وحدة الدراسات الأوروبية

ذبح فرنسي ومواجهة المتأسلمين: ملاحظات أساسية

شكّل ذبح المدرس الفرنسي “صامويل باتي” على يد إرهابي شيشاني، بعد عرض الأول رسومًا مسيئة للرسول (ص) على تلامذته، في إطار درس عن حرية التعبير؛ صدمةً لدى الرأي العام، ليس فقط بسبب وحشية الحادث، وإنما أيضًا بسبب توقيته، إذ جاء بعد خطاب جدلي للرئيس “ماكرون” طرح فيه إجراءات لمواجهة المشروع الانفصالي الذي تحمله التيارات المتأسلمة، وفي سياق يشكو فيه الجميع من انهيار هيبة الدولة. وفيما يلي ملاحظات أساسية لفهم تداعيات الحادث. بيئة حاضنة للعنف تُشكّل المدرسة في العقل الجمعي الفرنسي أحد أعمدة الخيمة للنظام الجمهوري، بل ورمزًا لدور الدولة المركزية ومشروعها الحضاري وهيبتها؛ إذ إنها الفاعل الأول في بناء ثقافة…

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية

شكّل ذبح المدرس الفرنسي “صامويل باتي” على يد إرهابي شيشاني، بعد عرض الأول رسومًا مسيئة للرسول (ص) على تلامذته، في إطار درس عن حرية التعبير؛ صدمةً لدى الرأي العام، ليس فقط بسبب وحشية الحادث، وإنما أيضًا بسبب توقيته، إذ جاء بعد خطاب جدلي للرئيس “ماكرون” طرح فيه إجراءات لمواجهة المشروع الانفصالي الذي تحمله التيارات المتأسلمة، وفي سياق يشكو فيه الجميع من انهيار هيبة الدولة. وفيما يلي ملاحظات أساسية لفهم تداعيات الحادث.

بيئة حاضنة للعنف

تُشكّل المدرسة في العقل الجمعي الفرنسي أحد أعمدة الخيمة للنظام الجمهوري، بل ورمزًا لدور الدولة المركزية ومشروعها الحضاري وهيبتها؛ إذ إنها الفاعل الأول في بناء ثقافة وطنية واحدة، وإدماج المهاجرين، والصعود الاجتماعي، وتحقيق المساواة بين المواطنين. كما أنها لعبت دورًا تاريخيًّا في إنهاء نفوذ رجال الدين في القرى. لذلك، تعد وزارة التربية القومية أهم وزارة فرنسية، من حيث عدد العاملين بها، وتعقد مهامها، فضلًا عن أنها أيضًا أحد معاقل تيار اليسار.

نفذ المدرس الفرنسي الضحية تعليمات وزارة التربية، عبر تحدثه عن قيم حرية الرأي والتعبير، بما فيها: حرية ازدراء الأديان، والسخرية من المقدس، والتي تُعد مكونًا أساسيًّا في منظومة الحريات في فرنسا. ووفقًا لتقارير حول حادث القتل، فقد شارك والد أحد التلاميذ في الكشف عن عنوان سكن المدرس الضحية، وفي التعبئة ضده، كما لعب ناشط إخواني دورًا محوريًّا في التحريض، فيما ساعد تلميذان القاتل فدلاه على المدرس مقابل مبلغ من المال.

ظهر ملابسات الحادث وجود بيئة حاضنة فاعلة خاصة للجماعات المتأسلمة، تسهم في صنعها جماعة الإخوان المسلمين، التي تقدم نفسها على أنها معتدلة وتحترم القانون، لكنها -مع ذلك- تبث خطابًا يخلق بيئة تساعد على نمو التطرف العنيف، وتوسّع الهوّة بين المواطنين. من ناحية أخرى، كان معروفًا لدى السلطات الفرنسية أن المدرس تعرض لتهديدات، فأجبرته القيادات التعليمية على الاعتذار لتهدئة الأزمة، لكن ذلك لم يمنع ذبحه من قبل المتطرف الشيشاني.

فشل الحماية الأمنية

وقد أظهر الحادث فشل الأمن الفرنسي في حماية المدرس، برغم تقدمه بشكوى قبل مقتله بأيام، كما أنه عكس تزايد حوادث هجوم التلاميذ على المدرسين الفرنسيين في السنوات الماضية، احتجاجًا على المناهج التعليمية. إلى جانب ذلك، تعرضت مراهقة للتهديد بالقتل، لأنها هاجمت الإسلام، حيث اضطرها ذلك لتغيير سكنها، وهو ما يكشف عن عجز الدولة عن ردع من لا يحترم القوانين ويلجأ إلى العنف.

 يعتقد أيضا مراقبون أنّ آثار الحادث لن تزول في وقت قريب، فوفقًا لبعض التقديرات، فإنّ ما لا يقل عن ثلثي الفرنسيين قد حسموا موقفهم من تيار التأسلم السياسي بكافة فرقه، إذ يرون أنه يشن حربًا شعواء على نظامهم القيمي والسياسي والمجتمعي، وأنه يجب التعامل معه كعدو، لا سيما وأنه قتل قرابة 300 مواطن فرنسي منذ عام 2012 في هجمات إرهابية. لذلك، يرى كثيرون أن هناك حالة حرب تستدعي تشكيل “جبهة جمهورية”.

