وحدة التسلح

تفاؤل حذر: الدور الانتقالي للجنة العسكرية الليبية (5+5)

تتكشف تباعاً طبيعة عمل اللجنة العسكرية الليبية (5+5) وفق تفاعلاتها ومخرجاتها باعتبارها آلية انتقالية لإسناد المسار السياسي، تهدف بشكل رئيسي إلى الاضطلاع بترتيبات ما يخض البيئة الجيوسياسية التي ستعمل فيها السلطة الانتقالية المرتقبة في ضوء ملتقى الحوار السياسي الشامل فى تونس، وهي تحديدا المنطقة الوسطي الواقعة بين سرت وبنغازى والجفرة، وكآلية تنسيقة لادارة العلاقة العسكرية بين بنغازى وطرابلس فى حدود تلك الترتيبات المشتركة. فقد أفضت الجولة السادسة من المفاوضات العسكرية الليبية (5+5) التي انعقدت للمرة الأولي في مقرها الرسمي باحدي قاعات مجمع وجادودو فى سرت (10-13 نوفمبر 2020) لرسم الملامح التنفيذية الخاصة بالترتيبات الأمنية فى تلك المنطقة والتي تضمنت ابعاد…

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح

تتكشف تباعاً طبيعة عمل اللجنة العسكرية الليبية (5+5) وفق تفاعلاتها ومخرجاتها باعتبارها آلية انتقالية لإسناد المسار السياسي، تهدف بشكل رئيسي إلى الاضطلاع بترتيبات ما يخض البيئة الجيوسياسية التي ستعمل فيها السلطة الانتقالية المرتقبة في ضوء ملتقى الحوار السياسي الشامل فى تونس، وهي تحديدا المنطقة الوسطي الواقعة بين سرت وبنغازى والجفرة، وكآلية تنسيقة لادارة العلاقة العسكرية بين بنغازى وطرابلس فى حدود تلك الترتيبات المشتركة. فقد أفضت الجولة السادسة من المفاوضات العسكرية الليبية (5+5) التي انعقدت للمرة الأولي في مقرها الرسمي باحدي قاعات مجمع وجادودو فى سرت (10-13 نوفمبر 2020) لرسم الملامح التنفيذية الخاصة بالترتيبات الأمنية فى تلك المنطقة والتي تضمنت ابعاد القوات والفصائل المسلحة ومليشيات المرتزقة إلى خارج حدود المنطقة، وفتح الطريق الساحلي بين سرت ومصراته، كما تناولت آليات وهيكل خريطة الانتشار الأمني فيها. 

وينظر إلى هذا التطور على أنه يمثل نقلة نوعية في المسار العسكري، وفق الأهداف الاستراتيجية المرسومة له سلفاً، والتي ترتكز على انشاء آلية لمنع العودة إلى الصدام المسلح مرة أخرى، بإنتزاع مسبباته، مع تقديم حوافز للقوى العسكرية على الجانبين (الجيش الوطني الليبي التابع للقيادة العامة و الجيش الليبي التابع للوفاق ) وفق مسمي وثيقة جنيف التي أقرت فى ( 23 أكتوبر 2020 ) وبما يضمن لكل طرف الحفاظ على مكتسباته، وتوفير أجواء الاستقرار التي تسمح بإنجاز الاستحقاقات السياسية الخاصة بجدول أعمال المرحلة التمهيدية، وخاصة الانتخابات التي تقرر إجرائها فى الاسبوع الأخير من ديسمبر 2021 . 

آليات عمل اللجنة

وبالتالى يمكن القول إن طبيعة عمل اللجنة العسكرية أصبحت أكثر وضوحاً عن ذى قبل فى ظل كثافة عملها وطبيعة مخرجاتها والتي يمكن تناولها فى عدة أبعاد رئيسية يتمثل أهمها فيما يلي:

