وحدة الدراسات العربية والإقليمية

بين النسيان والمصالحة: العزل السياسي في ليبيا إلى أين؟

في إطار التسوية السياسية التي تتطلع لها ليبيا، تبرز إحدى الإشكاليات السياسية والأخلاقية والنفسية التي ظهرت على مدار تاريخ التحولات السياسية الكبرى والخاصة بكيفية التعامل مع رموز وأفراد النظام القديم، وهي المعضلة التي واجهت ليبيا عقب سقوط نظام “القذافي”، والتي تم التعامل معها بآلية التطهير عام 2013 عبر إصدار قانون العزل السياسي. وفي ضوء السجالات السياسية والفكرية التي دارت حول جدوى تلك الآلية في تحقيق العدالة الانتقالية، والتخلص من الماضي؛ تبدو أهمية قراءة قانون العزل السياسي في ليبيا باعتباره التعامل السياسي مع الذاكرة والماضي عبر الإقصاء التام، في ضوء الخبرات الدولية لدول مثل إسبانيا ودول أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية وتعاملها…

بلال منظور
باحث بوحدة الدراسات الأوروبية

في إطار التسوية السياسية التي تتطلع لها ليبيا، تبرز إحدى الإشكاليات السياسية والأخلاقية والنفسية التي ظهرت على مدار تاريخ التحولات السياسية الكبرى والخاصة بكيفية التعامل مع رموز وأفراد النظام القديم، وهي المعضلة التي واجهت ليبيا عقب سقوط نظام “القذافي”، والتي تم التعامل معها بآلية التطهير عام 2013 عبر إصدار قانون العزل السياسي. وفي ضوء السجالات السياسية والفكرية التي دارت حول جدوى تلك الآلية في تحقيق العدالة الانتقالية، والتخلص من الماضي؛ تبدو أهمية قراءة قانون العزل السياسي في ليبيا باعتباره التعامل السياسي مع الذاكرة والماضي عبر الإقصاء التام، في ضوء الخبرات الدولية لدول مثل إسبانيا ودول أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية وتعاملها مع قضية الذاكرة والماضي، وتحليل أثر تلك السياسة في مسار التسوية السياسية الآخذة في التطور بين الأطراف الليبية، والوصول إلى عددٍ من التوصيات الهادفة إلى تجنّب المشكلات والتعقيدات المترتبة على العزل والإقصاء السياسي، واستكمال مسار التسوية وتحقيق العدالة.

أولًا- “ذاكرة المجتمعات” ومعالجة ظاهرة العزل والإقصاء:

تواجه المجتمعات والدول في فترات ما بعد الصراع والتسوية السياسية، معضلات المضيّ قدمًا بعد الحالة الصراعية التي دخل فيها المجتمع. ويُعد من أبرز المشاكل التي ظهرت في العديد من النماذج الدولية أثناء عمليات التحول الديمقراطي وتأسيس العدالة الانتقالية، ولها أثر بالغ الأهمية في زعزعة استقرار العملية الانتقالية برمتها؛ قضية الذاكرة وكيفية النظر للماضي والتعامل معه.

ويُنسب إلى أدبيات “العدالة الانتقالية” التي تراكمت مع موجة التحولات الديمقراطية في العقود الثلاثة الأخيرة فكرة مواجهة الماضي من خلال أي من الوسائل المتاحة، وذلك بالاعتماد على الحجج الأخلاقية والنفسية حول ضرورة التذكر أو كيفية استدعاء الماضي باعتباره ضرورة للخلاص وخلق جمهور ديمقراطي الثقافة. وتشير الدراسات المعنيّة بالذاكرة وضرورتها في إنجاز العدالة الانتقالية، إلى أن التصالح مع إرث قمع النظام القديم، يُعد شرطًا مسبقًا لتدشين نظام سياسي ديمقراطي مستتب وبشكل فعال. فقد عبّر “ألكسندر ل. بورين” -نائب رئيس لجنة الحقيقة والمصالحة بجنوب إفريقيا- إلى أنه ليس العقاب هو المطلوب لتأسيس مجتمع عادل.