برغم الغضب الفرنسي ضد تيار التأسلم السياسي؛ إلا أن المشكلة أنه لا يوجد سياسيون قادرين على تحويل هذا المزاج العام إلى مشروع سياسي. قد يكون الأقرب إلى ذلك هو الرئيس “ماكرون”، لكن هناك شكوكًا في قدراته على المواجهة، برغم سلامة تشخيصه وكفاءته في رؤية أهمية ملف التأسلم السياسي، وتلقيه دعمًا من أغلبية كبيرة من الفرنسيين، لكن التعامل مع الملف بالغ التعقيد، إذ يحتاج إلى مثابرة من الرئيس الفرنسي، وفتح ملفات عديدة.

خسائر القوى السياسية

ثمة قوى سياسية فرنسية قد تخسر جراء تصاعد الغضب ضد تيار التأسلم السياسي، لا سيما وأنها قد تحالفت مع بعض فصائل ذلك التيار، منها: حزب “فرنسا غير الخاضعة”، وحزب الخضر، وبعض فصائل أقصى اليسار، وبدرجة أقل أجنحة في الحزب الاشتراكي وبعض رموز اليمين الذين عقدوا اتفاقات انتخابية مع الإخوان والسلفيين. حيث يُلاحظ -مثلًا- أن “جان لوك ميلانشون” -رئيس حزب “فرنسا غير الخاضعة”- حوّل موقفه، وأدان التيارات المتأسلمة، لكن بعض كوادر الحزب دافعوا عن موقفهم السابق في تصريحات أثارت غضبًا عامًّا، كما تلقى سياسيون ومثقفون متعاطفون مع تيار التأسلم إهانات من المتظاهرين، إذ تم تشبيههم بمن تعاون مع النازية في التجمعات والمظاهرات التي نظمها مدرسون محسوبون على اليسار.

رصد المراقبون غضبًا لدى الرأي العام الفرنسي ضد المؤسسات والمنظومة القضائية بما فيها المحكمة الأوروبية العليا، التي تواجه اتهامًا بأنها عرقلت عمل السلطات، وسمحت لمهاجرين خطرين بالبقاء في فرنسا، بعضهم شارك لاحقًا في عمليات إرهابية، بخلاف ما يتردد حول أن القضاء الفرنسي بات مسيسًا من ناحية، ومن ناحية أخرى متسامحًا مع شباب يخالفون القانون ويلجئون للعنف. كما أن ثمة جدلًا حول ميل المؤسسات القضائية إلى إعطاء أولوية مطلقة للحريات العامة على اعتبارات الأمن. في المقابل، ارتفعت أسهم المؤسسة التعليمية، إذ أدرك الكثيرون مدى معاناة المدرسين وظروفهم الصعبة، فضلًا عن تخاذل القيادات الوسيطة والعليا التي تميل دائمًا إلى اعتبار التلاميذ على حق لأنها تخشى الأهالي. كما ارتفعت أيضًا أسهم الشرطة. أما الجامعات والإعلام فما يزال رصيدهما متدنيًا.

ثمة قضايا فرنسية عديدة في سياق مواجهة تيار التأسلم السياسي، منها: أن مواجهة هذا التيار تقتضي تعميق التعاون الأمني مع الدول الأخرى، ومعالجة مشكلة صعوبة طرد بعض الإرهابيين لعدم وجود من يقبل تسلمهم، ومراجعة سياسات الهجرة. كما تثور أيضًا مشكلة كيفية مراقبة أنشطة المجتمع المدني وخطابات الكراهية على المواقع الاجتماعية دون أن يُهدد ذلك الحريات العامة.

مواجهة اختراقات المتأسلمين

تستغل التيارات المتأسلمة الثغرات العديدة في القوانين وبعض السياقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في فرنسا، ومن ذلك مثلًا في قضايا التمويل الأجنبي للأنشطة الدينية وتدريب وتعليم الأئمة (فرنسا لا تدرب عددًا كافيًا من الأئمة). ولذا، تجب مراجعة القوانين وكذلك السياسات الاجتماعية لمناهضة الفقر، وإدماج الشباب، وضمان قدرتهم على الحصول على وظيفة، وكذلك معالجة أوضاع المنظومة التعليمية للقضاء على العنف في المدرسة من قبل المراهقين، واسترداد هيبة المدرس، وإحياء دور المدرسة كمؤسسة للصعود الاجتماعي والادماج. ومن ناحية أخرى، يجب إصدار تشريعات تناهض التمييز العنصري. كما أن ثمة أهمية لدعم قدرات الشرطة والأجهزة الأمنية، ومراجعة أوضاع السجون، لأنها تحولت إلى مصانع لتحويل المجرم العادي إلى إرهابي.

لا يمكن إنكار وجود فجوة بين هَوَى قطاعات من المسلمين، والهوى الفرنسي العام، فيما يتعلق بالحريات العامة، والموازنة بينها وبين المقدس والديني والجمعي. فالهوى العام قد لا يُعير المقدس اهتمامًا كبيرًا، ويقدس الحريات، أما المسلمون فالكثيرون منهم يرون أن المقدس يجبّ الحريات، ومثل هذا التناقض لن يزول بسرعة، لكن تبدو إدارته واجبة. على الجانب الآخر، ثمة ضرورة للتمييز بين المسلمين المحافظين، والمتأسلمين؛ فالخطاب المعادي للمتأسلمين قد يحتاج إلى ضبط، لأنه يلجأ كثيرًا وبدون داعٍ إلى حجج جارحة للمتدينين كافة.

نقلا عن تقديرات مصرية، العدد ١٣، ١ نوفمبر ٢٠٢٠

د. توفيق أكليمندوس
رئيس وحدة الدراسات الأوروبية