١- آلية تنفيذية لقضايا مرحلية

 والتي يتفرض أن تتحول من مجرد آلية تفاوض عسكرية وأمنية قبل توقيع وثيقة جنيف إلى آلية تنفيذية وتنسيقية ورقابية في المقام الأول تحت رعاية أممية، لتأمين العملية السياسية. وفي واقع الأمر تعكس جولات التفاوض أن سقف عمل هذه اللجنة سيقتصر على ترتيبات المنطقة الوسطى التي تعكف اللجان الفنية على هندسة طبيعتها وحدوها الأمنية. وبالتالي لن يمتد عملها إلى الملف العسكرى والأمني الشامل، والأكثر تعقيداً، وفقا للنهج المتبع بالفصل بين الملفات المرحلية ذات الصلة بالترتيبات الخاصة بالمرحلة التمهدية، والملفات الرئيسة التي سترحل إلى ما بعد المرحلة التمهدية، وثمة  توافق واضح فى ضوء التصريحات السياسية للقيادات المنخرطة فى المسار السياسي على أن تحال هذه الملفات للبت بشأنها من سلطة منتخبة ( رئيس وبرلمان وحكومة ).

٢- أداة تنسيقة بين قوتين عسكريتين

 وهو ما  تم التكريس له فى وثيقة جنيف كما سلفت الإشارة، بوجود قيادتان عسكريتان، أو جيشان أحدهما يتبع القيادة العامة والآخر يتبع الغرب، وهو ما يتم تطبيقه في الاطار التنفيذي من الناحية الفعلية، فعلى الرغم من التفاؤول بتسمية البعثة الأممية للجنة (5+5) بـ” لجنة العشرة “، لكن من الناحية الموضوعية هناك فريقي تفاوض ليس لديهما استقلالية فى اتخاذ القرار، وإنما يعود كل منهما في هذا الشأن إلى القيادة التي يبتعها، وهي اشكالية ستظهر أثارها في المدي القريب، فوفقا لتفاهمات الملتقى السياسي، ستحال صلاحيات القرار العسكري خلال المرحلة التمهيدية إلى المجلس الرئاسي ( رئيس ونائيبن)، ومع اختفاء حكومة الوفاق الحالية من المشهد، من غير المتوقع إختفاء القيادة العامة فى الشرق أو وزارة دفاع الوفاق فى الغرب. وبالتالى لن تنتهي تلك عملية الاستقطاب الحالية. 

٣- إدارة المصالح المشتركة

 تقاسم عملية الانتشار الأمني واعادة هيكلة حرس المنشأت النفطية كقوة مشتركة ورسم خطوط التماس، أو بالاحرى الخطوط الحمراء لحدود الانتشار الميداني لكل طرف، وآلية ادارة الموازنة الاقتصادية على مستوي الأقاليم فى إطار توزيع عوائد الثروة، بل ونصيب كل طرف من الاسهام فى السلطة قيد التشكل، يؤكد على نهج الطرفين فى اعتماد آليه لادارة المصالح المشتركة من خلال مظلة أمنية وسياسية، خلال المرحلة التمهدية، وعلى الأرجح ستنصب جهود الطرفين على تعزيز المكاسب خلال هذه المرحلة سعياً لاستثمارها فى المرحلة التالية. 

تفاؤل حذر

على الرغم من التفاؤل الغالب على بيانات البعثة الأممية تجاه الجولات المتوالية للجنة العسكرية، وتحديداً منذ جولة جنيف الرابعة باعبتارها الجولة التي اختتمت بوثيقة يفترض أنها تشكل خريطة وآلية عمل هذا المسار، إلا أن احتمالات تراجع هذا المسار لا تزال قائمة فى ظل النهج المتبع فيها، فى ظل عدة مؤشرات ومنها:

