وحدة الدراسات الأمريكية

محدِّدات العلاقة بين إسرائيل والحزب الديمقراطي الأمريكي

بدت مؤشرات التوتر بين إسرائيل وقيادات الحزب الديمقراطي الأمريكي في العديد من المناسبات كان أبرزها إبان إدارة “باراك أوباما” حين ظهر رئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتنياهو” في الكونجرس (2015) منتقدًا سياسة “أوباما” تجاه إيران، وقد اقترن الحديث في هذه القضية بمحاولة استشراف آفاق العلاقات بين إسرائيل والإدارة الديمقراطية الجديدة برئاسة “جو بايدن”، لذا من الأهمية بمكان تقييم طبيعة هذه العلاقة بشكل عام، وتَتبّع قضايا الخلاف المحتملة بين الطرفين، ومحاولة الاقتراب من الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة. الصورة العامة تشير العديد من التقارير إلى المستوى الذي وصلت إليه العلاقة بين إسرائيل والحزب الديمقراطي الأمريكي، وبين إسرائيل والجالية اليهودية في الولايات المتحدة، ويمكن…

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية

بدت مؤشرات التوتر بين إسرائيل وقيادات الحزب الديمقراطي الأمريكي في العديد من المناسبات كان أبرزها إبان إدارة “باراك أوباما” حين ظهر رئيس الحكومة الإسرائيلية “بنيامين نتنياهو” في الكونجرس (2015) منتقدًا سياسة “أوباما” تجاه إيران، وقد اقترن الحديث في هذه القضية بمحاولة استشراف آفاق العلاقات بين إسرائيل والإدارة الديمقراطية الجديدة برئاسة “جو بايدن”، لذا من الأهمية بمكان تقييم طبيعة هذه العلاقة بشكل عام، وتَتبّع قضايا الخلاف المحتملة بين الطرفين، ومحاولة الاقتراب من الأسباب الحقيقية لهذه الظاهرة.

الصورة العامة

تشير العديد من التقارير إلى المستوى الذي وصلت إليه العلاقة بين إسرائيل والحزب الديمقراطي الأمريكي، وبين إسرائيل والجالية اليهودية في الولايات المتحدة، ويمكن الإشارة إلى أبرزها كالتالي:

  • نشر معهد الأبحاث الأمريكي “بيو” في أكتوبر 2020 تقريرًا يوضح أن 70% من اليهود الأمريكيين ينوون التصويت للمرشح الرئاسي “جو بايدن”. وهي نتائج مطابقة لنتائج استطلاع الرأي في عام 2016 التي أظهرت أن 71% من يهود الولايات المتحدة صوتوا لـ”هيلاري كلينتون” مرشحة الحزب الديمقراطي.[1]
  • نشر مركز “بيو” تقريرًا في 2018، يُظهر أن 27% فقط من الديمقراطيين يتعاطفون مع إسرائيل، مقابل 79% من الجمهوريون يتعاطفون معها.[2]
  • نشر أيضًا مركز “بيو”، في إبريل 2019، تقريرًا حمل الكثير من الدلالات، أهمها أن 64% من الأمريكيين ينظرون للشعب الإسرائيلي إيجابيًّا، و51% ينتقدون الحكومة الإسرائيلية.
  • ظهور أصوات في الحزب تنادي برهن المساعدات العسكرية المقدمة لإسرائيل بشروط معينة، وعلى الرغم من عدم الاستماع لهذه الأصوات، إلا أن المقترح له دلالته.

