تنمية ومجتمع

مشروع تأهيل قنوات الريّ والحد من العجز المائي

بموازاة المساعي المصرية للحفاظ على الحقوق المائية في نهر النيل؛ اتجهت الحكومة المصرية إلى إطلاق مشروع قومي لإعادة تأهيل وتبطين الترع والمجاري المائية في كافة محافظات الجمهورية، وذلك لإيقاف هدر المياه، وبالتالي مواجهة أزمة العجز المائي التي باتت هاجسًا متصاعدًا مع الزيادة السكانية. سياقات محفزة تم تصنيف مصر كإحدى الدول التي تعاني فقرًا مائيًّا، فكمية المياه المتاحة للمصريين غير كافية لتلبية كافة أنشطتهم المنزلية والزراعية والصناعية وغيرها لضمان استمرار التنمية، وتزداد هذه الأزمة في ظل عوامل منها: تضاعف عدد سكان البلاد خلال العقود الستة الماضية خمس مرات، وتزايد التهديدات المحتملة لإنقاص حصة مصر من نهر النيل بسبب النزاع مع بعض…

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة

بموازاة المساعي المصرية للحفاظ على الحقوق المائية في نهر النيل؛ اتجهت الحكومة المصرية إلى إطلاق مشروع قومي لإعادة تأهيل وتبطين الترع والمجاري المائية في كافة محافظات الجمهورية، وذلك لإيقاف هدر المياه، وبالتالي مواجهة أزمة العجز المائي التي باتت هاجسًا متصاعدًا مع الزيادة السكانية.

سياقات محفزة

تم تصنيف مصر كإحدى الدول التي تعاني فقرًا مائيًّا، فكمية المياه المتاحة للمصريين غير كافية لتلبية كافة أنشطتهم المنزلية والزراعية والصناعية وغيرها لضمان استمرار التنمية، وتزداد هذه الأزمة في ظل عوامل منها: تضاعف عدد سكان البلاد خلال العقود الستة الماضية خمس مرات، وتزايد التهديدات المحتملة لإنقاص حصة مصر من نهر النيل بسبب النزاع مع بعض دول حوض النيل. ويعد نهر النيل المصدر الأكبر للمياه بمصر، بما يصل إلى 55.5 مليار متر مكعب سنويًّا من أصل 76.4 مليار متر مكعب إجمالي الموارد المتاحة من أمطار ومياه سطحية وجوفية وموارد أخرى غير تقليدية.

وقد دخلت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة في سباق محموم بهدف تغطية هذا العجز المائي، حيث قررت العمل على مسارين متوازيين؛ الأول: يبحث في طرق الحفاظ على مواردها المائية وحقوقها التاريخية، عبر المفاوضات المستمرة للتوصل إلى اتفاق عادل حول سد النهضة الإثيوبي المهدِّد لحصص مياه دولتي المصب مصر والسودان. أما المسار الثاني فيتعلق ببحث الطرق المختلفة لزيادة كمية الموارد المائية، وتعديد أنواعها، وتقليل المُهدَر من الاستهلاك.

من جهة أخرى زادت الدولة المصرية -بالفعل- من استثماراتها في قطاعات الري والمياه، حيث أعطت الأولوية لمشروعات عديدة متباينة في مجالات، مثل: تحلية مياه البحر، وإعادة تدوير مياه الصرف بمحطات المعالجة الثلاثية، وتجميع مياه السيول والأمطار من المخرات في خزانات، وغيرها من المشروعات العملاقة المكلفة.

طبيعة المشروع وأهدافه

يُعتبر إعادة تأهيل وتبطين ترع الري أحدث المشروعات المصرية لمواجهة أزمة العجز المائي، حيث يستهدف الحفاظ على كميات المياه التي يتم هدرها بعد تسربها للتربة الطينية والذي يتراوح ما بين 5 و10 ملم من عمق المياه كل ساعة. لذا، من المتوقع توفير حوالي 5 مليارات متر مكعب من المياه التي كانت تُهدر بطول مجاري الشبكة المائية في كافة أنحاء الجمهورية، وتُسهم صيانة الترع وقنوات الري -في إطار هذا المشروع- في تناقص كمية البخر للمياه، وتقليل نسب الشوائب التي تصل إلى نهاية الترع وتقلص من كفاءتها ومقدار التصرفات الممكن استعمالها مباشرة دون معالجة، إضافة إلى أن المشروع سيضمن وصول المياه بصورة أسرع دون أعطال للأراضي الزراعية، مع القدرة على تحقيق العدالة في توزيع المياه وزيادة الإنتاجية لتلك الأراضي، كما سيقلل تكاليف الصيانة السنوية للمجاري المائية بأنواعها.

