loader

في إثيوبيا.. برميل متفجر بالأخطار والتعقيدات

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الثلاثاء أعلن أبى أحمد، رئيس وزراء الحكومة الفيدرالية بأديس أبابا، عن أن قواته بصدد شن هجوم سمّاه «النهائي الحاسم»، على ضوء انتهاء مهلة الأيام الثلاثة التي لم يعرف أحد متى بدأت ولا أين انتهت؟، لذلك بقى الإطار الإعلامي لهذه «الحرب» الكاملة حتى الآن محصورًا بين تصريحات القادة من الجانبين وبين التعتيم المتعمد والحصار المضروب على إقليم «تيجراى»، فضلًا عن شهادات النازحين من السكان المحليين الذين مثلوا حطب النار التي اشتعلت من حولهم فجأة، لكن ربما المأساة بعد أيام صارت قادرة على الإفصاح عن تفاصيلها، على النحو الذى يمكننا من الاقتراب من الصورة الواقعية لهذا البرميل من البارود، الذى أشعله نظام…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

الثلاثاء أعلن أبى أحمد، رئيس وزراء الحكومة الفيدرالية بأديس أبابا، عن أن قواته بصدد شن هجوم سمّاه «النهائي الحاسم»، على ضوء انتهاء مهلة الأيام الثلاثة التي لم يعرف أحد متى بدأت ولا أين انتهت؟، لذلك بقى الإطار الإعلامي لهذه «الحرب» الكاملة حتى الآن محصورًا بين تصريحات القادة من الجانبين وبين التعتيم المتعمد والحصار المضروب على إقليم «تيجراى»، فضلًا عن شهادات النازحين من السكان المحليين الذين مثلوا حطب النار التي اشتعلت من حولهم فجأة، لكن ربما المأساة بعد أيام صارت قادرة على الإفصاح عن تفاصيلها، على النحو الذى يمكننا من الاقتراب من الصورة الواقعية لهذا البرميل من البارود، الذى أشعله نظام أبى أحمد دون أن يدرك حجم محفزات الاشتعال التي تحيط به.

رئيس الوزراء الإثيوبي الحائز على جائزة نوبل للسلام كان قد أمر على نحو مفاجئ، بشن حملة عسكرية بعدما اتهم «جبهة تحرير شعب تيجراى» وهى الحركة السياسية الأكبر في الإقليم، بمهاجمة القوات الفيدرالية في المنطقة، فيما اتهم رئيس الإقليم حكومة أبى أحمد منذ أسابيع بمحاولة «غزو الإقليم»، بعدما صوت نواب البرلمان الإثيوبي على حل الحكومة المحلية في إقليم «تيجراى» الاتحادي، وتعيين حكومة محلية جديدة تدين بالولاء لرئيس الوزراء، وقد استند قرار البرلمان إلى بند قانوني يسمح للحكومة الاتحادية بالتدخل في الأقاليم، التي يرى أنها قامت بانتهاك الدستور وتشكل خطرًا، من وجهة نظرها، على النظام الدستوري.
هذه هي الذريعة المعلنة رسميًا، لكن الواقع قد يبدو بعيدًا عن هذا الخطر الدستوري المزعوم، وهو أقرب لصراع القوميات ويدخل ضمن أجندة وإطار مشروع أبى أحمد في الحكم، فقومية التيجراى ظلت تهيمن على السلطة في إثيوبيا منذ الإطاحة بالرئيس منجستو هيلا ميريام عام ١٩٩١، وحتى مجيء أبى أحمد، المنتمي لعرقية «الأورومو» إلى السلطة في ٢٠١٨، والذى تعهد بإدخال إصلاحات سياسية لم تتشكل بعد على أرض الواقع.

اشتعل التوتر بعدما أجرت إدارة «التيجراى» انتخابات الإقليم فى سبتمبر الماضي، في خطوة مثلت تحديًا لقرار الحكومة الفيدرالية بتأجيل الانتخابات في عموم البلاد، على خلفية أزمة تفشى وباء كورونا.
وردًا على ذلك، أمر البرلمان وزارة الخزانة بوقف تمويل الحكومة الإقليمية لتيجراي، وبعد تمرير قرار تمديد ولاية رئيس الوزراء أمام البرلمان الموالي لأبى أحمد، أعلنت «جبهة تحرير شعب تيجراى» عن أنه لم تعد لدى أبى أحمد سلطة نشر الجيش لانتهاء ولايته، ومنعت سلطات الإقليم نشر القادة العسكريين الذين أرسلوا لتولى مسئولية القيادة الشمالية في «ميكيلى» عاصمة الإقليم، ويقدر عدد أفراد الجيش الفيدرالي بنحو «٢٠٠ ألف جندي»، في الوقت غير المعلوم فيه بدقة حجم القوات الخاصة بإقليم تيجراى، غير أن حاكم الإقليم «ديبريتسيون غيبرمايكل» زعيم «جبهة تحرير شعب تيجراى»، والذى شغل منصب نائب رئيس الوزراء سابقًا، قبل إبعاده عن الحكومة الوطنية في أبريل ٢٠١٨- أكد أن قوات الإقليم قادرة على «هزيمة» القوات الفيدرالية. فقد ظلت الجبهة تتمتع بوضع الشريك المهيمن على تحالف الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الحاكم سابقًا، كما رفضت بعد ذلك الانضمام لخلفه في الحكم «حزب الرخاء»، الذي يمثل الظهير السياسي لأبى أحمد.