  • التعامل الانتقائي مع مقررات وثيقة جنيف: وهي المعضلة الرئيسية، في ضوء عدم التزام حكومة الوفاق بالبند الثاني من الوثيقة الخاص بتجميد عمليات التدريب والاتفاقيات العسكرية، ويبدو أن حكومة الوفاق تتعمد تجاوز هذا الجزء من الاتفاق، والدليل على ذلك الزيارات التي قام بها وفود عسكرية من الغرب بالتزامن مع الجولات الثلاثة الأخيرة إلى كل من تركيا وقطر وتوقيع اتفاقيات تعاون ومذكرات تفاهم مشتركة تكشف بما لا يدع مجالاً للشك عن أن هناك مسعي ليس فقط لتثبيت أدوار أنقرة والدوحة فى المرحلة المقبلة، وإنما زيادة مساحة هذه الادوار، التى تتعدي الجانب العسكرى إلى الأمني بشكل عام. وخطوة استباقية لفرض هذه الأطر على الحكومة المقبلة التي ستجد نفسها مكبلة بتلك الاتفاقيات وعلى الارجح ستتبع معها سياسة الترحيل. 
  • ضعف الثقة المتبادلة:  وهو ما ظهر فى التصريحات المتبادلة، فعلى الرغم من اقرار وثيقة جنيف بضرورة وقف حالة التراشق الاعلامي وخطاب الكراهية، فإن تصريحات المتحدث العسكري باسم الوفاق محمد قنونو بالتزامن مع انعقاد جولة سرت ضد فريق القيادة العامة، والتي انطوت على تهديد مبطن للمضى فى الالتزام بعملية وقف اطلاق النار باشارته إلى أن وصف البعثة ما يحدث فى سرت بخطوة إلى الأمام هي ” خطوة فى الهواء ” وتشكيكه فى نية القيادة العامة سحب قواتها التي وصفها بـ” المرتزقة ” من سرت بسبب اعتراضه على مواقف فريق القيادة العامة من تبديل فى أعضاء الفريق واعتلاء المنصة لادارتها، وتعمدها هبوط فريق الوفاق على مسافة بعيدة عن مقر اللجنة على حد قوله.  وفى المقابل فإن للقيادة العامة تحفظات على سلوك الوفاق فى ترحيل القضايا والالتفاف عليها.    
  • تأخر خطة الشريك الأممي في تنفيذ الاتفاق: ليس من قبيل المصادفة أن الجولة التي شهدت تصعيد فى الخطاب هي جولة سرت التي غاب عنها الوسيط الأممي ، ففى جولتي جنيف وغدامس كانت الامم المتحدة حاضرة من خلال الممثلة الاممية وفريق العمل الخاص بالمسار العسكرى، ومن المفترض أن دور الأمم المتحدة بحسب بيانات البعثة الأممية سيتحول من راع للاتفاق إلى شريك فى عملية التنفيذ، ومنها اشراك قوة مراقبة لتنفيذ الآليات الخاصة بالانتشار، وأيضا خطة اخلاء المرتزقة،  وهي ورقة تخضع بالاساس للصفقات والمساومات مع الأطراف التى جلبت هذه العناصر والقوى الممولة لها ومدي الاحتياج لها. وعلى الارجح فإن هناك تفاهما مبدئيا على الابعاد بغض النظر عن امكانية وطريقة تنفيذه ، وفى الغالب يتم احتواء هذا الملف قياسا على التجارب الاقليمية وتحديدا التجربة السورية التي تعد تركيا القاسم المشترك فيها مع التجربة الليبية حيث ترسم حدود نفوذها بمناطق تواجدها العسكرى وانتشار المرتزقة الموالين لها . 

باختصار، يمكن القول إن آلية (5+5) خطوة على طريق تعزيز الحل السياسي للأزمة الليبية فى ضوء المعطيات الراهنة، يوزانها فى المقابل ضرورة عدم الافراط في التفاؤل في ظل أزمة مقعدة ومركبة تراكمت عبر ما يقارب من العقد خاصة فى ظل بقاء أدوات التعقيد وصعوبة تفكيكها فضلا عن استحالة انهائها كلية على المدي القريب والمتوسط. وعلى الأرجح فإن هناك تفاهما على استمرار المسار العسكرى ودوره الوظيفي، في ظل حاجة الأطراف مرحلياً إليه، لكن تقييم تقدمه من عدمه سيعتمد على تقدير موقف الأطراف تجاه كل خطوة يتم الاتفاق عليها، وما تحققه من مصلحة لكل طرف، كما أن انخراط الأمم المتحدة فى هذا المسار يظل ضمانة لعدم انتكاسة بالمجمل، اضافة إلى أن مستوي التسارع أو التباطوء سيعتمد على قدرة الأمم المتحدة في تحفيز القوى المحلية من جهة، والضغط على القوى الخارجية من جهة أخرى للوفاء بتلك بالالتزامات المقررة والتي تتطلب بدورها سياسية خشنة لدفعها في هذا الاتجاه.  

أحمد عليبة
رئيس وحدة التسلح