كما أن الأفكار التي روّجت لأن الفشل في مواجهة الماضي يُعتبر عائقًا أمام التحول الديمقراطي يمكن دحضها، فالعديد من النماذج الدولية للعدالة الانتقالية لم تقم بمواجهة الماضي أو الانتقام منه؛ بل إن من هذه الدول من أصدر قوانين للعفو العام لتجاوز تلك المرحلة والمضيّ قدمًا، ويمكن استدعاء نماذج الانتقال في الدول الأوروبية ونظمها الديمقراطية الحالية، إذ أوضح المؤرخ البريطاني “تيموثيجارتونآش” إلى أن ديمقراطية أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية تم بناؤها على أساس النسيان. ففي غرب ألمانيا، في خمسينيات القرن العشرين وبعد إقرار محاكمات نورمبرج العسكرية تم بذل جهود حثيثة لتجاهل جوانب متعددة من الماضي النازي لم تشملها القضايا التي قُدمت للمحكمة.

ثانيًا- المصالحة في التجارب الدولية:

في أعقاب الموجة الثانية من العدالة الانتقالية في الجزء الجنوبي من أوروبا، تمثل إسبانيا نموذجًا فريدًا من الواقع، أمكن فيه استمرار عملية التحول الديمقراطي بدون اللجوء لسياسات تطهير الماضي أو الانتقام منه، كما تعد هي الحالة الأكثر شهرة في التاريخ الحديث للديمقراطيات الجديدة التي تتعامل مع ماضٍ صعب ومؤلمٍ باختيار عدم التعامل معه على الإطلاق، وذلك بعد انهيار ديكتاتورية الجنرال “فرانسيسكو فرانكو” ووفاته عام 1975، إذ إن التخلي عن مواجهة الماضي في محاولة لتحقيق المصالحة أثبت صحته بأن يكون في صالح النهوض بالديمقراطية.

اتّبعت إسبانيا سياسة العفو في عام 1977 عبر إصدار “اتفاق النسيان” بين أحزاب اليمين واليسار فيما يتعلق بماضٍ أليم امتد لحوالي 40 عامًا بدأ بالحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939) وانتهى بديكتاتورية “فرانكو” (1939-1975). وقد حالت هذه الاتفاقية غير المكتوبة دون أي معالجة رسمية للماضي، ونتيجة لذلك لم تحدث عمليات لإقصاء عناصر النظام السابق أو عقد جلسات العدالة الانتقالية في انتقال إسبانيا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية.

وفي أثناء الموجة الثالثة من الديمقراطية، بدأت جهود لجان تحقيقات العدالة الانتقالية أثناء عمليات التحول من النظم الديكتاتورية في منتصف الثمانينيات والتي استمرت حتى التسعينيات، وقد أنتجت تجارب دول أمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى في العدالة الانتقالية ما يُعرف بـ”لجان الحقيقة والمصالحة”، والمعنية بالوصول للحقيقة حول مرتكبي الانتهاكات في حق الشعوب وليس تحقيق العدالة النافذة بصورة تعسفية، إذ أطلقت الأرجنتين عام 1984 وتشيلي عام 1990 رسميًا اللجان التي أصدرت تقارير التحقيق في نظم الحكم التي أعقبت الانقلاب العسكري الذي قاده “خورخي فيديلا” عام 1976 بالأرجنتين والجنرال “أوجستو بينوتشيه” في تشيلي عام 1973، وفي بوليفيا وأوروجواي وباراجواي وقعت مهام لجان الحقيقة والمصالحة على عاتق اللجان البرلمانية، إضافة إلى دور المنظمات غير الحكومية في النهوض بالتحقيقات بتلك الدول وفي البرازيل بين عامي 1979-1985.

