جحيم الثروة: كيف تجاوز الإرهاب في موزمبيق حدود التوحش؟

مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

المنطقة الشمالية في موزمبيق؛ التي تعاني من وطأة تنامي الإرهاب المسلح فيها منذ ما يقارب الأعوام الثلاثة، تدخل عامها الرابع على وقع ضربات مدوية وبحصيلة باهظة تمثلت في عدد للضحايا تجاوز (2000 قتيل)، وتسبب في نزوح (300 ألف شخص) اضطراريا هربا من أخطار الأعمال المسلحة. هذه الأعمال تجري في المنطقة التي أعلن أنها شهدت وستشهد مستقبلا، مشروعات واعدة للغاز الذي تأكد أن هذا الإقليم يحوي مخزون بحري وبري كبير منه، ومنذ هذا الإعلان ومع بداية التحركات الفرنسية ممثلة في مشروعات شركة “توتال”، تمددت حالة واسعة من خيبة الأمل في الإقليم الشمالي الذي شعر أن الأحداث ستتجاهله، فيما كان يخطط لمشروعات…

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

المنطقة الشمالية في موزمبيق؛ التي تعاني من وطأة تنامي الإرهاب المسلح فيها منذ ما يقارب الأعوام الثلاثة، تدخل عامها الرابع على وقع ضربات مدوية وبحصيلة باهظة تمثلت في عدد للضحايا تجاوز (2000 قتيل)، وتسبب في نزوح (300 ألف شخص) اضطراريا هربا من أخطار الأعمال المسلحة. هذه الأعمال تجري في المنطقة التي أعلن أنها شهدت وستشهد مستقبلا، مشروعات واعدة للغاز الذي تأكد أن هذا الإقليم يحوي مخزون بحري وبري كبير منه، ومنذ هذا الإعلان ومع بداية التحركات الفرنسية ممثلة في مشروعات شركة “توتال”، تمددت حالة واسعة من خيبة الأمل في الإقليم الشمالي الذي شعر أن الأحداث ستتجاهله، فيما كان يخطط لمشروعات بحرية بالمليارات تسببت بداية في طرد كثيرين من المواطنين المحليين من قراهم وأراضيهم الزراعية ومن الأماكن التي اعتادوا الصيد فيها، مما فاقم الشعور العام بالمرارة، ومثل أرضية خصبة لتنامي العنف المسلح الذي يعمل على خلفيته.

قبيل ظهور هذه الأعمال المسلحة، رصدت مقاطعة “كابو ديلجادو” التي تقع شمال شرق موزمبيق وذات الغالبية المسلمة، بداية تشكيل جماعة تسمت ب”أنصار السنة”، ادعت أن لها منهج محافظ ومتشدد وبدأت في بناء مساجد خاصة بها، بعيدا عن المساجد العامة المنتشرة في المدن وقرى الإقليم. لكن مما أثار العجب حينها أن أتباع هذا التيار تميز سلوكهم بالتناقض ولفه الكثير من الغرائب، فقد كانوا يرتادوا مساجدهم بعد جلسات مطولة يحتسون فيها الخمر أولا، فضلا عن دخول المساجد وأداء الشعائر بالسراويل القصيرة التي لا تستر العورة ودون خلع أحذيتهم. ولذلك قلل الأهالي من أهمية هذه الحركة، ومن قدرة هؤلاء الشباب الجديد في التسبب بأشكال من الأذى للأهالي، لكن سرعان ما تبين خطأ هذا التقدير، حيث تحولت مدينة “موسيمبوا دا برايا” بعد فترة قصيرة لبؤرة للنزاع. وشهد أكتوبر من العام 2017 أولى عمليات هذا التيار الذي حرص على إخفاء هوية عناصره التي حملت السلاح، بل وبدأت في بث أشرطة ومقاطع مصورة، أعلنت فيها نيتها تأسيس أرض لـ”الخلافة” على غرار ما أعلن عنه تنظيم “داعش” في سوريا والعراق.

مع نهايات العام 2018 وطوال 2019، تأكد تبعية هذا التنظيم إلى “داعش” الأم بعد تبني الأخير للعديد من عمليات الإغارة التي بدأوا في ممارستها ضد الأهالى، لكن ظل عدد العمليات المسلحة يتصاعد بوتيرة كشفت عن وجود تحالف وثيق، بين هذا التنظيم الذي ادعى مرجعيته الدينية وبين مجموعات مسلحة بعضها مجرد جماعات إجرامية، من الصعب معرفة تركيبتها وولاءاتها بدقة، لكنها ظلت حاضرة بقوة في مشهد أفعال القتل وتهجير الأهالي بغارات الرعب. حرصت هذه الجماعات على زيادة عمليات الاستقطاب والتجنيد بين الشباب، حيث جند التنظيم المتشدد بعض الشباب عبر وعود زائفة بتقديم منح للدراسة في الخارج، أو بتوفير وظائف ورواتب شهرية ثابتة، ليتحول الأمر إلى الدفع بهم في معسكرات تدريب في أعماق غابات “كابو ديلجادو” الواسعة. وبدأ في هاذين العامين الفارقين في عمر هذا النشاط، قدوم أشخاص من منطقة البحيرات العظمى وأماكن أخرى بإفريقيا، ليقوموا بتدريب هذه العناصر الشبابية رجحت المعلومات الاستخباراتية أنهم من صفوف تنظيم “بوكو حرام”. حيث بدأت بصمة هذا الأخير تظهر على عمليات واستهدافات التنظيم الوليد بموزمبيق، فذات الأهداف ونمط الترويع الكاسح بحق السكان المحليين كشف أن هناك اتصال وثيق، يدفع إلى توقع تدريب هؤلاء المنخرطين الجدد على المنهج الداعشي، وبتوقيع “بوكو حرام” النيجيرية.

