loader

سعر الفائدة والنمو الاقتصادي

قام البنك المركزي مؤخرا بتخفيض أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض والائتمان والخصم بواقع 50 نقطة أساس، ليصل مجمل الخفض خلال الفترة من فبراير 2018 (بداية تطبيق سياسة التيسير النقدي)، وحتى نوفمبر 2020إلى نحو 10%، وذلك بهدف دعم النشاط الاقتصادي وتحقيق الاستقرار في الأسعار على المدى المتوسط وفقا لما جاء في بيان لجنة السياسة النقدية. خاصة أن معدل النمو الاقتصادي للناتج المحلى الإجمالي قد تراجع إلى 3.6% خلال العام المالي 2019/2020 مقابل 5.6% عام 2018/2019. والذي يعود أساسا إلى تراجع مساهمة الاستثمار الخاص وصافي التجارة الخارجية في النمو. وهو ما يطرح العديد من التساؤلات على رأسها إلى أي مدى يؤثر سعر…

عبد الفتاح الجبالي

قام البنك المركزي مؤخرا بتخفيض أسعار الفائدة على الإيداع والإقراض والائتمان والخصم بواقع 50 نقطة أساس، ليصل مجمل الخفض خلال الفترة من فبراير 2018 (بداية تطبيق سياسة التيسير النقدي)، وحتى نوفمبر 2020إلى نحو 10%، وذلك بهدف دعم النشاط الاقتصادي وتحقيق الاستقرار في الأسعار على المدى المتوسط وفقا لما جاء في بيان لجنة السياسة النقدية. خاصة أن معدل النمو الاقتصادي للناتج المحلى الإجمالي قد تراجع إلى 3.6% خلال العام المالي 2019/2020 مقابل 5.6% عام 2018/2019. والذي يعود أساسا إلى تراجع مساهمة الاستثمار الخاص وصافي التجارة الخارجية في النمو. وهو ما يطرح العديد من التساؤلات على رأسها إلى أي مدى يؤثر سعر الفائدة في القرار الاستثماري لدى القطاع الخاص؟ ومدى قدرة هذه السياسة في تحقيق الاستقرار في الأسعار؟ ومن الجدير بالذكر أن هذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها البنك المركزي بخفض الفائدة، في الوقت الذى ترتفع فيه معدلات التضخم، وفقا للأرقام القياسية لأسعار المستهلكين، حيث تشير إلى ارتفاع المعدل السنوي للشهر الثاني على التوالي لتسجل 4.5% خلال شهر أكتوبر، فإذا ما أخذنا بالحسبان ما أشارت إليه الدراسات الأخيرة لصندوق النقد الدولي، من أن فيروس كورونا قد غير كثيرا من أنماط إنفاق المستهلكين الأمر الذى يتطلب إعادة النظر في الأوزان النسبية المستخدمة في حساب هذا المؤشر لتعكس الواقع الفعلي حيث إنه متحيز لأدنى، يضاف إلى ما سبق أن معظم بيانات لجنة السياسة النقدية بالبنك كانت تشير إلى أن تحجيم التضخم، والحفاظ على القوى الشرائية للعملة المصرية يدفعها لرفع الفائدة حين يرتفع معدل التضخم، وخفضها حين يتراجع المعدل، ليتمكن من الوصول إلى مستهدفاته. 

واستخدم المركزي هذه الأداة للتخفيف من الضغوط الواقعة على التضخم في الاقتصاد المصري منذ تخفيض قيمة الجنيه المصري في نوفمبر .2016 وذلك قبل أن يعود لتبنى استراتيجية التيسير النقدي، وبالتالي خفض الفائدة. رغبة منه في أن يؤدى ذلك إلى جذب المزيد من الاستثمارات، وذلك انطلاقا من فرضية أساسية مفادها أن هناك علاقة سببية مباشرة بين أسعار الفائدة وحركة الاستثمارات في المجتمع. وهو ما ينشئ صلة مباشرة بين السياسة النقدية وسلوك القطاع الخاص الاستثماري. وذلك لكون أسعار الفائدة تمثل نفقة الاقتراض بغرض الاستثمار، ومن ثم فإن خفضها سوف يترتب عليه تشجيع الاستثمار ومن ثم زيادة الإنتاج. كذلك فإن تخفيض الفائدة يقلل من أسعار الاستهلاك الجاري، بالقياس إلى الاستهلاك في المستقبل، بحيث يتوقع ارتفاع الطلب على الاستهلاك الحالي وذلك على حساب المدخرات الخاصة من جهة أخرى. ونتيجة لذلك يرتفع الإنفاق الخاص على كل من الاستهلاك والاستثمار وتحدث زيادة عامة في الطلب الكلى يمكن أن تؤدى بدورها إلى انتعاش الاقتصاد.

