا عن تقديرات مصرية، العدد (١٢)

د. إسراء علي