وفي أوروبا الشرقية، تمحورت سياسات التعامل مع الماضي في نمطين رئيسيين هما: سياسات التطهير ولجان الحقيقة من خلال فتح معلن وعام لملفات أجهزة الشرطة بتلك الدول، فقد صدرت قوانين إزالة آثار النظم الشيوعية أو التطهير عقب انهيار الاتحاد السوفيتي في كل من ألبانيا وبلغاريا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا وبولندا ورومانيا والمجر. إلا أن اتّباع هذا النمط من سياسات التطهير أو العزل تم التلاعب به في النهاية لتحقيق مكاسب سياسية مما يحد من الهدف الذي يمكن عن طريقه تلبية مطالب المجتمع من أجل العدالة، وبما يعطل أي عمليه تهدف للتصالح مع الماضي والانتقال بأساليب ديمقراطية سلمية، إضافة إلى تكوين الجماعات التي تم إقصاؤها لمراكز قوى هدفت إلى القضاء على أي تقدم في مسارات الانتقال الديمقراطي. وبما أن قوانين التطهير لديها القدرة على استبعاد أعداد كبيرة من الفاعلين بشكل منهجي من المسرح السياسي، فهي بطبيعتها عرضة للتلاعب السياسي. وبدلًا من تحقيق أهداف مشروعة، تم التلاعب بهذه القوانين لنزع الشرعية عن المعارضة السياسية. فقانون التطهير الأول في المجر، الذي تم تبنيه من قبل حكومة محافظة كان يهدف إلى تشكيل آلية ردع للحزب الاشتراكي الذي أحرز بحلول ذلك الوقت نتائج أعلى في استطلاعات الرأي، وفي بولندا اتضح أن قوانين التطهير ستؤدي إلى إلحاق الضرر بالحكومة المعاصرة إلى قيام الدولة بإسقاط القوانين المقترحة. وفي جمهورية التشيك تم استخدام قانون التطهير الذي تم وصفه بأنه معتدل نسبيًّا في تشويه سمعة الخصوم السياسيين.

ثالثًا- العزل السياسي في الخبرة الليبية منذ 2011:

قانون العزل السياسي في ليبيا يحمل رقم 13 لعام 2013. وقد صدر القانون عن المؤتمر الوطني العام الليبي والذي كان يمثل السلطة التشريعية الانتقالية في ذلك الوقت. ويعد الهدف الرئيسي لقانون العزل هو التخلص من الإرث الذي خلّفه نظام “القذافي”، وذلك من خلال استبعاد الأعضاء الرئيسيين في نظامه من الحياة السياسية. وأتى إصدار القانون وسط سياق لانقسامات سياسية عانى منها المؤتمر الوطني ما بين الكتلتين الرئيسيتين، وهما: تحالف القوى الوطنية الذي كان يمثل الأغلبية ويضم قوى غير إسلامية وشخصيات من النظام السابق بليبيا ما قبل 2011 تحاول بدورها النجاة من العزل، وذلك في مقابل حزب العدالة والبناء الذي يمثل الإخوان المسلمين فرع ليبيا.

وفي غياب أطراف سياسية تتولى التوفيق بين المصالح المتضاربة، ومع تصاعد الضغوط من القوى الأيديولوجية بشقيها السياسي والمسلح، تم إصدار قانون العزل السياسي في ليبيا ليثير موجة من الجدل بشأن عدد من القضايا تضمنت:

  • نطاق العزل: عبرت كلا الكتلتين عن رؤيتين مختلفتين لنطاق العزل السياسي. إذ استندت رؤية تحالف القوى الوطنية إلى التساهل في القانون من حيث المدى والنطاق الذي يشمله العزل السياسي نفسه، نظرًا لوجود أعضاء سبق أن شغلوا مناصب رسمية خلال فترة حكم “القذافي”. على الجانب الآخر، رغبت قوى الإسلام السياسي في إقصاء كل من كانت له أي صلة بعهد “القذافي” منذ بداية وصوله للحكم عام 1969 وحتى 2011. وقد مسّت فكرة تأييد العزل مشاعر الشارع الليبي، فقد أظهر استطلاع رأي استند إليه تقرير لمؤسسة “راند” عن ليبيا بعد “القذافي” أن أغلبية كبيرة من الليبيين دعمت العزل السياسي في مقابل أقلية بنسبة 18% عارضوا إقرار القانون.
  • الاستقطاب السياسي: أدى التناحر بين القوى السياسية التي حولت المنافسة في ليبيا إلى مباراة صفرية إلى إطلاق دائرة مفرغة الاستقطاب. ففي فترات ما بعد الصراعات والحروب، تتعارض الرؤى بشأن التعامل مع تلك المرحلة ما بين الانتقام والمصالحة، الأمر الذي حوّل قضية العزل السياسي إلى مجال جديد للاستقطاب بين القوى السياسية.
  • إنتاج مشكلات إضافية: كان للقانون عواقب وخيمة، منها استبعاد الخبرة التكنوقراطية للعناصر غير السياسية التي عملت بالدولة الليبية لسنوات بما يؤثر على قدرة المؤسسات وإمكانية المرور بالمرحلة الانتقالية للأمام. كما خلق قانون العزل احتمالات وجود رد فعل عنيف من الأطراف المعزولة، وإحداث انشقاقات بين الدولة الجديدة وجماعات نظام “القذافي”. ويرسخ القانون حالة انتقام شعبي ناتجة عن عدم تمييز القانون بين من ارتكب انتهاكات في عهد “القذافي” ومن كان يعمل بصورة طبيعية ثم انضم للثورة الليبية في 2011. كما أن عزل المسئولين والعاملين بالقطاع الأمني كان من شأنه تعطيل أي إصلاحات مرجوة في القطاع الأمني، فضلًا عن تعزيز قبضة الإسلاميين في الحكم، وسريان اعتمادهم على الميليشيات والعنف والسلاح لتمرير إرادتهم السياسية.