والسؤال الذي يتبادر للذهن سريعا هو إلى أي مدى تنطبق هذه الفرضية على الواقع الاقتصادي المصري، أو بمعنى آخر هل يلعب سعر الفائدة دورا مؤثرا وأساسيا عند اتخاذ القرار الاستثماري؟ وهنا لابد من الإشارة إلى أن هناك تشتتا شديدا في معدلات الفائدة السائدة بالأسواق، وبين البنوك وبعضها البعض، فسعر الخصم يسير في اتجاه وسعر الودائع في اتجاه آخر والقروض في اتجاه ثالث. وهي قضية غاية في الأهمية، خاصة أن أخطر ما يصيب سعر الفائدة هو عدم الانسجام والتناسق فيما بينهما.  الجانب الآخر فإنه إذا كانت أسعار الفائدة تؤثر على جانب العرض لأنها تؤثر على حجم الاستثمار ونوعيته وبالتالي التأثير على حجم الاقتراض وتوزيعه، ومن ثم على نمو الإنتاج. فإنها تؤثر أيضا على حجم الطلب الكلى عن طريق التأثير في حجم الاستهلاك الجاري ومن ثم الادخار. وبالتالي فعند تناولنا قضية سعر الفائدة يجب دراسة كل من هذين العنصرين معا، لمعرفة سعر الفائدة التوازني الذي يجب أن يسود بالأسواق ويحقق الهدفين معا.

من هذا المنطلق يمكننا الإجابة عن التساؤل هل القرار الاستثماري من جانب القطاع الخاص يتوقف على معدل الفائدة أم أن هناك العديد من المسائل المهمة والأكثر حيوية بالنسبة لهذا القرار؟

ورغم أن الإجابة عن التساؤل ليست بالسهولة التي يتصورها البعض فإننا نرى أن المناخ الاستثماري أكثر تأثيرا من الاعتماد على آلية واحدة لضبط الأمور بالسوق. وليس أدل على ذلك مما أشار إليه بارومتر الأعمال الذي يصدره المركز المصري للدراسات الإقتصادية، والذي أشار إلى أن أهم المعوقات التي تواجه الشركات هي التضخم وصعوبة التعامل مع الجهات الحكومية والمنظومة الضريبية والفساد، بينما جاء ارتفاع أسعار الفائدة في المرتبة الثالثة عشرة، وعدم توافر السيولة لدى الجهاز المصرفي في المركز الأخير وهى نفس نتائج تقرير ممارسة الأعمال للبنك الدولي تقريبا. الأمر الذي يؤكد أن القرار الاستثماري لا يتوقف على سعر الفائدة فقط وأن العلاقة بين الاستثمار والفائدة ليست بنفس درجة المرونة التي يراها المؤيدون لخفض الفائدة.

 بالإضافة إلى ما سبق فهناك العديد من الآثار السلبية المحتملة لخفض الفائدة يجب العناية بها ودراستها. ويأتي على رأسها أن أسعار الفائدة المنخفضة قد تدفع الشركات إلى المزيد من الاقتراض ليس فقط لتمويل الاستثمار الثابت، كما هو مأمول، ولكن أيضا لتمويل المخزون السلعي والاستثمار في العقارات. وهو ما حدث بالفعل خلال الفترة الراهنة حيث لوحظ التوسع المستمر وغير المدروس في الأنشطة الإقتصادية والدخول في مجالات ليست بالضرورة نفس مجالات التخصص، وهي أحد الأسباب الأساسية التي تكمن في فشل العديد من المشروعات. كما أنها تؤدى إلى تحيز لصالح الاستثمار ذات الكثافة الأعلى لرأس المال، وهو ما يؤثر على معدلات البطالة، ناهيك عما تحتاجه هذه النوعية من تمويل خارجي ضخم، الأمر الذي يزيد من الطلب على العملة الأجنبية ويضغط بدوره من جديد على سعر الصرف.

وعلى الجانب الآخر فإن من أهم الآثار هي التحول للنقد الأجنبي والعودة إلى ظاهرة الدولرة من جديد. فضلا عن أنها تؤدى إلى قيام المدخر الصغير، بسحب جزء من ودائعه لدى الجهاز المصرفي إما للاكتناز وإما للتوظيف لدى شركات الاموال، وهو ما يؤدي في الحالتين إلى آثار سلبية عديدة.

نقلا عن جريدة الأهرام، الأربعاء ١٨ نوفمبر ٢٠٢٠.

عبد الفتاح الجبالي

مقالات أخرى للكاتب