في أغسطس الماضي؛ لم يلفت نظر الكثيرين العملية النوعية التي نفذها التنظيم الذي صار يعرف باسم “الشباب”، حين قاموا بالاستيلاء على ميناء رئيسي في شمال موزمبيق يسمى “موكيمبوا دا برايا”، وهو على اسم البلدة التي تقع على مسافة 80 كم جنوب شبه جزيرة “أفونجي” حيث يقع مشروع منشأة لتسييل الغاز الطبيعي، الذي يعد واحد من أكبر المشاريع الاستثمارية في إفريقيا بكاملها، ويشكل الميناء المعبر الرئيسي نحو المشروع. قبل أن تتمكن قوات الجيش من إعادة السيطرة على الميناء الهام، تمكن التنظيم من اغراق احدى السفن بقذيفة صاروخية متطورة، مما ألقى بظلال من التساؤلات عن مدى التسليح والتجهيز المتطور، الذي بدا على عناصره وكشف عنه أثناء تنفيذ تلك العملية. ورغم تسمي التنظيم بـ “الشباب”، إلا أنه من غير المعروف حتى الآن إذا كان هناك ارتباط تنظيمي بحركة الشباب الصومالية، فالمعلومات المتوافره عن قيادة التنظيم شحيحة ومتضاربة في أغلبها، فهناك من ذكر أنه يوجد قائدان محتملان أحدهما يسمى “عبد الله ليكونجا”، لكن الشرطة في العاصمة “مابوتو” أعلنت في بيان رسمي عقب احدى عمليات التنظيم، عن وجود ستة رجال في قيادة الحركة، لم يكن اسم “عبد الله ليكونجا” بينهم. 

مؤخرا صدم تنظيم “الشباب” موزمبيق بمقاطعاتها العشرة جميعا، عندما قام بمجزرة قطع فيها رؤوس (50 شخص) بملعب لكرة القدم، ثم جرى التمثيل بجثث الضحايا عبر تقطيعها لأشلاء ومن ثم إلقاءها في احدى الغابات المجاورة لموقع الهجوم. المثير في المشهد والذي يعكس حالة غامضة من الهوس تتلبس عناصر التنظيم، أنه جرى اختطاف هؤلاء الضحايا وغيرهم من قرى قريبة من موقع الجريمة المروعة، وتم اصطحابهم إلى ملعب الكرة حيث قام الخاطفين بممارسة “طقوس” وثنية لها طابع احتفالي، قبل الإقدام على ذبح الضحايا وفصل رؤوسهم عن أجسادهم، جرى هذا الطقس بحق الرجال وعدد من الصبية قدر بنحو (15 صبي) من مجموع الخمسين ضحية، ثم قامت هذه المجموعة التي قدرت بالعشرات بتوزيع الأشلاء في الغابات المجاورة، في الوقت الذي اصطحبوا فيه النساء قبل مغادرتهم المكان ليصير هناك ما يقارب (20 سيدة وفتاة) في عداد المخطوفين. 

موجة عاتية من العنف المسلح، والهوس الذي يتجاوز في أداءه كافة الأعراف الإنسانية وفطرة التعامل البشري، تضرب موزمبيق بقوة وتجد لها مناصرين حولها من دول الجوار، التي لديها هي الأخرى نسخ مشوهة من خليط يضم التنظيمات التي تدعي مرجعياتها الدينية، فضلا عن الحركات الانفصالية والإجرامية التي لديها ميراث تاريخي من العداء مع عواصم تلك البلدان، هذا الاتحاد الذي برعت “داعش” في تأسيسه وتصديره، يدفع ثمنه الباهظ الضحايا من سكان القرى والبلدات التي تمتد بعرض قارة أفريقيا، في “حزام النار” الذي يدور حولها من الشرق للغرب وبالعكس.

ـــــــــــــــ

نقلا عن جريدة الدستور، الخميس ١٢ نوفمبر ٢٠٢٠.

خالد عكاشة
مدير المركز المصري للفكر و الدراسات الاستراتيجية

مقالات أخرى للكاتب