وعلى الرغم من قيام مجلس النواب بإلغاء قانون العزل السياسي في فبراير من عام 2015، إلا أن هذا القرار قد أثار المزيد من الجدل بين الفرقاء الليبيين، حيث لا تزال قطاعات من القوى السياسية الليبية ترى ضرورة تطبيق عزل سياسي شامل لكل من تولى مناصب عامة خلال حكم “القذافي”.

رابعًا- تجاوز إشكالية العزل السياسي في ليبيا:

يوجد عدد من الأطر العامة والفكرية والعملية يمكن أن تسهم في تحديد آفاق المستقبل، وتأطير الحوار الشامل الليبي القادم، يُمكن الإشارة إلى أهمها على النحو التالي:

  • الماضي قضية سياسية: إذ إن التجارب التي تجاوزت الماضي تعاملت معه على أنه قضية سياسية يمكن الحديث بشأن مصيرها وتوظيفها بأكبر صورة براجماتية تُسهم في المضيّ قدمًا، وتحقيق الصالح العام، وتوفير المتاعب الناتجة عن اعتبار هذا الماضي قضية أخلاقية أو نفسية تقف عندها المشاعر الشعبية، وتتخللها رغبات الانتقام والإقصاء السياسي والتلاعب به. ففي إحدى التجارب اللاتينية بجمهورية الدومينيكان، وعلى الرغم من القضاء على الزعيم “تروخييو” وقتله؛ إلا أن التعلق بالماضي وعدم الانسلاخ منه لم يمكن الدولة من تحقيق التحول المرجوّ، وتسبب في معاناة شعبية لم تقدم أفقًا مستقبليًّا لمسار التحول.
  • ضرورة إقامة نظام قضائي فعّال: حيث ساهمت تقوية الجهاز القضائي في تحقيق الديمقراطية في تجارب متعددة أكثر مما كان يمكن أن تحققه أي لجنة حقيقة أو محاكمة عسكرية. فقد عمل إصلاح الأجهزة القضائية، وخاصة في إسبانيا، على العمل بصورة مستقلة عن الحكومة، وبالتالي الضلوع في محاكمات عادلة لمرتكبي الجرائم السياسية، وليس إقصاء كل منتسبي النظام القديم بصورة تعسفية أو انتقامية.
  • الدور الرئيسي للدعم الدولي: تتشكل الجهود الدولية بدورها من خلال تجارب نجاح أو فشل المحاولات المحلية للتعامل مع الماضي. فقد لعبت الأمم المتحدة دورًا رئيسيًّا في التوسط في تسويات السلام أو التحولات الديمقراطية والعدالة الانتقالية في عدد من البلدان، بما في ذلك جواتيمالا والسلفادور وهاييتي وليبيريا؛ إذ شجّعت الأمم المتحدة سياسة “الصفح والنسيان” في ليبيريا، وفي جواتيمالا ساعد خبراء الأمم المتحدة في صياغة قانون عفو كان أكثر انسجامًا مع المعايير الدولية.

وختامًا، فإن طريقة استدعاء الماضي تعبر بدورها عن ديناميكيات وسياسات الحاضر، حيث تمت إدارة قضية العزل السياسي في ليبيا بآليات نتج عنها الكثير من المساوئ في تجارب العدالة الانتقالية على مستوى العالم وعلى مدار عقود عدة، منها إقصاء الخبرات المطلوبة لتعزيز المؤسسات، وتزايد حالات العنف والانقسام المجتمعي، وعدم اكتمال أو نضج المؤسسات بالصورة التي من شأنها النهوض بالدولة وتأسيسها في العهد الجديد.

بلال منظور
باحث بوحدة الدراسات الأوروبية