تنمية ومجتمع

حدود مراعاة السياسة الضريبية للعدالة الاجتماعية

ثمة علاقة وثيقة بين السياسات الضريبية وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ إذ إن زيادة حصيلة الموارد التي توفّرها الأولى تُسهم في تمويل التنمية الاقتصادية والمجتمعية، وتقليص عدم المساواة، والعكس صحيح. وحول هذه العلاقة في مصر، نظّم المجلس القومي لحقوق الإنسان خلال شهر أكتوبر 2020 ندوة حفلت بنقاشات متعددة حول: كيف يمكن تحويل الضرائب إلى أداة للعدالة والتنمية؟ حصيلة الضرائب المصرية تنقسم الضرائب إلى نوعين: إما مباشرة تجمعها الحكومة من دخول وثروات الأفراد والشركات والهيئات حسب القدرة على الدفع، وإما غير مباشرة تجمعها الدولة على السلع والخدمات، ويدفعها في نهاية المطاف المستهلك النهائي. وتصل أرقام حجم الحصيلة المصرية من الضرائب إلى 14% من…

د نهى بكر
عضو الهيئة الاستشارية

ثمة علاقة وثيقة بين السياسات الضريبية وتحقيق العدالة الاجتماعية؛ إذ إن زيادة حصيلة الموارد التي توفّرها الأولى تُسهم في تمويل التنمية الاقتصادية والمجتمعية، وتقليص عدم المساواة، والعكس صحيح. وحول هذه العلاقة في مصر، نظّم المجلس القومي لحقوق الإنسان خلال شهر أكتوبر 2020 ندوة حفلت بنقاشات متعددة حول: كيف يمكن تحويل الضرائب إلى أداة للعدالة والتنمية؟

حصيلة الضرائب المصرية

تنقسم الضرائب إلى نوعين: إما مباشرة تجمعها الحكومة من دخول وثروات الأفراد والشركات والهيئات حسب القدرة على الدفع، وإما غير مباشرة تجمعها الدولة على السلع والخدمات، ويدفعها في نهاية المطاف المستهلك النهائي. وتصل أرقام حجم الحصيلة المصرية من الضرائب إلى 14% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تتراوح المعدلات العالمية بين 18% و22%، وتستهدف السياسة الضريبية المصرية الوصول إلى نسبة 16.5% من الناتج المحلي في السنوات الخمس المقبلة.

تتركز أهداف السياسة الضريبية في مصر في تحقيق أكبر قدر من الحصيلة المالية، وتحفيز النشاط الاقتصادي، وتشجيع الاستثمار، ومراعاة الجانب الاجتماعي، وتخفيف العبء عن الفئات الأولى بالرعاية. أما عن العدالة الاجتماعية، فركيزتها الأساسية هي تقليص الفوارق بين الطبقات، وتخفيف الأعباء عن فئات المجتمع التي تعاني اقتصاديًّا، وصحيًّا، واجتماعيًّا، حيث تتمحور آليات نجاح ملف العدالة الاجتماعية يتمحور حول السياسات الاقتصادية الرشيدة التي تحتاج إلى تمويل يأتي جزئيًّا من حصيلة الضرائب، وتحقيق الحياد الضريبي، وذلك عن طريق استخدام الضريبة كأداة لإعادة توزيع الدخل بين المواطنين، وبذلك تتحقق العدالة في توزيع الأعباء العامة على كافة المواطنين، أما النظام الضريبي غير العادل فيزيد من حدة وتفاقم ظاهرة عدم المساواة.

مبدأ الضرائب التصاعدية

تستلزم العدالة الاجتماعية فلسفة سياسة ضريبية عادلة، تكون فيها الضرائب تصاعدية، وقد تمت إجراءات في مصر لمراعاة هذا البعد، حيث إن دستور 2014 استحدث في المادة 38 نصًّا بالالتزام بالضرائب التصاعدية عند فرض الضريبة على الأشخاص العاديين، وقد ترجم ذلك على الضرائب المباشرة في القانون رقم 26 لسنة 2020، حيث تم رفع الإعفاء الضريبي السنوي من 8 إلى 15 ألف جنيه مصري، بينما رفع حد الإعفاء الشخصي من 7 إلى 9 الآف جنيه مصري ليصبح من يحصل على 24 ألف جنيه معفيًّا ضريبيًّا، بالإضافة إلى تقرير شريحة مخفضة على الوعاء الضريبي حتى 30 ألف جنيه بقيمة 2,5%.

يستوجب هذا الحد في الإعفاء الضريبي مراجعته بصورة دورية وتعديله، لا سيما وأن قاعــدة العدالــة تتطلب فــرض ضريبــة تلاءم مســتوى دخــل الفــرد، وهــي قاعــدة قابلــة للتغييــر والتعديــل مراعاة للتضخم، ومنعًا لتهرب صغار الممولين تحت ضغط العوز، وإضافة للنظر في الحالة الاجتماعية، خاصة في حالة إعالة أبناء، ومراعاة اختلاف الحالة الاجتماعية للممولين عند تحديد حد الإعفاء.