لذلك يدخل الأخير هذا المعترك مع مجموعة تمرست في الحكم لعقود، ولديها إلمام بكل إمكانات ومفاصل الإطار الفيدرالي الذى يحركه أبى أحمد اليوم من أديس أبابا، وهو مما يصعب ويعقد الأمر عليه بشكل كبير.
لذلك بدء الصراع بين المركز وإقليم «التيجراى» يشير إلى عدم إمكانية حسمه في المدى القريب، فهو ليس بالصراع الذى يمكن أن تنهيه هجمات خاطفة، راهن عليها أبى أحمد في البداية لكنها حملت عنوان فشله الأول، مما صعب فرضية إرغام طرف فيه بأن يذعن لإرادة الطرف الآخر، ومن زاوية أخرى ليس الأمر كذلك حملة تأديبية لمجموعة منشقة ضعيفة الخبرة، حتى ترضخ لإرادة حاكم عام يحاول إرغامها على الكف عن سلوك معين، فالخلاف بينهما أقرب للانشطار الفعلي، الذى يصعب التئامه على جانب من جوانب التسوية.
هذا يدركه بيقين السكان المحليون، الذين سرعان ما وجدوا أنفسهم على شفا فصل طويل من الاحتكام إلى السلاح، فعلى عجل تشكلت موجات النازحين، التي وصلت إلى ٢٥ ألف شخص خلال أيام، دخلوا إلى الأراضي السودانية استباقًا لمجازر متوقعة، وخشية الدمار الذى بدأت بشائره تطال قراهم وأراضيهم.
وقد مثل النزوح الراهن للاجئين الإثيوبيين ضغطًا مفاجئًا على الداخل السوداني، الذى لم يتعافَ بعد من وقع كارثة الفيضانات التي ضربته في خريف هذا العام ٢٠٢٠، حيث يقف اليوم أمام احتياج عاجل لمساعدات حقيقية من المجتمع الدولي، للوفاء بهذه المهمة الإنسانية لمجموعات اللاجئين المتزايدة على مدار الساعة، فضلًا عن التحصين الأمني الواجب العمل عليه من داخل السودان، كي يحمى أرجله من الانزلاق في هذا النزاع، لا سيما أن مثل تلك النزاعات، تجعل عادة، من دول الجوار، محطة انطلاق لأعمال عدائية لكلا الطرفين، كل تجاه الآخر.

هناك طرف آخر قد يبدو الأمر بالنسبة له أخطر كثيرًا من السودان، وهو إريتريا الجارة الشمالية والشرقية لإقليم التيجراى، والتي تعرضت لمجموعة من الصواريخ انطلقت من الإقليم استهدفت مطار العاصمة «أسمرة»، في تطور سريع ومباغت أربك الداخل الإريتري، وطرح التساؤلات عن حجم إسهام أسمرة فيما يجرى للإقليم، فهناك وسط قيود الاتصالات بإريتريا والتعتيم الإعلامي الصارم من يؤكد أن الجيش الإثيوبي استخدم مطار أسمرة في طلعات جوية استهدفت التيجراى، وآخرون من المعارضة الإريترية أشاروا إلى أن هناك دلائل عن قيام القوات الإثيوبية بشن هجمات برية على إقليم تيجراى من الأراضي الإريترية، كما جرى استدعاء كبار الضباط الإريتريين المتقاعدين للانضمام إلى تحركات القوات نحو الحدود الجنوبية، بعدما قامت السلطات الإريترية بفرض التجنيد الإجباري، الذى يجعل احتمالية أن تتحول الحرب إلى صراع أوسع لا يقف عند حد إثيوبيا وإريتريا، إنما يصير امتداده لبقية القوى في أنحاء القرن الإفريقي منطقيًا ومتوقعًا، على خلفية التوترات العرقية الممتدة داخل أكثر من دولة جوار، والمتصاعدة بما تغذيه الأطراف الخارجية من دعم تسليحي يتجاوز حد الخطر.