وبالعودة إلى البيانات والأجندات الحزبية الصادرة عن الحزب الديمقراطي طيلة العقدين الماضيين، يمكن الإشارة إلى مجموعة من الملاحظات المتصلة بعلاقته بإسرائيل، وذلك على النحو التالي:[3]

  • أن الحزب الديمقراطي يرى أن العلاقة بين واشنطن وإسرائيل تحكمها “المصالح والقيم المشتركة” (وهو ما ظهر في أجندة 2016 و2020)، في حين في أجندات أخرى قديمة كان الحزب يصف تلك العلاقة بـ”الخاصة” التي لا ترتهن بأي عامل شَرْطي.
  • يشدد الحزب على أن واشنطن تحترم إسرائيل كونها دولة يهودية “ديمقراطية”، وهذا هو المقصود بأن الولايات المتحدة تحكمها المصالح و”القيم” المشتركة مع إسرائيل.
  • وضع إسرائيل في موقع متأخر ضمن أولويات الولايات المتحدة في نظر الحزب الديمقراطي (كما ظهر في أجندة 2020)، في حين كان التركيز الأكبر منصبًّا على قضية العلاقات الأمريكية مع إيران.
  • اعتراف الحزب بحركة BDS (وهي حركة يسارية مناهضة لإسرائيل وتدعو لمقاطعتها)، ولكن ستقع الحركة تحت طائلة القانون والغرامات في حال سعت لانتزاع الشرعية عن إسرائيل.
  • يعارض الحزب فكرة ضم غور الأردن أو أجزاء من الضفة الغربية للسيادة الإسرائيلية؛ لضمان حل الدولتين.

لا تُنقص المؤشرات السابقة من استراتيجية العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، فستظل إسرائيل هي ركيزة واشنطن الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ولكنها تشير إلى أن هناك قضايا خلاف بين الحزب الديمقراطي الأمريكي والحكومة الإسرائيلية بشكلها الحالي، تمثل عائقًا استراتيجيًّا لاكتمال الرواية اليهودية الإسرائيلية الحالية.

قضايا الخلاف

يُمكن تحديد مجموعة من المسائل ذات الأهمية “الاستراتيجية” بالنسبة لإسرائيل، ولكنها تمثل مسائل خلافية مع الحزب الديمقراطي الأمريكي، يمكن الإشارة إليها على النحو التالي:

أولًا- مسألة الاستيطان في الضفة الغربية: يرفض الحزب الديمقراطي السياسات الإسرائيلية الاستيطانية أحادية الجانب التي تحاول الحكومة الإسرائيلية فرضها كأمر واقع في الضفة الغربية؛ كونها تأتي على حساب الشعب الفلسطيني الذي أشارت إليه أجندة الحزب بأنه طرف مهم في الحسابات الأمريكية لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، في حين أن الأحزاب الدينية اليهودية في إسرائيل والتي تعد القاعدة السياسية الأهم لـ”نتنياهو” ترى ضرورة التوسع في الاستيطان بالضفة بل وضمها للسيادة الإسرائيلية.

ثانيًا- مسألة الضم: يرفض الحزب الديمقراطي مبدأ ضم غور الأردن الذي قدمته إدارة “دونالد ترامب” لإسرائيل في رؤيتها للسلام (كما أشير في أجندة 2020)؛ لأنه يقضي على إمكانية إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، في حين لا تقبل إسرائيل في صورتها الحالية (أي التوجه السياسي الديني المتطرف) فكرة إلغاء ضم غور الأردن للسيادة الإسرائيلية.

ثالثًا- مبدأ حل الدولتين: يرى الحزب الديمقراطي أهمية بقاء السلطة الفلسطينية كونها الشريك الفلسطيني على طاولة المفاوضات أمام إسرائيل من أجل الوصول إلى تسوية نهائية على أساس مبدأ حل الدولتين. في حين تتبنى إسرائيل الرؤية التي قدمها “ترامب” والتي تعتبر فلسطين كيان حكم ذاتي على أجزاء من الضفة الغربية، وليس بمفهوم الدولة ذات السيادة الكاملة.

رابعًا- طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة: كانت أجندة الحزب الديمقراطي تؤكد متانة العلاقة “الخاصة” بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ولكن منذ 2012 بدأت أجندة الحزب تسقط مصطلح “خاصة” من وصف العلاقة لتؤكد أن الولايات المتحدة تحتفظ بعلاقة مع إسرائيل تحكمها “المصالح والقيم المشتركة”. وعند تفسير مصطلح “مصالح” فترمي الإشارة إلى أن الحزب الديمقراطي يرى أن هناك ارتباطًا بين إسرائيل والولايات المتحدة بمحددات أمن قومي مشتركة. فعلى سبيل المثال، إذا كانت ترى واشنطن مهددًا في الصين فعلى إسرائيل أن تنظر إلى ذلك أيضًا وتضعه في الاعتبار الجاد تحت مبدأ “المصالح المشتركة”، ولكن في واقع الأمر كانت حكومة “نتنياهو” تلتف على التحفظات الأمريكية حيال مستوى العلاقة بين إسرائيل والصين.

خامسًا- طبيعة الدولة الإسرائيلية: تشهد إسرائيل منذ فترة صراعًا من نوع خاص وهو صراع روايات بين معسكرين؛ الأول: يرى في إسرائيل الدولة القومية اليهودية، ويرفض إقامة دولة فلسطينية، وهو التيار الذي يتزعمه “نتنياهو” والأحزاب الدينية. بينما يرى المعسكر الثاني: أن إسرائيل دولة علمانية، يهودية (بمفهوم ديني فقط وليس قوميًّا)، ديمقراطية، تتبنى حل الدولتين وتحث على إقامة دولة فلسطينية، وهو ما تتبناه أحزاب اليسار والوسط التي تعاني من تخبط واضح وعدم قدرة على الاصطفاف. ويدعم الحزب الديمقراطي الأمريكي الرواية الثانية التي تلتزم بكون إسرائيل دولة يهودية ديمقراطية، تقبل بإقامة فلسطين، وتحظر الاستيطان، كما أشير في أجندة الحزب الديمقراطي لعام 2016، ونسخة 2020، وكما أشار “بايدن” نفسه في أحد التصريحات: “إسرائيل حاليًّا تسير على الطريق الخطأ”. وهو ما يفسر تباعد وجهات النظر بين إسرائيل في وضعها الحالي والحزب الديمقراطي، كون الرواية الإسرائيلية الحاكمة حاليًّا لا تلتزم بمبدأ “القيم المشتركة”.

عوامل تباعد وجهات النظر

تاريخيًّا، لم تكن العلاقة بين إسرائيل والحزب الديمقراطي الأمريكي يشوبها أي توتر أو تباينات كبيرة في وجهات النظر، ولكن يبدو أن هناك مؤشرات جديدة قد ظهرت وربما أثرت على طبيعة العلاقة بين إسرائيل والحزب الديمقراطي، يمكن عرض أهمها كما يلي:

أولًا- صعود تأثير حركة “جي ستريت” J-street: وهي حركة ليبرالية يهودية تناصر إسرائيل وتتبنى مبدأ حل الدولتين. سعت الحركة لعقد مؤتمرات حضر فيها قيادات من الحزب الديمقراطي الأمريكي، تحث على ضرورة أن تتبنى الولايات المتحدة “سياسات” واضحة لحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وتستنكر “تسييس” العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لصالح رواية أو أيديولوجيا محددة.

نشرت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” حوارًا مع “جيرمي بن عامي” (رئيس الحركة وأحد مؤسسيها)، أوضح في الحوار أن الحركة تتحرك وفق دوافع مجتمعية من الأمريكيين أنفسهم الذين يرفضون التوجه اليميني الذي بدت عليه إسرائيل. كما أكد أن الحركة انخرطت مع جميع المرشحين الديمقراطيين.

ثانيًا- تبدل موقف الإيباك AIPAC من إسرائيل: ولجنة إيباك هي “لجنة الشئون العامة الأمريكية الإسرائيلية”، وهي جماعة الضغط الإسرائيلية في الولايات المتحدة التي تعد الركيزة الأولى التي تعتمد عليها تل أبيب للتأثير في السياسة الأمريكية، وضمان دعم الحزبين الجمهوري والديمقراطي لإسرائيل.