ثمة صعوبات بالنسبة لتطبيق مبدأ الضرائب التصاعدية في حالة الضرائب غير المباشرة، لا سيما وأنها تجمع ضريبة على الاستهلاك بشكل متساوٍ من الجميع، بغض النظر عن قدرتهم على الدفع، وبالتالي فهي عكس الضرائب التصاعدية التي تقوم على رفع سعر الضريبة كلما ارتفع الدخل توخيًا للعدالة. ومن ثمّ فإن الشرائح الأقل دخلًا تدفع الضرائب غير المباشرة بشكل متساوٍ عند الاستهلاك مع نظرائهم ذوي الدخول الأعلى.

تحاول الحكومة المصرية معالجة هذا القصور في مسألة تأثير الضرائب غير المباشرة على الشرائح الأقل دخلًا بإعفاء بعض السلع الأساسية من ضرائب المبيعات والقيمة المضافة، وفي الوقت ذاته استهداف بعض السلع الترفيهية بأسعار ضريبية أعلى مراعاة للعدالة الاجتماعية.

تستلزم العدالة الاجتماعية المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، وهو ما تم مراعاته في قانون الضرائب المصري في إطار عدم التمييز في منح الإعفاء الشخصي، لا سيّما وأنهما يتحملان أعباء الأسرة، وثمّة أهمية لتطبيق الواجبات الضريبية على الجميع، إذ إن هناك تفاوتًا كبيرًا بين تحمّل أصحاب المرتبات الثابتة ضرائبَ حقيقية مخصومة من المنبع، وأصحاب المهن الحرة والأنشطة غير الرسمية الأقل التزاما بدفع الضرائب إما عن جهل بالمنظومة، أو تقاعس، أو عدم نجاح في التعامل مع الروتين والبيروقراطية؛ وهو ما يتطلب العمل سريعًا على تشجيع وتوسيع دمج الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية في المسار الرسمي، حتى يتسنى حصرها ومحاسبتها ضريبيًّا، مما يحقق العدالة بين المكلفين في المجتمع الضريبي.

رفع الكفاءة الضريبية

تستوجب العدالة الاجتماعية سد جميع الفجوات على المتقاعسين في السداد الضريبي، وعدم خلط الأوراق بين المتقاعس والمتعثر، فالسياسة الرشيدة تساعد الممول المتعثر للخروج من أزمته، وللعودة إلى نشاطه الذي سيُعيد قدرته على دفع الضرائب وزيادة حصيلتها، أما إسقاط المتأخرات عن المتقاعسين فهو يُعد مكافأة قد تضر الحصيلة الضريبية وقدرتها على تمويل العدالة الاجتماعية، ناهيك عن الإضرار بأسس المواطنة التي ترتكز على الحقوق والواجبات.

ومن الهام عدم الخلط بين المتقاعسين، وغير المدركين لما لهم وما عليهم في النظام الضريبي وكيفية التعامل معه، وذلك من خلال رفع الوعي في وسائل الإعلام التقليدية والإلكترونية، وعمل الأنشطة الطلابية المرتبطة بالعملية الضرائبية مثل المحاكاة، وغيرها من أساليب التعليم والتدريب غير التقليدية، ولعل أحد ملامح تحقيق العدالة الاجتماعية هو تسهيل السداد الضريبي على الممولين عبر التخلص من البيروقراطية، والتعنت، والروتين، والتقديرات الجزافية، علمًا أنه تم مؤخرًا -بالفعل- سنّ تشريعات للتيسير وتبسيط الإجراءات، مثل: قانون الإجراءات الضريبية، وقانون المنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر، وإن كان هناك انتظار لتقييم الأثر التنفيذي لهذه القوانين.

 إن تحسين كفاءة الحصيلة الضريبية يستلزم إعداد الكوادر المؤهلة للعمل الضريبي، وتوفير بيئة عمل جيدة، ومميكنة، وتدريب العاملين في الضرائب، ورفع قدراتهم في التعامل مع الممول الذي يستخدم وسائل التهرب أو التجنب الضريبي، علمًا أن عدد العاملين في الضرائب يصل عددهم إلى 42 ألف موظف، وهو عدد أكبر من المعدل العالمي.

 يظل أخيرًا أن الأنظمة الضريبية تمثل الأداة الفعالة لتحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية، فضمان وجود أنظمة ضريبية عادلة يوفر فرصًا لتعزيز التماسك الاجتماعي، ويقلل عدم المساواة، ويدعم التدفقات الاستثمارية والنمو الاقتصادي. ومع هذا، يعترض الحديث عن العدالة الاجتماعية معضلة التهرب الضريبي التي تُسهم في تكريس الفوارق الاجتماعية، وتقليص فرص توفير التمويل لموازنة الدولة للخدمات الاقتصادية، والاجتماعية، والصحية لغير القادرين، ولكن من المهم إدراك أن أساس السياسة الضريبية هو تحقيق العدالة الاجتماعية وليس الجباية.

نقلا عن تقديرات مصرية العدد الثالث عشر

د نهى بكر
عضو الهيئة الاستشارية