لذلك تستشعر القاهرة القلق البالغ إزاء هذا العبث بمعادلة أمن القرن الإفريقي، الذي يمثل أحد فضاءات مجالها الحيوي ودائرة مهمة من دوائر أمن مصر الإقليمي، حيث يظل مهددًا على وقع هذا النوع من الضغط العسكري والإنساني، وما يستتبعهما من تعقيدات سياسية وإغاثية وغيرها من الإشكاليات.

لذلك يدخل الأخير هذا المعترك مع مجموعة تمرست في الحكم لعقود، ولديها إلمام بكل إمكانات ومفاصل الإطار الفيدرالي الذى يحركه أبى أحمد اليوم من أديس أبابا، وهو مما يصعب ويعقد الأمر عليه بشكل كبير.
لذلك بدء الصراع بين المركز وإقليم «التيجراى» يشير إلى عدم إمكانية حسمه في المدى القريب، فهو ليس بالصراع الذى يمكن أن تنهيه هجمات خاطفة، راهن عليها أبى أحمد في البداية لكنها حملت عنوان فشله الأول، مما صعب فرضية إرغام طرف فيه بأن يذعن لإرادة الطرف الآخر، ومن زاوية أخرى ليس الأمر كذلك حملة تأديبية لمجموعة منشقة ضعيفة الخبرة، حتى ترضخ لإرادة حاكم عام يحاول إرغامها على الكف عن سلوك معين، فالخلاف بينهما أقرب للانشطار الفعلي، الذى يصعب التئامه على جانب من جوانب التسوية.
هذا يدركه بيقين السكان المحليون، الذين سرعان ما وجدوا أنفسهم على شفا فصل طويل من الاحتكام إلى السلاح، فعلى عجل تشكلت موجات النازحين، التي وصلت إلى ٢٥ ألف شخص خلال أيام، دخلوا إلى الأراضي السودانية استباقًا لمجازر متوقعة، وخشية الدمار الذى بدأت بشائره تطال قراهم وأراضيهم.
وقد مثل النزوح الراهن للاجئين الإثيوبيين ضغطًا مفاجئًا على الداخل السوداني، الذى لم يتعافَ بعد من وقع كارثة الفيضانات التي ضربته في خريف هذا العام ٢٠٢٠، حيث يقف اليوم أمام احتياج عاجل لمساعدات حقيقية من المجتمع الدولي، للوفاء بهذه المهمة الإنسانية لمجموعات اللاجئين المتزايدة على مدار الساعة، فضلًا عن التحصين الأمني الواجب العمل عليه من داخل السودان، كي يحمى أرجله من الانزلاق في هذا النزاع، لا سيما أن مثل تلك النزاعات، تجعل عادة، من دول الجوار، محطة انطلاق لأعمال عدائية لكلا الطرفين، كل تجاه الآخر.

هناك طرف آخر قد يبدو الأمر بالنسبة له أخطر كثيرًا من السودان، وهو إريتريا الجارة الشمالية والشرقية لإقليم التيجراى، والتي تعرضت لمجموعة من الصواريخ انطلقت من الإقليم استهدفت مطار العاصمة «أسمرة»، في تطور سريع ومباغت أربك الداخل الإريتري، وطرح التساؤلات عن حجم إسهام أسمرة فيما يجرى للإقليم، فهناك وسط قيود الاتصالات بإريتريا والتعتيم الإعلامي الصارم من يؤكد أن الجيش الإثيوبي استخدم مطار أسمرة في طلعات جوية استهدفت التيجراى، وآخرون من المعارضة الإريترية أشاروا إلى أن هناك دلائل عن قيام القوات الإثيوبية بشن هجمات برية على إقليم تيجراى من الأراضي الإريترية، كما جرى استدعاء كبار الضباط الإريتريين المتقاعدين للانضمام إلى تحركات القوات نحو الحدود الجنوبية، بعدما قامت السلطات الإريترية بفرض التجنيد الإجباري، الذى يجعل احتمالية أن تتحول الحرب إلى صراع أوسع لا يقف عند حد إثيوبيا وإريتريا، إنما يصير امتداده لبقية القوى في أنحاء القرن الإفريقي منطقيًا ومتوقعًا، على خلفية التوترات العرقية الممتدة داخل أكثر من دولة جوار، والمتصاعدة بما تغذيه الأطراف الخارجية من دعم تسليحي يتجاوز حد الخطر.

لذلك تستشعر القاهرة القلق البالغ إزاء هذا العبث بمعادلة أمن القرن الإفريقي، الذي يمثل أحد فضاءات مجالها الحيوي ودائرة مهمة من دوائر أمن مصر الإقليمي، حيث يظل مهددًا على وقع هذا النوع من الضغط العسكري والإنساني، وما يستتبعهما من تعقيدات سياسية وإغاثية وغيرها من الإشكاليات.

نقلا عن جريدة الدستور، الأربعاء ١٩ نوفمبر ٢٠٢٠.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب