تنمية ومجتمع

الموجة الثانية لكورونا: ضرورة تكامل السياسات الوقائية

لا تزال أبحاث المرحلة الثالثة من التجارب السريرية للقاحات فيروس كورونا المستجد تجري على قدم وساق في عدد كبير من المراكز البحثية في العالم؛ على أمل الوصول إلى لقاح فعال وآمن بحلول نهاية العام. ومع تزايد الآمال حول فعالية تلك اللقاحات في تعزيز مناعة الأفراد ضد الفيروس، ظهرت بعض التحذيرات من قبل علماء في الجمعية الملكية في بريطانيا، تفيد بصعوبة عودة الحياة لطبيعتها فور إيجاد اللقاح. هناك عدد كبير من التحديات حتى ولو تم الوصول للقاح، مثل: ندرة المواد الخام لكل من اللقاح والقوارير الزجاجية وسعة الثلاجات اللازمة لحفظها، حيث تحتاج بعض اللقاحات إلى التخزين في درجة حرارة أقل من…

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة

لا تزال أبحاث المرحلة الثالثة من التجارب السريرية للقاحات فيروس كورونا المستجد تجري على قدم وساق في عدد كبير من المراكز البحثية في العالم؛ على أمل الوصول إلى لقاح فعال وآمن بحلول نهاية العام. ومع تزايد الآمال حول فعالية تلك اللقاحات في تعزيز مناعة الأفراد ضد الفيروس، ظهرت بعض التحذيرات من قبل علماء في الجمعية الملكية في بريطانيا، تفيد بصعوبة عودة الحياة لطبيعتها فور إيجاد اللقاح.

هناك عدد كبير من التحديات حتى ولو تم الوصول للقاح، مثل: ندرة المواد الخام لكل من اللقاح والقوارير الزجاجية وسعة الثلاجات اللازمة لحفظها، حيث تحتاج بعض اللقاحات إلى التخزين في درجة حرارة أقل من 80 درجة مئوية تحت الصفر، كما ستحتاج حملات التطعيم الجماعي لهذا العدد الضخم من المواطنين في العالم إلى عدد كبير من موظفي الصحة المدربين بشكل جيد. أيضًا، حذر الباحثون من أن ضمان المناعة طويلة الأمد ضد الفيروس سيستغرق بعض الوقت للتأكد من تحققه، فلا يوجد ما يكفي من المعلومات لمعرفة هل ستكون هناك حاجة إلى تكرار تطعيم الأفراد على فترات، أم أن جرعة واحدة فقط ستفي بالغرض.

لذا يقترح الخبراء أن الاستراتيجية الأفضل لإدارة الموجة الثانية ستعتمد بشكل أساسي على تكامل عدد من السياسات الوقائية، التي تم تصميمها وفقًا للخبرات المُكتسبة خلال الموجة الأولى من تفشي الفيروس، وتطبيقها حتى اعتماد لقاح فعال وتحقيق برنامج التلقيح الشامل.

سياسة الإغلاق الجزئي

تدرّجت تدابير الإغلاق التي فرضتها البلدان خلال جائحة كورونا، وفقًا لتصاعد أعداد الإصابات الجديدة اليومية بالفيروس. ففي بداية الأزمة اتجهت أغلب البلدان إلى فرض الإغلاق الكامل؛ لوقف نزيف الإصابات المتزايدة، ودعم قدرات الأنظمة الصحية لمواجهته، مع كسب المزيد من الوقت لبناء أكبر قدر من المعرفة حول فيروس كورونا وآليات انتشاره وكيف يمكن السيطرة عليه، ونجحت هذه السياسة في خفض منحنى الإصابات بشكل سريع، مما أتاح تخفيف القيود المفروضة ورفعها تمامًا في بعض البلدان. 