لكن يبدو أن قادة “الإيباك” لا يدعمون التوجه اليميني المتطرف الذي يسيطر على الحكم في إسرائيل حاليًّا، لذا بدأت المنظمة في حث نواب الكونجرس في إدانة خطة الضم وسياسات الاستيطان في الضفة الغربية (وفق صحيفة إسرائيل اليوم)، ويُعزز ذلك البيان الذي أصدرته المنظمة بتحذير حكومة إسرائيل من أن أي تقدم في خطة الضم سيؤثر على علاقتها بواشنطن بالسلب.

ويرجع السبب في تبدل موقف الإيباك من إسرائيل إلى تغير هوية اليهود الأمريكيين الذين يمثلون قاعدة مهمة في الإيباك. فبحسب تقرير لمعهد “بيو”[4] (أكتوبر 2013) لوحظ أن 60% من الشباب اليهود الأمريكيين لا يتبعون دينًا، وهو ما أثّر على إدراكهم السياسي والاجتماعي تجاه إسرائيل التي يحكمها معسكر “ديني متطرف”، وبالتالي من المنطقي أن يرى اليهود الأمريكيون إسرائيل بشكلها الحالي غير معبرة عن هويتهم الثقافية والسياسية.

ثالثًا- تقارب الولايات المتحدة مع دول الإسلام السياسي: اضطرت الإدارة الأمريكية لخلق مسافة متباعدة بينها وبين إسرائيل لضمان نجاح تقاربها مع دول الإسلام السياسي، وهو ما حدث بين إدارة “أوباما” والنظام الإيراني أثناء عقد الاتفاق النووي، الذي واجه اعتراضًا إسرائيليًا شديدًا.

رابعًا- إسرائيل القومية اليهودية: تراكمت المؤشرات التي تُثبت أن إسرائيل تتصاعد فيها النزعة القومية اليهودية الأصولية، وهو ما يتطابق مع توجهات الحزب الجمهوري الأمريكي، وبالتالي كان من المنطقي أن يرى 72% من الإيفانجليكيين أنه “واجب ديني” على الولايات المتحدة أن تقدم الدعم لإسرائيل. لذا يرى الحزب الديمقراطي أن إسرائيل في صورتها الحالية لا تعبر عن قيمه الليبرالية الديمقراطية، والمتحررة المؤمنة بالتنوع.

ختامًا، يمكن القول إن موقف الحزب الديمقراطي غير موجه نحو إسرائيل كدولة شرق أوسطية تمثل لها ركيزة في المنطقة؛ بل نحو المعسكر الحاكم في إسرائيل حاليًّا الذي يمثل القومية الدينية الأصولية، والذي يقضي على الحلول الممكنة لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وفي محاولة لاستشراف آفاق العلاقة بين إسرائيل والإدارة الجديدة، لا بد من الإشارة إلى أن الأحزاب الدينية المتطرفة في إسرائيل في تصاعد ملحوظ، في حين أن أحزاب اليسار والوسط في تخبط واضح، ومن ثم فإن الحكومة الإسرائيلية ستستمر في انتهاج سياسات استيطانية تعكس الاتجاه المجتمعي والسياسي المسيطر والمنظم في إسرائيل.

المراجع


[1]70% of Jews plan to vote Biden, Pew study finds, timesof Israel, 13 october 2020, link: https://www.timesofisrael.com/70-of-jews-plan-to-vote-biden-pew-study-finds/

[2]Republicans and Democrats Grow Even Further Apart in Views of Israel, Palestinians, pew research center, 23 January 2018, link: https://www.pewresearch.org/politics/2018/01/23/republicans-and-democrats-grow-even-further-apart-in-views-of-israel-palestinians/

[3] 2020 Democratic Party Platform, the 2020 Platform Committee, July 27, 2020, link: https://www.demconvention.com/wp-content/uploads/2020/08/2020-07-31-Democratic-Party-Platform-For-Distribution.pdf

[4]Event Transcript: Changing Identity of Jewish Americans – Implications for Social and Political Engagement, pew research center, October 10 2013, link: https://www.pewforum.org/2013/10/10/event-transcript-changing-identity-of-jewish-americans-implications-for-social-and-political-engagement/

شادي محسن
باحث بوحدة الدراسات الإسرائيلية