برغم وجود مشروع تبطين الترع في استراتيجيات وزارة الري ووزارة الزراعة وأجندات الحكومات المتعاقبة خلال العقود الثلاثة الماضية، إلا أنه تعرض للتأخير في تنفيذه، لاحتياجه إلى تمويل ضخم لمدة زمنية طويلة، علمًا بأن العمليات المطلوبة لإنهاء المشروع تتطلب ألا تكون هناك أي فترات توقف بين خطواتها، حتى لا تؤثر على الكفاءة النهائية للمشروع ككل.

تصل تكلفة المخطط النهائي لبرنامج تأهيل وتطوير الترع الرئيسية على مستوى الجمهورية إلى 18 مليار جنيه، ويشمل المخطط الذي تم إطلاقه أخيرًا في عام 2020 تبطين وصيانة 7500 كم من الترع والقنوات، مع العلم بأنه كان يجري في الظروف العادية تبطين 50 كم من الترع سنويًّا؛ إلا أن الحاجة الملحّة للمياه أدت إلى تعديل الخطة القومية في البداية لتبطين حوالي 2000 كم من الترع كل سنة ولمدة عشرة أعوام. ثم تم التعديل مرة أخرى، ليتقرر الانتهاء من تنفيذ المشروع خلال عامين فقط، وذلك لتعويض زمن التأخير في إطلاقه، واعتباره مشروعًا قوميًّا ملحًّا نظرًا للاعتبارات المذكورة الخاصة بالأزمة المائية الحرجة التي تعاني منها البلاد.

ينقسم المشروع إلى مرحلتين يتم تنفيذهما في 19 محافظة مصرية. تبلغ المرحلة الأولى حوالي 3500 كم، بينما الثانية 4000 كم. وستخدم المرحلة الأولى في بدايتها القرى الأكثر فقرًا المسجلة في مبادرة “حياة كريمة” التي أطلقتها الدولة المصرية. كما أنها من المتوقع أن توفر 9 آلاف فرصة عمل. وتم الاتفاق على أن تكون مصادر التمويل الموضوعة حاليًّا مكونة من 60% من الاعتمادات المحلية، و25% من قروض خارجية، و15% في شكل منح من مؤسسات التمويل الدولية المهتمة بقضايا المياه والإدارة المستدامة لها، وتقليل المهدر في استهلاكها.

معدلات الإنجاز

تم البدء الفعلي في تنفيذ الجزء الأول من المرحلة الأولى لإعادة تأهيل وتبطين الترع أثناء الربع الثاني من عام 2020. ويشمل ذلك الجزء عمليات تأهيل وتبطين 40 ترعة رئيسية في شمال الصعيد وغرب الدلتا (الجيزة، أسوان، بني سويف، أسيوط، الإسماعيلية)، بتكلفة إجمالية 480 مليون جنيه، وحجم أطوال تصل إلى 190 كم، حيث تظهر الإحصائيات أن هذه المحافظات هي الأكثر هدرًا للمياه. ويتم تمويل تلك المرحلة كاملًا بتمويلات ذاتية من مخصصات وزارة الري. ومن المفترض أن ينتهي هذا الجزء في أوائل عام 2021.

في سبتمبر 2020، بلغ إجمالي ما تم طرحه من مناقصات ودراسات لعمليات التنفيذ 3253 كم من أصل 7500 كم، حيث تم الانتهاء من تأهيل 183 كم منها، ويجري التنفيذ في 870 كم منها. كما تم البدء في إجراءات البت والترسية للأعمال لمسافة 2200 كم. وستشمل أعمال التبطين المستهدفة تنوعًا مختلفًا بين استخدام الدبش المغطى بطبقة خرسانة عادية والتبطين بالخرسانة المسلحة، وذلك بعد دراسة حالة كل ترعة أو قناة على حدة. 

بوادر آمال أخرى

رغم إعطاء أولوية ضخمة لمشروع تبطين وتأهيل الترع؛ إلا أنه يأتي ضمن خطة طموحة لزيادة حجم الاستفادة من موارد المياه بمصر لتلبية احتياجات التنمية المطلوبة. إذ تستهدف الخطة تحسين الوضع الزراعي بمصر، كونه المستخدم الأكبر للمياه بنسبة تتراوح ما بين 80 إلى 90%. وسيأتي ذلك عن طريق إعادة تقييم طرق الري في مساحات تعادل مليون فدان. كما ستزيد من قدرات إعادة تدوير مياه الصرف المهدرة ومعالجة كميات أكبر منها بما يقدر بنحو 2 مليار متر مكعب من مشروع مصرف بحر البقر فقط، وتهدف الخطة أيضًا إلى تحسين مستوى خدمة الشبكات من أجل تقليل التسرب وترشيد المياه. ويأتي في النهاية مشروعات تحلية مياه البحر التي ستنتج ما يعادل 1.5 مليار متر مكعب في قطاع مياه الشرب حتى عام 2030، ثم 3 مليارات متر مكعب عام 2037.

نقلا عن “تقديرات مصرية”، العدد ١٣، بتاريخ ١ نوفمبر ٢٠٢٠

د. عمر الحسيني
باحث بوحدة الإقتصاد ودراسات الطاقة