عكف العلماء خلال تلك الفترة على دراسة تأثيرات عملية الإغلاق الكلي، وبجانب تأثيراتها الواضحة على الاقتصاد، أوضحت نتائج الدراسات أنها قد تتسبب أيضًا في إطالة مدة الوباء. فمع فرض الإغلاق ثم رفع قيود الإغلاق؛ يستمر انتشار فيروس كورونا المستجد على هيئة موجات تنازلية وتصاعدية، مما يعيق التخلص من الفيروس بشكل نهائي. لذا يصبح خيار الإغلاق الجزئي، مع حماية كبار السن والفئات الأكثر عرضة للخطر -نظريًّا- أفضل من الإغلاق الكامل، وهو الخيار الذي سيسمح أيضًا بتحقيق مناعة القطيع من الفيروس من خلال تعرض الأصحاء والشباب الذين يواجهون خطرًا ضئيلًا للوفاة بسبب الفيروس.

وبدأ عدد من البلدان الأوروبية مؤخرًا في الاعتماد على الإغلاق الجزئي، كبديل عن الإغلاق الكامل، خلال مواجهتها الموجة الثانية من الفيروس. وعلى الرغم من كون هذه الموجة مصحوبة بأعداد إصابات جديدة يومية أضخم بكثير مما كانت عليه الإصابات اليومية في الموجة الأولى، وتجاوز الإصابات حاجز 60 ألف إصابة في اليوم الواحد، في فرنسا على سبيل المثال؛ إلا أن تدابير الحجر الصحي التي فرضتها الحكومة الفرنسية -بدءًا من نهاية شهر أكتوبر وحتى الأول من ديسمبر المُقبل- لم تتضمن إغلاق المدارس، وكذلك هو الحال في إسبانيا وإيطاليا اللتين أعلنتا عن فرض حظر تجول ليلي من منتصف الليل وحتى السادسة صباحًا؛ بهدف تقليص النشاطات الاجتماعية ومنع تجمعات الأفراد. فيما فرضت السلطات الألمانية إغلاقًا جزئيًا على المطاعم والحانات وصالات اللياقة البدنية ودور السينما، مع قصر التجمعات في الأماكن العامة على ما لا يزيد على عشرة أشخاص من منزل واحد أو منزلين، بينما استثنت الإجراءات المدارس والحضانات من قرار الإغلاق.

سياسة التوسع في إنتاج الاختبارات السريعة

ظلت الفترة الطويلة التي تستغرقها اختبارات تفاعل البوليميريز المتسلسل أو ما يعرف بـPCR، عائقًا أمام العديد من البلدان في محاولتها احتواء فيروس كورونا، لا سيما في المناطق التي لا تملك مرافق مختبرية متطورة، أو العدد الكافي من الفنيين الصحيين المدربين بشكل جيد؛ لذا كان من الضروري إنتاج الاختبارات السريعة، التي تعتمد على كشف الأجسام المضادة للفيروس. وعلى الرغم من كونها أقل حساسية، إلا أن علماء الفيروسات يرون أن الاختبارات السريعة قادرة حاليًّا على تحديد الأشخاص المصابين الذين لديهم حمولة فيروسية عالية، تهدد بانتقال العدوى للآخرين؛ وبالتالي فإن التوسع في إنتاج الاختبارات السريعة قد يكون حاسمًا في احتواء فيروس كورونا. حيث إنه في حال تم إنتاج كميات ضخمة من تلك الاختبارات، وجعلها سهلة الوصول للجميع وبسعر منخفض؛ ستكون هناك فرصة أكبر للكشف عن الأفراد الحاملين للفيروس والذين قد لا تظهر على بعضهم أي أعراض.

وأصبحت سياسة الاختبارات السريعة –بالفعل- عنصرًا رئيسيًّا في استراتيجيات الاختبار في بلدان عدة مثل إيطاليا والهند، كما خصصت الولايات المتحدة الأمريكية ميزانية قدرها 760 مليون دولار لزيادة إنتاج الاختبارات السريعة. وفي نهاية شهر سبتمبر الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية عن توفير أداة اختبار جديدة يمكنها تشخيص الإصابة بفيروس كورونا خلال فترة تتراوح بين 15 و30 دقيقة، وبسعر لا يتجاوز 5 دولارات للاختبار الواحد، وهو ما من شأنه أن يعزز بدرجة كبيرة قدرة البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض على رصد انتشار الفيروس بشكل أسرع، وأوضحت المنظمة كذلك أن شركتي “أبوت” و”إس دي بيوسنسور” اتفقتا مع مؤسسة “بيل وميليندا غيتس” الخيرية على تصنيع 120 مليون وحدة اختبار.

التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات

من أهم الإجراءات الفورية التي اعتمدتها البلدان في محاولة السيطرة على تفشي فيروس كورونا المستجد، كان حَثّ الناس على ضرورة الالتزام بسياسات التباعد الاجتماعي؛ أي تفادي الاختلاط مع الآخرين، والالتزام بالمنازل. وساهمت سياسة التباعد الاجتماعي بشكل كبير في احتواء تفشي الفيروس، فوفقًا لتقديرات باحثين من جامعة تكساس الأمريكية، فإن أسبوعين فقط من اتباع سياسات التباعد الاجتماعي خفضت انتشار فيروس كورونا بنسبة 65٪ على مستوى العالم، مما منع أكثر من 1.5 مليون حالة جديدة في 134 دولة مختلفة شملتها الدراسة، كما أكد الباحثون أن الدول القليلة التي قاومت هذه السياسة لم تشهد أي انخفاض تقريبًا في مدى انتشار الفيروس.

وكذلك هو الحال مع سياسة تعميم ارتداء كمامات الوجه، فالدول التي نجحت في إبطاء معدل انتشار فيروس كورونا المستجد، ومعظمها دول آسيوية، فرضت على مواطنيها ارتداء الكمامات في الأماكن العامة. كما خلصت دراسة أُجريت بجامعة هونغ كونغ إلى أن الغالبية العظمى من المصابين انتقلت إليهم العدوى في بيئات مغلقة، كالمنازل ووسائل النقل والمطاعم ودور السينما والمتاجر، حيث ينتشر الفيروس عبر قطيرات الجهاز التنفسي العالقة في الهواء في المساحات سيئة التهوية. ولهذا يؤكد العلماء أن الكمامات تسهم في الحد من انتقال العدوى بين الناس في التجمعات، ولا سيما إذا ارتداها الناس في المواصلات العامة والأماكن المزدحمة؛ حيث تستطيع كمامة الوجه الحد من كميات الفيروسات التي تنتقل عبر قطيرات الجهاز التنفسي، هذا بجانب وجود نسبة تتراوح بين 6 و18 في المائة من المصابين قد لا تظهر عليهم أي أعراض للمرض رغم أنهم قادرون على نشر العدوى. وبالتالي إذا ارتدى الجميع، خصوصًا عديمي الأعراض، الكمامات، فستقل كمية الفيروسات المنتشرة في الهواء، وستقل احتمالات انتقال العدوى، لا سيما إذا اقترن هذا بغسل اليدين والالتزام بالتباعد الاجتماعي.

ورغم تعدد السياسات الوقائية، والدور الرئيسي للحكومات في اختيار أفضلها، والسعي المستمر للباحثين والعلماء في إيجاد سياسات متطورة للتعامل مع الفيروس لحين إيجاد وتعميم اللقاح؛ إلا أن الوعي والدعم المجتمعي للحكومات في تنفيذ هذه السياسات يُعد من أهم أركان استراتيجية مواجهة فيروس كورونا، سواء في هذه الموجة أو ما بعدها؛ حيث إن المسئول الأول والأخير في حماية الفرد لتفادي العدوى هو الفرد ذاته، فهو من سيقرر أن يلتزم بإجراءات الإغلاق الجزئي أثناء المساء، وهو من سيقرر ارتداء الكمامة، وهو أيضًا من سيقرر الالتزام بالتباعد الاجتماعي مع من حوله.

ألاء نصار
باحثة ببرنامج السياسات العامة